العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

الثقافي

الموت لا يعني رحيل المبدع: الفنانة التشكيلية الشاعرة الدكتورة سامية أنجنير في قلوب محبيها رسائل لا تغيب!!

السبت ٠٨ ٢٠١٨ - 01:15

هكذا دائما هي سيرة القدر، تباغتنا لتسرقنا منا أو تسرق ما حولنا بـلا مقدمات، حيث فوجئ الوسط الفني والثقافي بمملكة البحرين برحيل الفنانة التشكيلية د. سامية أنجنيـر التي انشغلت بهاجسها الفني والإنساني حيث ارتادت مختلف جوانب الإبداع وهي تبحث في عمق اللـون عن كينونة الفن وكيف يعبر عن عنفوان الحياة بكل جرأة وعفوية وإبداع، فتبوأت مركزا متقدما في الساحة البحرينية والعربية، لتترك فراغا لا يمكن ان تملأه فنانـة أخرى.. في ذكرى مرور أربعين يوما على رحيلها، كان لا بد لنا من وقفـة تأبينية، اختار ملحق أخبار الخليج الثقافي أن يلمّ شمل محبيها ضمن هذا التحقيق، فطرحنا عليهم السؤال التالي: 

*- د. سامية أنجنير كفنانة تشكيلية كيف تقرأ / تقرئي أعمالها الفنية وكيف تعاملت معها على الصعيد العملي والإنساني؟

«أ. سمر الأبيوكـي» في معرض حديثها أشارت إلى أن: أعمال الفنانة التشكيلية الراحلة سامية أنجنير تحكي كثيرا عنها، فهي إنسانة حساسة طوعت الفن ليخدم عددا كبيرا من القضايا التي تهم المجتمع والتي أثنى عليها الكثيرون، أما على الصعيد العملي فقد كنت طالبة لديها عند دراستي بكالوريوس الإعـلام والسياحة والفنون بجامعة البحرين، حيث كانت تتعامل معنا من منظور تربوي أخلاقي وحتى هؤلاء ممن لم تكن لديهم الموهبة، كانت دائما ما تشجعهم وتحاول أن تستخرج منهم نواة فنية حقيقية. 

كانت تؤمن بأن جميع الأشخاص لديهم ميول فنية في جانبٍ مـا، وقد كتب لي الحظ أن أصبح زميلة لها في كليـة الآداب مدة أربع سنوات، لم أر منها إلا كـل ما هو جميل وراقٍ ومهذب، سواء على الصعيد المهني أو الإنساني أو الفني، وبرأيي الخاص، البحرين فقدت عمودا أدبيا فنيا تربويا وإنسانيا رائعا برحيلـهـا.

ولدى سؤالنا د. ليلى الصقـرأستاذ مساعد في قسم الإعلام والسياحة والفنون بجامعة البحرين أجابت قائلة: استغرقني الكثير من الوقت حتى استوعبت رحيل الغالية د. سامية, فبصماتها حاضرة بكل التفاصيل الجميلة التي تحمل عبقها. بصماتها الفنية والإنسانية العميقة الحضور بمرسم الفنون بجامعة البحرين، بلوحاتها التي تنطق إبداعا وإحساسا، بإبداع طلبتها والأجيال الفنية التي تتلمـذت على يدها، بقلوب كل زملائها وكل من قابلها يوما، فإنـه من الصعب اختصار مشوار فنانة وإنسانة مبدعة في كل تفاصيلها بكلمات قليلة. 

كانت فنانة ذات حس مرهف يشبه صاحبته كما يؤرقها تأسيس تخصص الفنون وتخليده عبر أجيال تبدع فنا راقيا ذا أبعاد عميقة ترتقي بتخصص الفنون الجميلة بمملكـة البحرين. على الصعيد الإنساني، كانت جارتي بالمكتب الملاصق لمكتبي بجامعة البحرين. عندما تم توظيفي استقبلتني بابتسامتها التي لا تفارقها، وبحسها المرهف واهتمامها بكل من تعرفه. لقد كانت إنسانة راقية حساسة تحمل عطاء كبيرا وطاقة إيجابية، يحس بها منذ الوهلة الأولى كل من عرفها.

كما شاء القدر أن تكون رفيقتي في رحلة الحج وفي ذات الحملة دون تخطيط مسبق. فكانت كعادتها مبتسمـة، هادئة، إيمانها الداخلي يشع في وجهها، فهي طاقة من العطاء والشغف الذي لا يهـدأ. رحمك الله يا دكتورة سامية، وستبقين بغرسك الذي مازال يورق عطاء وفنا وإبداعا.

ويرى الفنان القدير جبار الغضبان أن الفنانة المرحومة سامية انجنير من الفنانات البحرينيات اللائي تميزن بتجربتها الفنية من خلال تناولها لموضوع المرأة باعتبارها تعاني من اضطهاد اجتماعي مركب، مدعمة أعمالها الفنية التعبيرية بتقنيات مختلفة باستعمالها القماش الأسود الشفاف الذي يغلف الأشكال النسائية المرسومة بحركات متعددة معبرة عن أفكارها في تحرر المرأة من القيود الاجتماعية ومن التخلف الذي تعيشه، فقد تميزت تجربتها من خلال استخدامها قصاصات الجرائد والأقمشة الشفافة لتبرير الجانب التعبيري والجمالي مستغنية عن بهرجات الألوان.. مكتفية برسم جسد المرأة بخطوط سوداء وبيضاء في إطارات مستطيلة أو مربعة.

إن نظرتها الإنسانية في الدفاع عن المرأة من أجل مواكبة العصر في حصولها على حقوقها وخلاصها من كل القيود التي تعيقها دعتها الى أن تركز كل اهتمامها في إبراز الجوانب الجمالية والتقنية التي تعينها في طرح الموضوع على المشاهد بصورة ملفتة بصريا.

وعلى الرغم من قصر تجربتها والمعارض التي أقامتها، إلا أنها استطاعت أن تميز نفسها بأسلوبها البسيط والمعبر من خلال توظيفها للون الأسود والرمادي الذي أسهم في إعطاء تأكيدات جرافيكية معبرة على مجمل أعمالها الفنية.

لقد عبرت رحمة الله عليها بصدق عن الجوانب الإنسانية للمرأة بكل جرأة وبصياغة فنية جميلة وراقية.

أما د. عدنان بومطيع فشاركنا شهادته قائلا: تميزت الراحلة د. سامية أنجنير بعمق التخصص الأكاديمي كأول بحرينية تنال الدكتوراه من الولايات المتحدة في الفن. فهي أستاذة في فلسفة الفن المعاصر. وكانت لديها رؤيتها في الحراك الفني في مملكة البحرين والخليج. لقد تركت مكانتها الخاصة في خارطة الأسماء التي لونت سماء الفن بالبحرين ولا يمكن لأي دارس لتاريخ الفن أن يتجاوز اسم الدكتورة أنجنير. وبالرغم من مكانتها المرموقة في التخصص، فإنها كانت تمتلك شخصية في غاية البساطة والتواضع. 

وفضلت التعمق في عوالم الفن بدلا من الدخول في ساحات التنافس الإداري أو الأكاديمي سواء داخل جامعتها أو على مستوى الساحة الفنية.. وكجار لها بالقرب من مكتبها في جامعة البحرين فقد تميز تعاملها مع طلبتها بروح الأمومة والشراكة معهم. كانت تسعى لخلق فنان داخل روح كل طالب وطالبة.. وهي أصعب مراحل التكوين الأكاديمي. ولا شك أن رحيلها يُـعد خسارة حقيقية للجسم الأكاديمي وللبحرين وللحركة الفنية في الخليج. عزاؤنا أن حلمها في إنشاء شعبة للفنون تمنح شهادة البكالوريوس في جامعة البحرين قد تحقق. وإن لم تلحق على تخريج الدفعة الأولى.. لكن كل خريج للفن من الجامعة سيكون مدينا لهذه الإنسانة العصامية النادرة.. الدكتورة الخلوقة سامية أنجنير نامي بسلام يا زميلتنا العزيزة.

ومن جانب آخر يرى الفنان القدير عباس يوسف قائلاً: بعد انقطاع طويل وابتعاد عن الساحة الفنية عادت الفنانة والشاعرة المرحومة سامية إنجنير إلى الساحة حاملة معها أسئلتها الوجودية/ وجود الإنسان في هذا الكون وما يلفه من صراعات مركزة في رسوماتها على موضوعة الصراع الداخلي الذي يمر به الإنسان، كيف يعيشه وكيف يواجهه وكيف يتعايش معه، الأسئلة باستمرار تلاحقها أو هي تلاحق الأسئلة وتستخرجها من باطن أعمالها الفنية التي من خلالها طرقت مواضع جدًا حساسة ومناطق، نادرًا ما شاهدناها مطروقة في ساحتنا.

 كانت تعتمد الشفاف من الأقمشة معززة بلون الحناء والزعفران، وكأنها تستعيد ماض كانت الجدات يتلذذن بمواده هذه. 

فقدت الساحة الفنية المحلية فنانة وكاتبة أخلصت لمشروعها الفني وراحت تطرحه وتدافع عنه بقناعة العارف والمؤمن بما يفعل في وقت تكاد تخلو فيه الساحة من العنصر النسائي الذي يجمع بين الرسم والأدب.

د. أماني الحلواجي أستاذ الإعلام الرقمي بجامعة البحرين أدلت بدلو بموقف من تجربتها مع د. سامية، حيث قالت: 

كانت د. سامية أنجنير رحمة الله عليها من أبرز الفنانين التشكيليين في الوطن العربي. ومن أكثرهم تميزا في إيجاد نسق أو طابع فني مغاير يميزها عن غيرها.. ومن دون مبالغة، تجربتها تستحق أن تدرس ضمن المناهج الأكاديمية لتدريس الفنون الجميلة في الجزء المتعلق برواد الفن التشكيلي في البحرين.

تميزت أعمالها بالرغبة في التعبير عن الثقافة العربية والموروث الثقافي بكل ما تحمله من مفاهيم أخلاقية رفيعة وما تحمله أيضا من تناقضات وصراعات محيرة.

وقد نجحت د. سامية رحمة الله عليها كثيرا في التعبير عن هذه المعاني المختلفة في صياغتها للرمز الأنثوي في أعمالها الفنية.. تارة باستخدام الانحناءات في الخطوط وتارة باستخدام الدوائر عبر استخدام خامات ملفتة وصعبة التشكيل ودمجها بطريقة تجبرك على استنفار كل ثقافتك البصرية لتستطيع إيجاد الرابط الخفي بين هذه العناصر. كانت تجيد أيضا ذات رؤية في النقد والتحليل الفني بشكل ملفت وأتذكر جيدا كيف كانت تقرأ التصاميم الفنية المختلفة وتحلل الرموز المخفية في الصورة والتي لا تبدو مطلقا كعناصر منفصلة ولكن عيناها الفنية تستطيع أن تفكك ما يبدو كتلة واحدة بدقة متناهية.

على الصعيد الإنساني فهي إنسانة ذات خلق رفيع، مثالية، شفافة، ومرهفـة الحس بشكل كبير.. عندما تتحدث معها تأخذك في رحلة جميلة من الأحاديث الغنية بالخبرة والتجربة الإنسانية العميقة وكانت تشغلها أسئلة الوجود وعلاقتنا مع الله وحالة الوصول للسلام والهدوء الداخلي.. تهتم لمشاعر من حولها وتعتذر عن أمور صغيرة جدا خوفـا من أن تجرح إحساس أي أحد، رحمة الله عليها.. ستظـل دوما ذكرى مضيئة في قلوبنا وإن غابت عن أعيننا.

رئيس جمعية البحرين للفنون التشكيلية النحات التشكيلي علي المحميد, بحزن شديد قال: الفنانون المبدعون لا يرحلون لأن أعمالهم لازالت تحكي عن ما بداخلهم، فهم معنا ولم يغادر سوى جسدهم.

والفنانة القديرة سامية انجنير فنانة ذات أحساس مرهف وبعد فلسفي نادر ما قرأته عند الفنانات اللواتي عرفتهن، فهي صاحبة مشروع فني جمعت بين الفلسفة الروحية والأسئلة الشائكة المنصبة في البعد الإنساني، فتحت عبر أعمالها الفنية تلك العلاقة الحسية التي لم يتطرق لها فنانات جيلها أو بعد جيلها.

وعلى الجانب الإنساني فهي فنانة ذات إحساس رقيق، لطيفة المعشر، قليلة الكلام، لا تحب الجدال، تسبقها ابتسامتها، رحمة الله عليها، لقد فقدنا فنانة وإنسانة جمعت بين الفن والخلق الطيب. 

وترى الفنانة التشكيلية والنحاتة عائشة حافط قائلة: الفنانة سامية انجنير الصديقة والزميلة تعرفت عليها أثناء مشاركاتها في المعارض السنوية التي تقام في المتحف الوطني، كما شاهدت معرضها عام 2006م، وتوثقت علاقتي بها وكنت اطلع على نشاطاتها الفنية وأعمالها المعروضة في الجامعة التي درست فيها في انجلترا، وكانت دائمة القلق الفني وهي تستعرض أفكارها الفنية التي كانت تطمح توصيلها لطلابها في جامعة البحرين.

ولا شك فقد تخرج الكثير من الجيل الصاعد وهم متأثرين بالدكتورة سامية فنا وإبداعا وأخلاقا.

فنها كان لصيقا بالبيئة واستخدمت الكثير من المواد والاشياء الناتجة من البيئة، مركزة بالأساس على الأشغال اليدوية كأعمال فنية وبسيطة وجميلة، وتحولها احيانا إلى شيء يشبه اللوحة الكولاجية ان جاز التعبير. 

وهي أول من طبق المفاهيم والأسس الفنية لعناصر العمل الفني لمدرسة الباوهاوس القائمة على التجريد والاختزال مستعينة بموتيفات ومقتطفات وملامح تراثية تخص المرأة وذاكرة الإنسان القابع في أعماق ذاكرتها البصرية لتفصح عن جماليات تلك الفكرة أو الصورة الرمزية بإشارات ذات مدلولات بصرية يفهمها القارئ للوحاتها عشقها للماضي بكل ما فيه من تفاصيل الأصالة والعذوبة والأنا.... بمعنى آخر تناولت التراث بأسلوب معاصر جدا.

ومن جانب آخر أكدت الفنانة التشكيلية سميرة الشنو قائلة: الدكتورة الفنانة سامية انجنير, ابتسامة الحياة، طلة الزهور، الحنان والعاطفة الجياشة المتدفقة في العطاء والحب والسلام، لازمت الفرشاة لتعزف آهاتها بتأن، دون ان تقفز مسافات الزمن، عبر الطريق!

بأريحية كان أول لقائي بها كان بالقرب من مدرسة عائشة أم المؤمنين الثانوية للبنات، كانت أستاذة أنيقة هادئة مثقفة، الطالبات ينتظرن طلتها البهية، كانت تعيش الفن كأسلوب حياة، رسمت الحروف على ديباجة الشعر المنثور قبل تجريد الأشكال الخاصة بها، شخصية نادرة فريدة، عاصرت جيل الستينات كمدرسة للفنون، تفوقت ونالت إعجاب الجميع، درست بالولايات المتحدة لتعود لتدريس الفنون بجامعة البحرين، كمؤسسة لقسم الفنون بالجامعة.

رائدة ذات قامة فنية تفتقدها الساحة الفنية كإنسانة متواضعة كونها مرجعًا مهمًا لسيرة الفن التشكيلي النسوي بمملكة البحرين.

مثلها مثل الشمس المنيرة حفرت طريقها بوضوح لتكون القدوة الأولى من جيلها المعاصر للفنون آنذاك.

موضحة الشنو في سياق حديثها عن الراحلة: هي احد أعضاء النخبة الذين تبنوا فكرة بلورة النشاط الفني في تكوين جمعية وتطوير بنية تدريس الفنون في الجامعة.

انجنير تاريخ طويل من العطاء، حتى تكاد تترجل لتهتز يديها وترتجف عند سقوط الفرشاة.

وفي أيادي من علمتهم ودربتهم على مفاهيم الفن الحاضرة في أعمالهم الفنية، أم للجميع بأدبها وخلقها... وحسن سيرتها...عبرت عن الفن الشعبي بعبقرية وحداثة مفصحة عن رمزيتها في المحافظة على الهوية والارتقاء بالمفاهيم الفنية المعاصرة. 

ومن خلال اختزال اللون والشكل، لم تكن الألوان هي الخامة الوحيدة التي ألفتها ولكن حاورت الكثير من الخامات المختلفة في توليفة جديدة لمجموعة من الرموز أهمها المرأة.

وتعد الشفافية سمة واضحة في لوحاتها الأخيرة, كانت أكثر جرأة وحداثة، تجلت روحها الطاهرة.. راضية مرضية.

أخيرًا يسدل الستار الفنان المخضرم الخطاط والتشكيلي عبدالشهيد خمدن حينما يقول: من الصعب قراءة تجربة الراحلة سامية انجنير، لأنها متعددة المواهب، جمعت بين التشكيل وكتابة الشعر بلغة البوح النثري، ذات رسالة إنسانية لا تخلو من فلسفة وجودية بين العقل والروح وفلسفة التكوين، فكل عناصر لوحاتها التي تكشف عن ماهية امرأة تريد أن تقول ما لا يقال، لكنها قالت: لأن ما عبرت عنه في ريشتها الفنية وعبر أعمالها حاكت الوجود بلغة الفلسفة بين الخالق والمخلوق.

وتعد رائدة بين رواد جيلها وقد تعد الأبرز لأنها صاحبة رسالة أكاديمية في الفن، فقدتها الساحة في ظل حاجتها لها، فرحمة على روحها، وتظل باقية ضمن رسائل لا تنتهي بانتهاء الجسد.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news