العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهـة نظـر عربية: «امـــاتـــراســـواوميكـــامــي» وثقـــافـــة الأسطــــورة

بقلم: د. خليل حسن

السبت ٠٨ ٢٠١٨ - 01:15

استفاد الشعب الياباني من ثقافة الأسطورة لكي يوحد تاريخه وشعبه ويقوم أسس حكم متأصلة، فقد طلب أحد أباطرة اليابان في نهاية القرن السابع بأن يجمع التاريخ الياباني وأساطيره في كتاب سمي بالكوجيكي، وقد كتبه السيد ياسومارو، على لسان الرجل ذي الذاكرة الفذة السيد هيدا نوار، ليقدمه بعد تكملته للديوان الإمبراطوري في عام 712. وليسمح لي القارئ العزيز بإعطائه فكرة عن قصة الكوجيكي. فيعتبر هذا الكتاب أحد أقدم الكتب التاريخية اليابانية الموجودة اليوم، ويعطي صورة مفصلة عن بدء تاريخ اليابان. ويجمع التاريخ مع الأسطورة، ويسجل صورة عن بلاد اليابان القديمة ومعتقداتهم منذ عام 660 قبل الميلاد. الجدير بالذكر أن الشعب الياباني يحترم القصص والأساطير القديمة، كما أنه يزور معابده بانتظام للتبرك والدعاء، فهناك ثمانون ألف معبد للشنتو، فمثلا معبد آلهة الشمس يزوره حوالي ستة ملايين مواطن ياباني سنويا. 

وتصف قصة الكوجيكي بدء الخليقة بانشطار كتلة جرمية فصلت السماوات عن الأرض، لتنتج بينهما أوائل آلهة اليابان. ويبدأ الكتاب بوصف أسطورة ولادة ثلاثة من آلهة السماوات العليا وهم: آلهة السماوات، والمخلف لآلهة الإعجاز، والمولد لآلهة الإعجاز. وبعدها برزت من الأرض نبتة صغيرة تشكلت منها آلهة أمير الأرض والزرع وآلهة الجنة والخلود. ويعتقد شعب اليابان، من خلال عقيدة الشنتو، أن روح الإنسان لا تموت، وتبقى أبدية، تحوم حولنا في البيوت والجبال والأنهار والمعابد، كما يصف الكتاب أسطورة ولادة سبعة من الآلهة المختصين بالأرض وهم: آلهة الأرض الخالدة، والخصبة وطين الأرض، والسيدات والنطفة، والحياة، وسيدة المكان العظيم، والتكامل الخارجي، وسيدة الرعب، وتلتها ولادة آلهة الذكر المضيف ازاناجي، والأخت الصغيرة آلهة الأنثى المضيف ازانامي. وتبين الأسطورة في فصلها الثالث كيف اجتمعت آلهة السماوات وأمروا بزواج ازناجي وأزنامي لكي تتم ولادة ارض اليابان، فقد قدمت لهما الآلهة السهم السماوي المليء بالمجوهرات، فقاما بدفع السهم وتدويره في بحر اليابان، وهم يطفون على الجسر السماوي، ما أدى الى تبلور الملح تدريجيا وترسبه وتحوله إلى جزر اليابان.

وتستمر أزنامي بتكملة ولادة باقي آلهة الطبيعة، مثل آلهة الجبال والأنهار والغابات والأمواج. ويصف الكتاب كيف احترقت الأجهزة التناسلية للآلهة أزنامي بعد ان ولدت آلهة النار، فمرضت واستلقت لتستريح، وحينها يبدأ مرضها المزمن. وبعد فترة من مرضها اقترب ازناجي من ازنامي، وبدأ يبكي وتحولت الدموع إلى آلهة أنثى الدموع الباكية، وليشتد المرض بها فتموت ويقوم بدفنها على قمة جبل هيبا. ونلاحظ أن الأسطورة اليابانية حاولت أن تؤكد أهمية كل ظواهر الطبيعة ومنتجاتها، حتى المرض وأعراضه وإفرازاته مهمة ومؤثرة في البيئة والطبيعة، كما أن لكل شيء أهمية مضادة، فالنار مهمة للحياة ولكن قد تكون مدمرة، والشمس أساس الحياة ولكن قد تكون سببا للجفاف وحرق الغابات، فنلاحظ مثلا في معبد آلهة الشمس أن هناك معبدا صغيرا مقابلا لمعبد الشمس ويمثل ذلك المعبد غضب آلهة الشمس. وتعتبر المعابد المكان الذي تتردد عليه الآلهة، ومن الضروري أن تقدم للآلهة الأكل ثلاث مرات في اليوم، ويشترط أن يجهز الأكل باستعمال نار ناتجة من احتكاك قطعتين من الخشب. كما توجد بالمعابد مسرح تعزف بها الموسيقى وتمثل فيها بعض مسرحيات فن النوهه القديم، وذلك لإرضاء الآلهة ومنع غضبهم، حيث إن غضب الآلهة يترافق بالزلازل والفيضانات والرياح الشديدة والأمواج القوية وحرق الغابات. وتستمر الأسطورة بوصف ولادة بقية آلهة اليابان، والتي تقدر بأكثر من ستة ملايين، ليولد بعدها الإمبراطور الأسطوري «جيمو» أول أباطرة اليابان، قبل الفين وستمائة وسبعة وستين سنة، وله معبد خاص في قلب جبل على المحيط، وتستمر القصة بوصف تاريخ العائلة الإمبراطورية اليابانية حتى القرن الخامس.

كما شدني كتاب آخر يبحث علاقة الأساطير بالأديان وضرورة خلق التوازن في فهمهما، كتبته المؤرخة البريطانية كارن أرمسترونج، وتوضح فيه بشكل جميل أنه منذ بدء التاريخ، كان الإنسان ملهما بخلق الأسطورة، فمن خلالها يرضي غرائزه ويحقق أحلامه. وقد واكب تصنيف التاريخ البشري في خلق الأسطورة بثلاث مراحل، تمثلت المرحلة الأولى بتداول الأساطير لأسرار الكون وأحلام الإنسان، ومع تقدم الحضارة البشرية العمرانية دخلت مرحلة العقائد الدينية، ومع تطور المجتمع المدني وبدء الاكتشافات العلمية دخل الإنسان مرحلة العلوم المادية والتخيلات العلمية. وقد عرف الإنسان منذ العصور القديمة بأن حياة الدنيا ليست إلا بداية لحياة أخرى، وقد أكد رجال الآثار هذه الحقيقة، بكشف ما تحويه قبور الأقدمين من كنوز جمعوها في قبورهم لأخذها الى الحياة الآخرة. ويعتقد الذهن البشري أن هناك الكثير من الأشياء التي لا يستطيع العقل المادي أن يفسرها ويقتنع ماديا بوجودها، لذلك تطور التخيل في العقل البشري وبرزت الأساطير وتطورت، منها مفاهيم الأديان المختلفة. وتعتبر الأساطير في عالمنا المادي اليوم خرافات غير معقولة، مع أن مخيلة الأساطير هي التي مكنت الإنسان أن يحلم في المستقبل ويكتشف علوما جديدة ويبدع. فمخيلة العلماء هي التي حملتنا إلى عالم الفضاء الخارجي فمشينا على القمر وزرعنا المريخ وسحبنا الطاقة الكهربائية من على سطح الشمس. فالأسطورة مع العلوم المادية توسع مدارك ذهن الإنسان وتحلقه في أحلام مستقبلية عجيبة، وتساعده لأن يعيش الواقع الحياتي باعماقة ويحلم بتغيره وتطويره. وقد مزجت الأساطير قديما بين الإنسان والحيوان والطبيعة بتناغم جميل، وتعرضت للقوانين الأرضية والقيم الإلهية بشكل متوازن، ولم يوجد في البداية شرخ بين عالم الآلهة والعالم البشري، ووجود الآلهة لم ينفصل عن قوة الرياح وحيوية الأنهار والبحار، ولا عن العواطف الإنسانية في الحب والكراهية والانتقام. وقد خلق الإنسان الأساطير لتساعده للتعامل مع معضلات الحياة والطبيعة بشكل حالم وسلس، كما ساعد البشر أن يعرفوا موقعهم في هذه الحياة ويتساءلون من أين أتوا وكيف بدأت الحياة وما سرها والى أين هم ذاهبون، كما تؤكد أرمسترونج أن الأسطورة هي فن ينظر الإنسان من خلاله الى ما وراء حوادث التاريخ ودراسته، وقد كانت خبرة السمو لما وراء الواقع المادي رغبة ونشوة إنسانية دائمة. والإيمان الديني يرفع الإنسان الى هذا السمو النفسي المترافق بنشوة روحانية تطير بالإنسان الى ما وراء واقعه الحياتي. وحينما فقد البعض نشوة الإيمان في واقعه المادي توجه إلى الإحساس به من خلال الأدب والشعر والموسيقى والرياضة، فالأسطورة هي كالقصة والأوبرا والباليه، وهي تصور يمجد عالمنا المنقسم والمأساوي، وتساعدنا أن نتأمل احتمالات وتساؤلات جديدة، وقد تؤدي إلى اكتشافات علمية وتكنولوجية مهمة. فالأسطورة هي حقيقة، ليس لأن وقائعها حقيقية، بل لأنها مؤثرة في إعطائنا العمق للنظر إلى الواقع المادي والاستلهام للإبداع لخلق مستقبل أفضل. والأسطورة هي دليل يوجهنا الى التعامل مع الحياة بتناغم وغناء روحي جميل، كما يساعدنا على اكتشاف خبايا العقل الإنساني الذي لا يمكن إدراكه، وكبداية لعلم النفس. فقصص الأبطال والآلهة الموجودة فيما وراء عالمنا والتي تحارب الجن والأشباح أبرزت خفايا سيكولوجية الإنسان وعلمتنا كيف نتعامل مع أزمات الإنسان النفسية الداخلية.

وبدأت حياة الإنسان بعصر الصيد منذ أكثر من عشرين ألف عام، واعتقد الإنسان بآلهة السماوات المراقبة والمحاسبة للأخطاء من خلال الكوارث الطبيعة، كما تمثل السمو الروحي بالسماء والجبال المقدسة. وانتقلت البشرية الى عهد الزراعة في الألفية الثامنة قبل الميلاد، فعرف الإنسان فائدة الأرض والري، وبرزت مع العصور الزراعية آلهة السماء، فعرفت في سوريا آلهة الاشيرة، وفي بلاد ما بين النهرين آلهة اينان، وفي مصر آلهة البايسس، وفي اليونان آلهة هيرا وديميتر وافرودايت. ومع بداية عصور الحضارة العمرانية في بلاد ما بين النهرين ومصر والصين والهند وجزيرة كريت، بدأ العمل على بناء المدن وتشكيل الولايات، واستمتع الإنسان بنشوة السيطرة والقوة، فبدأت الخلافات بين الولايات، ونزلت لعنة الطمع والعنف والحروب. واعتبر أهالي الهلال الخصيب أن مدنهم هي المكان المناسب لملاقاة الآلهة فحولت لجنان الأرض، وبدأت تقطن الآلهة المعابد داخل المدن بجانب البشر فتقارب الإنسان مع آلهته. وقد عانت حضارة ما بين النهرين وحضارة مصر من فيضانات الأنهار، واعتبرها شعوبها غضب الآلهة فقدمت القرابين لتهدئتها، وبرزت الآلهة من المادة المقدسة غير المحددة، فامتزج الملح مع الماء المر، ولم تكن السماوات والأرض والبحار مفصولة عن بعضها، كما كانت الآلهة من دون شكل أو اسم أو مستقبل.

 وقد كانت أوائل الآلهة التي برزت من المزج غير منفصلة من المادة المبهمة، فابسو كان إله الماء النهري، وتيمت إله البحر المالح والمومو إله السحب الضبابية. وقد تشكلت من هذه الآلهة المبهمة آلهة جديدة اتضحت معالمها وبدأت تنفصل أجزاء الكون عن بعضها بعضا، فانفصلت السماء عن الأرض، وبدأت تنفصل اليابسة عن البحار والأنهار، وبدأت الآلهة من مزيج من الماء والطين وسميت لاهمو والاهامو، وبعدها انشير وكيشار وتعني أفق السماء والبحار، ومن ثم آلهة السموات انو، وآلهة الأرض إياه. وقد كانت الآلهة الجدد أكثر نشاطا فابسو غطس في قاع الأرض، واينو وإياه بنيا قصورهما مع المعابد وقاعات المدن. وقد تحولت آلهة التيمت إلى آلهة خطرة وخلقت وحشا ممسوخا للانتقام من ايبسو. كما برزت آلهة مختلفة في بلاد الهند والصين. ومع التطور بدأت الآلهة تبدو بعيدة عن البشر وبدأ الإنسان في العمل للتعامل مع الأزمات الطبيعة، وبدأت تنتشر القصة والشعر، ومن أشهر القصائد هي أسطورة جلجامش التي ترجع تاريخها الى عام ألفين وستمائة قبل الميلاد.

واستمر تطور مفهوم الآلهة والدين عند الإنسان، فبرزت الهندوسية فالبوذية فالأديان السماوية مثل اليهودية فالمسيحية فالإسلام. وبدأت تنتشر المؤسسات الدينية وتزداد قوتها المادية والمعنوية، كما عملت القوى السياسية على الاستفادة من هذه القوى السياسية الجديدة. والتفتت القوى الحاكمة الى خطورة بدأت مع سيطرة المؤسسات الدينية السياسية على عقول الأفراد، فعملت على فرض سيطرتها والاستفادة منها لتقوية مواقعها المجتمعية، فتداخل الدين بالسياسة، واستغل السياسيون الدين لمصالحهم، وبدأت تصدر قرارات سياسية في صياغة دينية. وبدأ التوسع وغزو البلدان باسم الدين، فتطور الاستعمار وبدأت الحروب وعاشت البشرية معاناة الغزو والاستعمار والتفرقة العنصرية والعبودية. 

ومع بدء الثورة الفرنسية عام 1789 بدأت حركة التغيير في المجتمعات الأوروبية وترافقت مع تغير الأنظمة الحاكمة والسياسات والآيديولوجيات المرافقة لها. فانتهى حكم الإقطاع وصودرت أموال الكنيسة، وألغيت جميع المميزات السياسية التي كان يستمتع بها رجال الدين، وتحولوا الى أفراد عاديين ضمن المجتمع المدني الجديد. وبدأت تبرز الآيديولوجية والقوى السياسية القومية، وبهتت المؤسسات الدينية وقياداتها، وترافقت هذه التغيرات السياسية مع التطور العلمي والصناعي، واكتشف الإنسان ان التطور المادي العلمي سيسخر القوى الطبيعية لخدمته، وضعفت المفاهيم والقيم الدينية وبرزت الأفكار المادية والقومية والماركسية. وبدأ صراع السلطة في أوروبا من جديد، واستمرت إرهاصات الثورة الفرنسية، حتى برز الإمبراطور نابليون بونابرت بعد الانقلاب عام 1804. لتبدأ حروب أوروبية متتالية لم تنته إلا بمعاناة ودمار الحرب العالمية الثانية، مع قتل مائة وخمسين مليونا من سكان الأرض. واكتشفت أوروبا بعد تجارب مريرة قاسية أن لا سلام ولا تنمية بلا ديمقراطية، مع ضرورة فصل الدين عن السياسة، فعملت بجد واجتهاد لتطوير نظمها الديمقراطية، وقررت أن تتجنب الحروب المستقبلية، فوحدت جهودها الصناعية والاقتصادية في سوق أوروبية مشتركة ومنها الاتحاد الأوروبي، كما بدأ بروز قوى جديدة بعد الحرب العالمية الثانية كالولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي، واستمر الصراع بينهما بحروب مختلفة ساخنة وباردة. ولم تنته هذه الحروب إلا حينما زار الرئيس السوفيتي غورباتشوف فرنسا واكتشف خلال زيارته ان التنمية الحقة تحتاج الى الديمقراطية، فبدأت منذ ذلك الحين التحولات الديمقراطية في دول الاتحاد السوفيتي، كما بدأت الولايات المتحدة تنفرد بجبروت السلطة في العالم، ودخلت في حروب تلو الحروب ليبدأ أفول جبروتها مع بدء الألفية الثالثة وبدء بروز قوة عالمية جديدة هي اقتصاد سوق للعولمة، المعرض لثورة شعبوية جديدة. 

فنلاحظ عزيزي القارئ أن تاريخ البشرية مر بتجارب مرة، ليكتشف الإنسان أن لا أمان ولا استقرار ولا تنمية إلا بالديمقراطية. فلم ينفع الاستفادة من دكتاتورية السياسة بالفكر الآيديولوجي أو القومي أو الديني في إدارة السياسة الدنيوية، فأين سلطة الكنيسة البابوية؟ وأين هتلر وموسوليني؟ فهل نستوعب نحن كدول المينا (دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا) العبرة من تاريخ العالم وأخطائه؟ وهل سيستوعب الشعب الإيراني والإسرائيلي والتركي والعربي هذه الدروس؟ وهل سنستفيذ من تجربة الحروب والعنف والدمار وخسارة الأرواح وترليونات الدولارات بسب أفكار قومية شوفينية بالية؟ وهل سيتوقف هؤلاء الذين يستغلون اسم الدين لتحقيق مصالح سياسية آنية وزائلة، من نشر الحقد وتدمير العقول ومنع الحداثة والتنمية في المنطقة؟ ألا يكفي ما نشروه من دمار وكره وانتقام وفقر وجهل؟ وهل ستعمل شعوب منطقة المينا على تطوير الديمقراطية والتنمية معا، وبذل الجهد لتطوير سوق اقتصادية مشتركة، وتحويلها الى سوق صناعية واقتصادية مشتركة؟ وهل من الممكن أن تتطور هذه السوق إلى اتحاد مينا اقتصادي مستقبلي؟

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news