العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

حول تنظيم آلية صرف المضادات الحيوية

بقلم: عبدالهادي الخلاقي

الأحد ٠٩ ٢٠١٨ - 01:15

كيف ستصبح أجيالنا بعد مرور عشرين عامًا؟! هذه العبارة قالها لنا أحد الأطباء في مستشفىLeids Universitair Medisch Centrum في هولندا عندما مرضت ابنتي وذهبت بها إلى قسم الطوارئ في هذا المستشفى، وطلبنا منه إعطاءها مضادًا حيويًا ليذهب عنها هذا المرض، فإذا بالطبيب يستنكر هذا الطلب ويعتبره جرما بحق الطفل؛ حيث إن صرف مضاد حيوي لعلاج حالات لا تستدعي تناوله في الأعراف الطبية الأوروبية يعتبر جريمة بحق الأطفال.

الأنظمة المعمول بها في المشافي الأوروبية لا تعطى المريض مضادات حيوية إلا في أضيق الحالات وأحلكها بحسب ما يراه الأطباء مناسبا لعلاج الحالة المرضية آخذين بعين الاعتبار مستقبل الأطفال «جيل المستقبل» بعد مرور عقدين أو ثلاثة عقود من أعمارهم، على النقيض في مجتمعنا البحريني، فقد تفشت ظاهرة تناول المضادات الحيوية لأبسط عارض مرضي، فبمجرد إصابة الشخص باحتقان في الحلق «البلاعيم» أو نزلة برد نجده يلجأ إلى المضادات الحيوية من تلقاء نفسه من دون معرفة الآثار السلبية الناتجة عن الإفراط في تناولها، معتقدين بأن هذا الدواء هو أفضل علاج لإنهاء المرض سريعًا، طبعًا من ناحية علمية فإن هذا المعتقد خاطئ تمامًا؛ إذ إن استخدام المضادات الحيوية في كثير من الأحيان يضر ولا ينفع، بل إنه يشكل خطرًا كبيرًا على صحة الأطفال في مستقبل حياتهم، فالمضاد الحيوي عبارة عن دواء لقتل البكتيريا ومنعها من التكاثر فقط، وليس له أي تأثير على الفيروسات التي تكون في الغالب هي السبب في نزلات البرد والرشح والتهاب الجيوب الأنفية وغيرها عند الأطفال، وهنا لا بد من التأكيد أن المضادات الحيوية لا تقتل البكتيريا الضارة فقط، بل تقتل كذلك البكتيريا النافعة والمهمة جدًا لجسم الطفل.

والسؤال الذي يطرح نفسه: من المتسبب في انتشار هذه الظاهرة غير الصحية في مجتمعنا؟! فعندما يمرض أحد أطفالنا نهرع إلى أقرب مركز صحي أو عيادة خاصة، وبعد المعاينة يقوم الطبيب بوصف مضاد حيوي لعلاج الحالة، وهو أبسط ما يقوم به الطبيب للتخلص من المريض غير آبه بما قد يترتب على ذلك من مخاطر مستقبلية لهذه الأجيال.

هذه الثقافة لدى السواد الأعظم من الناس سببها بعض الأطباء الذين روجوا لهذه الظاهرة. إما عن جهل وهذه مصيبة، أو أنهم لا يكترثون بما قد يُصيب الطفل في مراحل عمرية متقدمة من أضرار نتيجة الإفراط في تناول هذه المضادات وتلك مصيبة عظمى. وللتوعية بأضرار هذه الظاهرة السلبية المنتشرة بكثرة في العالم الثالث تحديدًا، أطلقت منظمة الصحة العالمية في عام 2015 حملة دولية بعنوان «الأسبوع العالمي للتوعية حول المضادات الحيوية»، وقد هدفت من خلالها إلى زيادة الوعي بالكيفية التي تستخدم فيها المضادات الحيوية، وأكدت المنظمة  ضرورة وصف هذه الأدوية من قبل طبيب مهني معترف به من الجهات الطبية الرسمية، ووضع ضوابط ملزمة للصيدليات بعدم صرف أو بيع هذه الأدوية من دون وصفة طبية معتمدة.

الباحثون في المجال الطبي أكدوا أن قضية الإفراط في استخدام المضادات الحيوية تعتبر واحدة من أكبر التهديدات التي تواجه البشرية، حيث يصفونها بأنها بمثابة الإرهاب والاحتباس الحراري، ويذكر أن ما يزيد على 700 ألف شخص يموتون سنويًا جراء الإصابات المقاومة للأدوية، بما في ذلك السل وفيروس نقص المناعة المكتسبة والملاريا في جميع أنحاء العالم.

خلاصة القول: منظمة الصحة العالمية حثت راسمي السياسات في وزارات الصحة على أن يقوموا في إطار سعيهم إلى الوقاية من انتشار استخدام المضادات الحيوية ومكافحتها بما يلي:

‭{‬ ضمان وضع خطة عمل وطنية متينة موضع التنفيذ بشأن معالجة ومقاومة المضادات الحيوية.

‭{‬ تحسين رصد عدوى الالتهابات الناجمة عن مقاومة المضادات الحيوية.

‭{‬ تعزيز السياسات والبرامج وتطبيق تدابير الوقاية من عدوى الالتهابات ومكافحتها.

‭{‬ تنظيم وتعزيز استعمال الأدوية الجيدة النوعية، والتخلّص منها كما ينبغي.

‭{‬ إتاحة المعلومات عن آثار مقاومة المضادات الحيوية.

وسؤالنا لسعادة وزيرة الصحة السيدة فائقة بنت سعيد الصالح: أين نحن من هذه السياسات التي تحد من انتشار هذه الظاهرة الخطرة التي تهدد مستقبل أبنائنا أجيال المستقبل؟! ولماذا لا نعمل بمبدأ «درهم وقاية خير من قنطار علاج»، والحد من تنامي هذه الظاهرة؟! لماذا لا يوجد سجل صحي لكل مواطن يفعل في المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية والمستشفيات والعيادات الخاصة والصيدليات، والذي يتم من خلاله توثيق ما صرف للمريض من أدوية ليسهل على الأطباء معرفة التاريخ الصحي للمريض وتتبع حالته الصحية وما يتناوله من أدوية، أسوة بالدول المتقدمة في هذا المجال؟! والأهم.. لماذا لا يتم توظيف أطباء ذوي كفاءة وإخلاص وأمانة في تأدية واجبهم الإنساني ليؤتمنوا على صحة أطفالنا؟!

أمر آخر لا بد من التنويه إليه، وهو «الصيدليات» التي باتت أعدادها تنافس المحال التجارية، حيث نتمنى ألا تصبح دكاكين للبيع تبحث عن الربح المادي على حساب صحة المواطنين، فهذه طامة كبرى أن تُباع الأدوية من دون وصفات طبية من قبل طبيب مرخص له بمزاولة المهنة، ونتمنى ألا يصل بنا الحال إلى أن تُباع الأدوية بعروض ترويجية كما تُباع السلع في المحلات التجارية.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news