العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

الثقافي

وهج الكتابة: تأبّط حُبًا

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ٠٨ ٢٠١٨ - 01:15

الشعراءُ الصعاليكُ ليسوا صعاليكَ بالمعني الحرفِّي للكَلمة

إنهم ثوّار زمانهم على سُلطة القبيلةِ وعلى الإرثِ القديم 

على الفجوةِ السحيقةِ بين الفقراءِ والأغنياء

متمردون على الفساد والثراء الفَاحش

والفقراء يموتون جوعًا

اشتهر من الشعراءِ الصعاليك وهم كُثر، أربعةُ شعراء هم: عُروة بن الورد العبسي، والشنفري، والسليك بن السلكة وتأبط شرًا، وربما الأخير نال حظًا أقل من التغطية والكتابة. وكلهم عاشوا في بادية الحجاز. تأبط شرًا هو ثابت بن جابر بن سفيان بن عميثل بن عدي بن كعب بن حزن، وقيل: حرب بن تميم بن سعد بن فهم بن عمرو بن قيس عيلان بن مضر بن نزار، اشتهر بالجسارة والجرأة وسرعة العدو وغزو الأغنياء، وكان إذا خرج في غزواته وضع سيفه تحت إبطه؛ لذلك أطلقت عليه أمه «تأبط شرًا»، كلما خرج في غزوة. وفي رواية أخرى أن أمه وجهت إليه اللوم بأنه لا يُحضر لها شيئًا مثلما يفعل فتية الحي فجاءها بجراب مليء بالأفاعي، وفتح الجراب أمامها وخرجت الأفاعي وهي تسعى، فحكت تلك الواقعة لنساء الحي فسألنها: «كيف حمل كل تلك الأفاعي في جراب» فقالت «تأبّطها» وقلن تأبط شرًا، ومنذ ذلك الوقت صار يُكنّى بهذه الكنُية. 

كان ثابت بن جابر قبيح الوجه ضئيل الجسم، فاستغرب رجل ثقفي أحمق يرتدي حلة جميلة وجديدة كان اسمه أبا وهب من شجاعته وجرأته فسأله: «كيف تغلب الرجال يا ثابت وأنت ذميم وضئيل، فأجابه: «أذكر لعدوي أنني تأبّط شرًا فيرتجف قلبه وآخذ منه ما أريد»، فأعجب بقوله وسأله: «هل تبيعني اسمك؟ مقابل هذه الحُلة الجيدة الجديدة، ومقابل كنيتي أبا وهب. فوافق وقال له الآن أنت تأبّط شرًا فمضى الأحمق مسرورًا بكنيته الجديدة. فكتب تأبط شرًا ثلاثة أبيات وبعثها لامرأة الثقفي الأحمق؛ قال فيها:

ألا هل أتى الحسناء أن حليلها

تأبّط شرّا واكتنيتُ أبا وهب

فهبه تسم اسمي وسَمّاني اسمـهُ

فأينَ له صبري على مُعظم الخطبِ

وأين له بأسٌ كبأسي وسورتي

وأين له في كل فادحةٍ قَلبـــي

ويقصد بهذه القصيدة بأن أبا وهب أخذ اسمه، فهل أخذ جرأة قلبه، هل أخذ بأسه وصبره وجلده، لم يأخذ هذا كله، إنما أخذ الاسم فقط. كان تأبّط شرًا من المطرودين من القبيلة مثله مثل الشعراء الصعاليك الآخرين بسبب تمردهم على قيم وثقافة وسلطة القبيلة، ما دعاهم إلى الغزو وسرقة الأغنياء البخلاء، ولم يكونوا يسلبون الأغنياء الكرماء والشرفاء. كان لهم قيمهم الخاصة، ومبادئهم «الإنسانية» حيث كانوا يسرقون الأغنياء، ويوزعون ما يسرقونه على الفقراء، والأرامل والمنبوذين. 

في قصيدة معروفة له، يحكي حكاية هربه من قبيلة «بجيلة» عندما نصبوا له كمينًا عند إحدى عيون المياه، لكنه تمكن من الهرب برفقة الشنفري، وعمرو بن براق، معتدّا بشدة سرعته، ذاكرًا أيضا مواصفات صاحبه الذي يتخذه ملاذًا له، بكرمه وثباته على الجود والإنفاق رغم لوم اللائمين:

يا عِيدُ مالَكَ من شَوْقٍ وإِيراقِ

ومَرِّ طَيْف علَى الأَهوالِ طَرَّاقِ

يَسْرِي علَى الأَيْنِ والحيَّاتِ مُحْتَفِيًا

نفسي فِداؤُكَ مِن سارٍ على ساقِ

إني إذا خُلَّةٌ ضَنَّتْ بِنَائِلِها

وأَمْسكَتْ بضعيفِ الوصلِ أَحذَاقِ

نَجوْتُ منها نَجائي مِن بَجِيلةَ إِذْ

أَلْقَيْتُ ليلةَ خَبْتِ الرَّهِط أَرواقى

ليلةَ صاحُوا وأَغْرَوْا بِي سِرَاعَهُمُ

بِالعَيْكَتَيْنِ لَدَى مَعْدَي ابنِ بَرَّاقِ

كأنما حَثْحَثُوا حُصًّا قوادمهُ

أَو أم خِشْفٍ بِذى شَثٍّ وطُبَّاقِ

لا شيءَ أَسْرَعُ مني ليس ذا عُذَرٍ

وذا جَناحٍ بجنْبِ الرَّيدِ خَفَّاقِ

كانت نهايته على يد غلام صغير اسمه سفيان بن ساعدة، كمن له وراء شجرة وظل يترقبه حتى لاح فأطلق عليه سهمًا أصاب قدمه، ولحق بالغلام فقتله، وظل يعرج ليموت بين أصدقائه. وقيل إنه قضى نحبه في غزوة من غزواته بسهم في قلبه. ويقال إن سنة وفاته كانت 530 ميلادية وقيل 540 ميلادية. مات تأبط شرًا متأبطًا حبًا عظيمًا للفقراء والمعذبين. 

Alqaed2@gmail.com 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news