العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (41)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٧ ٢٠١٨ - 10:35

المرحلة المصرية (21):

قطوف من نقض الإمام كتاب الدكتور طه حسين

* مسألة الشعر الجاهلي:

قال المؤلف (نقصد طه حسين حينما نقول ذلك) في (ص5): هم يريدون أن يدرسوا مسألة الشعر الجاهلي فيتجاهلون إجماع القدماء على ما أجمعوا عليه ويتساءلون: أهناك شعر جاهلي؟ فإن كان هناك شعر جاهلي فما السبيل إلى معرفته؟ وما هو؟ وما مقداره؟ وبما يمتاز عن غيره؟ ويمضون في طائفة من الأسئلة يحتاج حلها إلى روية وأناة وإلى جهود الجماعات العلمية لا إلى جهود الأفراد».

نقض الإمام: لأنصار الجديد أن يتجاهلوا ما أجمع عليه القدماء أو يتساءلوا عن أبناء الشعر الجاهلي حتى يصوغوا من حلقات أسئلتهم سلسلة لا يأتي النظر على آخرها ولا بدع في الأسئلة فإنها معان يقرب مأخذها وألفاظ يسهل النطق بها، وإنما فضل الكاتب أن يتفقه في المسائل ويمتعك بالجواب حتى تطمئن وترضى. ونحن لم نر المؤلف – وهو اللَّهِجُ بالمذهب الجديد – قد حل شيئا من هذه الأسئلة ما خلا السؤال الأول وهو قولهم: أهناك شعر جاهلي؟ فإنه حرر في بعض الفصول الآتية أن للجاهلية شعرا يتلى ولم يبحث في سائر المسائل، فيرينا السبيل إلى معرفة الشعر الجاهلي أو يشرح حقيقته أو يفصل مقداره أو يأتي على مميزاته وكأنه رأى الطريق من دونها ملتوية، فأنكر هذا الشعر الجاهلي حتى لا يجهد نفسه في حل هذه الأسئلة ويشقى.

* الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين:

قال المؤلف في (ص7): وإذن فلأعتمد على الله ولأحدثك بما أحب أن أحدثك به في صراحة وصدق وأمانة ولأجتنب في هذا الحديث هذه الطرق التي يسلكها المهرة من الكتاب ليدخلوا على الناس ما لم يألفوا في رفق وأناة وشيء من الاحتياط  كثير».

نقض الإمام: كأني بالمؤلف يبتسم بقوله فلأعتمد على الله وكأني بك تبتسم لقوله: ولأحدثك في صدق وأمانة ونحن نبتسم لقوله: ولأحدثك في صراحة، وادعائه أنه اجتنب طرق المهرة من الكتاب حيث يدخلون على الناس ما لم يألفوا في رفق واحتياط والواقع أن سطا حول القرآن ومقام النبوة بلسان غليظ، وأبى قلمه أن يسلو حرفة الغمز، فسلك في كثير من المواضع طرق المهرة من الكتاب في صوغ عبارات ظاهرها البحث في الشعر الجاهلي وباطنها الدعاية إلى غير سبيل المؤمنين ولو صح أن تعصر هذه العبارات لتقاطر من خلالها قذف فاحش وفسوق كبير!!.

نظرية الشك في الشعر الجاهلي: قال المؤلف في (ص7): وأول شيء أفاجئك به في هذا الحديث: هو أنني شككت في قيمة الشعر الجاهلي، وألححت في الشك أو قل: ألح على الشك فأخذت أبحث وأفكر وأقرأ وأتدبر حتى انتهى بي هذا كله إلى شيء إن لم يكن يقينا فهو قريب من اليقين ذلك أن الكثرة المطلقة مما نسميه شعراً جاهليا ليست من الجاهلية في شيء».

نقض الإمام: كان الدكتور (مرغليوث) قد ادعى أن الشعر الجاهلي مزور ومصنوع وتعرض لهذا البحث في مجلة الجامعة الآسيوية الملكية سنة 1916م (ص397)، وفي مادة «محمد» عن «دائرة معارف الأديان والعقائد»، وفي كتابه «محمد» المطبوع سنة 1905م (ص6)، وممن تصدى للرد عليه السير (تشارلس جيمس ليل) في مقدمة ترجمة المفضَّليات المطبوعة سنة 1918م.

فالمؤلف أغار على نظرية الشك في الشعر الجاهلي ولم يفترق عن مرغليوث إلا في تسليمه بأن هناك شعرا جاهليا فأخذ أصل النظرية وأقوى الشبه الذي استند إليه مرغليوث وجعل يقول لك: هو أني شككت في الشعر الجاهلي، ويداعبك بقوله: الححت في الشك أو قل: ألح الشك عليَّ والحديث في صدق وأمانة خير من هذه المداعبة.

* ما بقي من الشعر الجاهلي:

قال المؤلف في (ص7): وأكاد لا أشك في أن ما بقي من الشعر الجاهلي الصحيح قليل جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء ولا ينبغي الاعتماد عليه في استخراج الصورة الأدبية الصحيحة لهذا العصر الجاهلي».

نقض الإمام: سيعقد المؤلف فصولا مطولة بزعم أنها مقدمات تنتج أن الشعر الجاهلي، أو كثرته المطلقة لا تمثل شيئاً ولا تدل على شيء وسنناقشه في تلك الفصول حتى لا يبقى بيده سوى أن في الشعر الجاهلي تزويراً وهو ما لا يختلف في القديم والجديد، أما أن يكون التزوير قد استحوذ على الشعر الجاهلي بأسره، أو أتى على الكثرة المطلقة، بحيث يكون الصحيح قليلاً جداً لا يمثل شيئاً ولا يدل على شيء فدعوى لا تتكئ على رواية ولا يقوم بجانبها برهان.

* مس شعور الأمة المسلمة:

قال المؤلف في ص7: وأنا أقدر النتائج الخطرة لهذه النظرية، ولكني مع ذلك لا أتردد في إثباتها وإذاعتها».

نقض الإمام: ليس لهذه النظرية من نتائج خطرة لو أن المؤلف تحدث عن نشأتها وأتى على الوجوه التي لفتت نظر (مرغليوث) إليها ثم إن شاء زاد عليها ما يراه مؤكدا لها أو منقحا لبعض أطرافها، والدليل على أن النظرية في نفسها لا تأتي بنتائج خطرة: أن إنكار الناس لم يتوجه إلى أصلها وإنما هو إنكار هاجته أقواله المقتضبة لمس شعور الأمة المسلمة، ونوع آخر من الإنكار أثاره في نفوس بعض الكتاب أن رأوا المؤلف يضع يده على نظرية لم يهبها له مخترعها.

* إنكار شعر امرئ القيس:

قال المؤلف في (ص7): ولا أضعف أن أعلن إليك وإلى غيرك من القراء أن ما تقرؤه على أنه شعر امرئ القيس أو طرفة وابن كلثوم أو عنترة ليس من هؤلاء الناس في شيء»!!.

نقض الإمام: يقول المؤلف هنا إن ما يقرأ على أنه شعر لهؤلاء الشعراء الذين من جملتهم امرؤ القيس ليس منهم في شيء، ثم تمضي معه في الكتاب إلى أن يدخل بك في الحديث عن امرئ القيس فإذا هو يقول: «إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ليس من امرئ القيس في شيء» فلا تدري: أهو ينكر شعر امرئ القيس برمته كما هو الظاهر من قوله هنا: إن ما تقرؤه على أنه شعر لامرئ القيس ليس منه في شيء أو هو ينكر أكثره فقط على ما يصرح به قوله فيما بعد: «إن أكثر هذا الشعر الذي يضاف إلى امرئ القيس ليس منه في شيء» وسنقف فيما تقرؤه من فصل (الشعر الجاهلي واللغة) على ما يحكم بأن المؤلف ابتلى بالتناقض في شعر امرئ القيس حكما مسمَّطا.

* الاستشهاد بالشعر على تفسير القرآن:

قال المؤلف في (ص9): «وينتهي بنا البحث إلى نتيجة غريبة وهي أنه لا ينبغي أن يستشهد بهذا الشعر على تفسير القرآن وتأويل الحديث وإنما ينبغي أن يستشهد بالقرآن والحديث على تفسير هذا الشعر وتأويله».

نقض الإمام: لم تكن هذه النتيجة غريبة إلا عند من يتناول البحث خطفاً ولا يمشي فيه على روية وأناة، وقد أنكر بعض أهل العلم – فيما سلف – على من يتوقف من النحويين في تقرير ألفاظ القرآن على شاهد عربي ومن هؤلاء: الإمام فخر الدين الرازي حيث يقول في «تفسيرة الكبير»: إذا جوزنا إثبات اللغة بشعر مجهول عن قائل مجهول، فجواز إثباتها بالقرآن العظيم كان أولى» وكثيراً ما أرى النحويين متحيرين في تقرير الألفاظ الواردة في القرآن فإذا استشهدوا في تقريرها ببيت مجهول فرحوا به وأنا شديد التعجب منهم، فإنهم إذا جعلوا ورود ذلك البيت المجهول على وفقه دليلاً على صحته فلأن يجعلوا ورود القرآن دليلا على صحته كان أولى. وسوف نفصل هذا الأمر في فصل آخر إن شاء الله.

* عدم رسوخ المؤلف في أصول اللغة:

قال المؤلف في (ص9): «أريد أن أقول: إن هذه الأشعار لا تثبت شيئا ولا تدل على شيء، ولا ينبغي أن تتخذ وسيلة إلى ما اتخذت وسيلة إليه من علم بالقرآن والحديث فهي إنما تكلفت واخترعت اختراعا ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه».

نقض الإمام: ادعى المؤلف آنفا أن هذا الشعر الذي ينسب إلى امرئ القيس وغيره من شعراء الجاهلية ليس منهم في شيء، وقال: إن البحث سينتهي به إلى أن هذا الشعر لا ينبغي أن يستشهد به على تفسير القرآن وتأويل الحديث واتسع في الكلام حتى قال في هذا الموضع: إن تلك الأشعار لا تثبت شيئاً ولا تدل على شيء، ونفى أن تتخذ وسيلة إلى علم القرآن والحديث وعلل هذا بأنها اخترعت ليستشهد بها العلماء على ما كانوا يريدون أن يستشهدوا عليه.

واندفاع المؤلف في البحث على هذا النحو المتخاذل ناشئ عن عدم الرسوخ في أصول اللغة من جهة وعدم أخذ البحث بضبط وانتباه من جهة أخرى.

سيذكر المؤلف أن لانتحال الشعر أسبابا (في فصل قادم) غير التعصب للدين مثل: السياسة والقومية والتعصب للقبيلة والانتحال للاستشهاد على تفسير القرآن وتأويل الحديث إنما هو ضرب من التعصب للدين.

فلماذا ينفي عن الشعر المنتحل للسياسة أو القومية أو التعصب للقبيلة أو لغرض ديني غير الاستشهاد في علم القرآن والحديث أن يثبت شيئا أو يدل على شيء؟!.

وستجد مزيدا على هذا البحث حيث تدعو إليه مناسبة أخرى. (وإلى حلقة قادمة بإذن الله).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news