العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

فـــــــن إصـــــــــدار الأوامــــــــر وتقبـلهــــــا

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٩ ٢٠١٨ - 01:15

ذات مرة عندما كنت في مهمة استشارية لواحدة من المؤسسات، وأثناء فترة الاستراحة، كان بعضنا يتناول القهوة والبعض الآخر يتناول فطوره الصباحي، وقد كان حديث الموظفين يدور حول أحد المسؤولين الذي يصفونه بأنه «ضعيف»، وذلك لأنه لايستطيع أن يصدر الأوامر، وإن حدث وأصدر أمرًا فإنه لا يُطاع، ولم يحدث في تاريخ المؤسسة أن تمت طاعته في يوم ما.

بعد عدة أيام تحينت الفرصة ودخلت إلى الأخ المسؤول، وذلك بحجة الاستشارة والعمل وما إلى ذلك، بعد عدة جلسات وبعد أن امتدت أواصر الثقة بيننا، قال لي بحسرة: تصور، أجد نفسي في وضع غير صحي.

قلت: لم؟

قال: ببساطة عندي مشكلة مع العاملين في إدارتي، فأوامري لا تنفذ، ولم تنفذ قط، ولا أعرف كيف أحل هذه المشكلة؟

قلت له: هل بسبب الموظفين، أم تعتقد أن هناك أسبابا أخرى؟

ولم أشأ أن أقول له ربما تكون أنت سبب المشكلة، لذلك حاولت أن أربط الموضوع بالموظفين، ثم بدأ يتكلم ويبرر ويفند وقال الكثير من الأمور غير الواضحة والمبهمة، وأنا أحاول أن أكتب ملاحظاتي على ما يقول.

وبعد عدة جلسات من طرح هذا الموضوع بينه وبيني، وربما كتابة العديد من الأوراق، قلت له: سأدرس الموضوع، ثم أرد عليك. ثم عملت مقارنة بين حديثه وحديث الموظفين فوجدت أن هناك قاسما مشتركا بين الطرفين، وهو أن هذا المسؤول لديه القدرة على إصدار الأوامر لكنه لا يعرف كيف يجعل الموظفين يصغون إلى أوامره ويطيعونه، وهذا يعني أنه لا يعرف كيف يصدر الأوامر، ومن ثم أصبح هناك فراغ بينه وبين الموظفين، وهذا يعني أنه يضطر في الكثير من الأحيان لأن يجلس بعد الدوام الرسمي لينهي الأعمال المتراكمة، ومن جانب آخر فإنه لا يعرف كيف يفوض ويوزع العمل.

بعد فترة استطعنا بتعاون الجميع أن نردم الفجوة بين الأطراف، وأصبحت الأوامر والأعمال توزع بكل سلاسة ومنتهى الروعة. ونعود إلى الموضوع وهو إصدار الأوامر، فكيف يجب أن تصدر الأوامر وكيف يجب أن تصدر الأوامر لتصل إلى العاملين، ويتم تنفيذها بصدر رحب ومنتهى الأريحية ومن غير تذمر وعنترية؟

هذا السؤال ربما يأخذنا إلى عدة موضوعات قد تحدثنا فيها وعنها خلال الفترات الماضية، مثل: الاتصال والتواصل، الذكاء الاجتماعي، والذكاء العاطفي، وكذلك العديد من الموضوعات المتعلقة بالقيادة والإدارة، لكن بصورة عامة فإن القدرة على إصدار الأوامر فن يجب أن يتقنه كل مسؤول يترأس أي موقع قيادي وفي أي مستوى ومكان كان.

وفي الحقيقة فإن كل مسؤول يمكنه أن يصدر الأوامر، لكن ليست كل الأوامر تكون مقبولة لدى الموظفين في المؤسسة، فبعض الأوامر يتبعها الكثير من التذمر والأذى، وربما تصل إلى حد كراهية المسؤول الذي أصدر هذا الأمر، لذلك يمكننا أن نعيد السؤال مرة أخرى بطريقة أخرى: كيف نصدر الأوامر بطريقة يمكن أن يتم تنفيذها بأريحية ومن غير تذمر أو تنمر؟

يجب على المسؤول أن يؤمن وأن يعرف أن الأوامر عادة تكون مرتبطة بالعديد من الأمور التي تتم أثناء العمل، فهي مرتبطة بالتأنيب، وكذلك بالعقوبة، والتشجيع والمحفزات، فلا يمكن أن أصدر الأوامر طوال النهار لموظفين محبطين، وعادة تتم عقوبتهم ولا يتم الثناء على أعمالهم، فكيف لمثل هؤلاء أن يقوموا بتنفيذ الأوامر من غير تذمر ومن غير منغصات؟

فإن انتهينا من موضوع التأنيب والعقوبات والتشجيع ربما يمكن أن نأتي إلى موضوع آخر، وهو موضوع ذو علاقة بموضوع التواصل الإنساني والذكاء العاطفي الذي يجب أن يتحلى به المسؤول مع الموظفين، فلا يمكن أن تكون العلاقة أثناء الدوام الرسمي كلها علاقة عمل، فإنه من الذكاء العاطفي أن تكون العلاقة القائمة بين المسؤول والموظفين قائمة على أسس من الإنسانية، واحترام الذات والآخرين، بالإضافة إلى العمل والمهنة.

وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن التواصل الإنساني الناجح يمكن تلخيصه في الحروف الأولى للجملة الإنجليزية (Human Touch) بمعنى اللمسة الإنسانية، وهي كالتالي:

‭}‬ استمع إليه (H: Hear him).

‭}‬ احترم شعوره (U: Understand his feeling).

‭}‬ حرك رغبته (M: Motivate his desire).

‭}‬ قدر مجهوده (A: Appreciate his efforts).

‭}‬ مده بالأخبار (N: News him).

‭}‬ دربه (T: Train him).

‭}‬أرشده (O: Open his eyes).

‭}‬ تفهم تفرده (U: Understand his uniqueness).

‭}‬ اتصل به (C: Contact him).

‭}‬ أكرمه (H: Honour him).

وهذا يعني بكل بساطة أن تتعامل مع الموظفين والناس بإنسانية، عندئذ ستجد الجميع يمكن أن يتواصلوا معك بإنسانية، ومن ثم، عندما تكون مسؤولا فإنه من أولى أولوياتك أن تتعامل مع الموظفين بإنسانية، ولا تستعبدهم، فهم يعملون معك وليس لديك.

بعد هذا الموضوع نأتي إلى أربع قضايا مهمة في إصدار الأوامر، وهي:

أولاً: المسؤول الذي أصدر الأوامر؛ المسؤول هو ذلك الشخص الإداري الذي يحب أن يصدر الأوامر ليقول إنه مسؤول ويجب أن يُطاع، لكن هذا المسؤول يجب أن يتجاوز هذا المستوى من الطاعة القهرية أو الاضطرارية أو القسرية – وهكذا يمكن أن نطلق عليها – إلى مستوى آخر من مستوى الطاعة وهي الطاعة الاختيارية أو الإرادية، أو حتى الرغبة في طاعة المسؤول، وذلك لقدرة هذا المسؤول، وتمكنه من أن يتحول من مسؤول إداري يفرض إرادته من خلال الصلاحيات الإدارية إلى مسؤول قائد يبهر الناس، ومن حوله ويتم تنفيذ طلباته من غير أن يصدر الأوامر.

هذا المسؤول يجب أن يتحلى ببعض الصفات القيادية قبل أن يختبئ خلف سلطته الإدارية، فيجب أن يتمتع – مثلاً – بالذكاء العاطفي، وأن يتحلى بسمات القادة من ذكاء، وقوة شخصية، وحزم، ومودة، وأن يكون قريبًا من الموظفين وأن يتعرف على طباعهم وأساليبهم، وأن يعاملهم كبشر قبل أن يكونوا موظفين ملزمين بطاعته، كما يجب أن يكون قدوة لهم وأخا أكبر في العمل والصدق في التعامل، وما إلى ذلك من صفات جميلة، وعندئذ فإن الموظفين سيقعون في هالة هذا المسؤول لذلك فإن طلباته ستكون أوامر.

ثانيًا: الأوامر نفسها، نوعيتها وطرق إلقائها؛ في بعض الأحيان، أو ربما في الكثير من الأحيان يتم وضع الخطط والاستراتيجيات والكثير من الأهداف، وما إلى ذلك من مصطلحات، كل ذلك في غرف مغلقة بين المسؤول ومجموعة من الخبراء والإداريين، وللأسف تخرج هذه الخطط والاستراتيجيات من تلك الغرف المغلقة وترمى بين أحضان الموظفين الذين لا يعرفون عنها أي شيء، فلا الخطط خططهم، ولا الأهداف أهدافهم، ليس ذلك فحسب، بل إنهم يشعرون في تلك اللحظة أن الإدارة قد تجاوزتهم، ولم تأخذ بأفكارهم ولم تحترم وجودهم، ويجدون أنفسهم مجبرين على تنفيذ كل هذه الخطط وتلك الأهداف التي لا يعرفون عنها شيئا، فتأتي الأوامر من الإدارة العليا والمتوسطة بتنفيذ كل ذلك ومن غير نقاش، فهل مثل هذه الأوامر يمكن أن تنفذ؟

لذلك فإن من فنون الإدارة الحديثة مشاركة الموظف في أي خطة تتخذ وأي هدف يخطط له، وكذلك من الضروري أن نسمع أفكار الموظف حتى إن كانت ساذجة، وذلك بهدف أن يشعر ذلك الموظف أنه جزء من هذه الإدارة، وإن لم يشعر بذلك فعلى الأقل أن يلم بأدق تفاصيلها لتكون واضحة له، وهذا جزء من الإبهار الذي يحتاج إليه المسؤول لتحقيق الأهداف، عندئذ فإن الأوامر لا تكون أوامر، بل إنها تكون جزءًا من خطة تنفيذ الأهداف الذي شارك هو في وضعها.

ثالثًا: الموظف متلقي الأوامر؛ بعد أن أصبحت – أنت – قدوة للموظفين، وبعد أن شارك الموظف في وضع الخطط والأهداف، فإنه من المفترض أن يقل تذمر الموظفين، وتزيد الطاعة الإرادية والاختيارية وتقل بذلك، الطاعة القسرية، لكن هذا لا يعني أبدًا أن تنتهي مشاكلك كمسؤول قائد مع تذمر الموظفين، ورفضهم تنفيذ الأوامر، إلا أنه – كما قلنا – أن تلك المشاغبات من المفترض أن تكون قد قلت.

فإن كانت الإدارة – مثلاً – تحوي 10 موظفين فإنك كمسؤول تتعامل مع 10 أنفس وعقول مختلفة على جميع الأوجه، فربما من بين هؤلاء العشرة 7 موظفين يدخلون في نطاق هالتك الخاصة، والثلاثة الباقين لا يريدون أن يتأثروا بك، وربما لا يرغبون في أن يدخلوا في نطاق هالتك، لذلك فأنت تعيش مع بعض النفوس البشرية والعقول المتذمرة الرافضة لأوامرك، وربما الكسولة، أو المسوفة، أو أي صفة بشرية يمكن أن توجد فيهم، وهذا أمر طبيعي، ويجب ألا يسبب لك الإرباك والخوف والضعف. وفي هذه الحالة فإنه من المفترض أن تستمر في المحافظة على هدوئك وخطواتك في إدماج وتمكين هؤلاء من العمل الإداري العقلاني، وأن تستمر في المحافظة عليهم واحترام وجودهم معك بقدر الإمكان، وكذلك يجب أن تدرس حالتهم النفسية، وحالتهم الشخصية وتسأل نفسك وتبحث معها عن الكيفية المناسبة لانخراط هؤلاء في العمل، وهذا سر آخر.

رابعًا: ردة فعل المسؤول بعد تنفيذ الأوامر؛ يراقب الموظفون المسؤول وينتظرون منه المبادرة ويسألون أنفسهم، ما الذي يمكن أن يحدث في حال تنفيذ الأوامر، أو ماذا يمكن أن يحدث إن لم يتم تنفيذ الأوامر؟ فإن قام المسؤول بالثناء وتقديم الشكر وتحفيز الموظف الذي أدى الأوامر خير قيام، فإن ذلك يمكن أن يعد أفضل تعزيز وتحفيز للموظف الذي قام بالعمل، وهذا مطلوب، وفي المقابل، إذا تجاهل المسؤول تنفيذ الأمر وكأنه واجب مفروض يجب أن يتم تأديته، فإن ذلك يعد تثبيطا وإحباطا ليس للموظف فحسب، بل لكل الموظفين الراغبين في العمل، عندئذ سوف يستشري عدم الرغبة في العمل بين الموظفين، ومن ثم يصعب ترميم الخطأ، وخاصة إذا تكرر الإهمال واللامبالاة من المسؤول.

تقول الروائية الإنجليزية ماري آن إيفانس المعرفة جورج إليوت: «المكافأة لمهمة أنجزت هي القوة على إنجاز مهمة أخرى». فالمكافأة والتحفيز حتى ولو برسالة شكر قصيرة، عادة تكون دافعا إيجابيا على إنجاز الأعمال، وتنفيذ الأوامر حتى من الأشخاص الذين اعتبرناهم سابقًا من الأفراد المتذمرين، فإن التعامل الإنساني وإن كان بطيئا في تأثيره إلا أنه ذو مفعول أكيد.

ويمكننا أن نقتبس في ختام هذا المقال هذه المقولة التي تنتشر في علم الإدارة وهي: «إن كنت تجد المتعة في عملك فسيجد الآخرون المتعة في العمل تحت إمرتك»، إذن العمل يعتمد على المسؤول في المقام الأول، وهذا كان ردي على المسؤول والمؤسسة التي كنت أقدم لها الاستشارة والتي ذكرتها في بداية المقال.

 

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news