العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الأمور بمقاصدها !!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٧ ٢٠١٨ - 10:31

من الأسس التربوية الحديثة أن يحدد المعلم الأهداف قبل أن يخطط للدرس، ويبدأ في تنفيذه ويأتي التقويم ليقيس مدى تحقيق هذه الأهداف. وانتقل هذا الأساس من علماء التربية إلى المخططين للمشاريع الاقتصادية والتجارية والمعمارية وجميع مناشط الحياة.

- وقد ربّى المصطفى(صلى الله عليه وسلم) المسلمين على هذا الأساس التربوي العلمي السليم فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء لا يُسمع ومن نفس لا تشبع ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هؤلاء الأربع) (أخرجه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن صحيح)، وجاء من علماء المسلمين من طبّق القاعدة الفقهية (الأمور بمقاصدها) انطلاقًا من فقه هذا الحديث:

- قلب لا يخشع: أي لا يخشى ويخضع.

- ونفس لا تشبع: أي لا تقنع بما رزقها الله.

- والعلم الذي لا ينفع: أي لا يعمل به ولا يهذب الأقوال والأخلاق والأعمال ويطبق في الحياة.

والأمور الواردة في الحديث مرادة لغايات سامية، وأهداف عالية، فإذا لم تحقق تلك الأهداف كان وجودها كعدمها، قال الطيبي: (أعلم أن في كل من القرائن الأربع ما يشعر بأن وجود المعنى على غايته (وهدفه) وأن الغرض منه تلك الغاية (وتحقيق تلك الأهداف وذلك أن تحصيل العلوم إنما هو للانتفاع بها، فإذا لم ينتفع بها لم يخلص منها كفافًا، بل تكون وبالاً، ولذلك استعاذ من ذلك رسول الله (صلى الله عليه وسلم) (انظر: أربعون حديثًا كل حديث في أربع خصال، صالح بن غانم السدلان (ص 48)).

وقد بين المصطفى ذلك وقسم العلوم إلى قسمين رئيسيين فقال (صلى الله عليه وسلم): (سلوا الله علمًا نافعًا وتعوذوا بالله من علم لا ينفع) (رواه ابن ماجه وحسنه الألباني وإسناده حسن)، وكما قلنا سابقًا إن العلم النافع هو العلم المطبق في الحياة سواء كان علمًا شرعيًا أو علمًا كونيًا، وبيّن المصطفى خطورة الجهلاء والفتوى بغير علم في حياة الناس فقال: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعًا ينتزعه من العباد لكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم اتخذ الناس رؤوسًا -وفي رواية رؤساء جُهالاً- فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا) (رواه البخاري ومسلم)، فالعلماء هم مصابيح الهداية، ورسل الرشاد وأمناء الله في الأرض وأساس بناء الحضارة العلمية الخلقية في الأرض؛ لذلك رفع الله تعالى من شأن العلم النافع والعلماء العاملين. وقد عمد الاستعمار إلى تجهيل المسلمين وإفساد النظام التعليمي في ديارنا وفصل العلوم الشرعية عن العلوم الكونية، وجعل هدف التعليم في ديارنا تخريج موظفين لدواوين الحكومة وكتبة، وتحول التعليم عندنا من الفهم والفقه والتطبيق العملي والتدبر والحوار والنقاش إلى الحفظ والصم والمتون، وغاب البحث العلمي الفعال والمطبق عن حياة المسلمين، وأصبح البحث العلمي للترقية في وظائف الجامعة ومراكز البحث العلمي، وقبر المقصد والهدف الأصلي للتعليم والتعلم والبحث العلمي، فتخلفنا وأصبحنا عالة على أعدائنا في الغذاء والدواء والتسليح والتخطيط، وهذا ما حذرنا منه المصطفى (صلى الله عليه وسلم)، واستعاذ منه ونبه إليه. والقلب خلقه الله تعالى للخشوع لخالقه وينشرح لذلك الصدر، ويقذف فيه النور الرباني فإن لم يكن كذلك كان قاسيًا فيجب أن يستعاذ منه، قال تعالى: (فَوَيْلٌ لِّلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُم مِّن ذِكْرِ اللَّهِ) (الزمر 22).

- والنفس السوية يعتد بها إذا تجافت عن دار الغرور، وهي إذا كانت منهومة لا تشبع، وحريصة على الدنيا كانت أعدى أعداء المرء. فأولى الشيء أن يستعاذ منه النفس المريضة غير السوية (المرجع السابق بتصرف).

- وما نراه في ديارنا من الجشع والاحتكار والغش والفساد والسرقة بالمليارات ما هي إلا نتائج حتمية للنفوس المريضة والقلوب القاسية التي لا تخشع ولا تردع، وقد أدت هذه القلوب والنفوس المريضة إلى فساد البلاد والعباد وهلاك الحرث والنسل وانتشار الحقد والظلم؛ لذلك استعاذ رسول الله (صلى الله عليه وسلم) من شر قلب لا يخشع ومن شر نفس لا تشبع، وعندما تكون القلوب قاسية والنفوس جشعة، فإنها تكون في حجاب من الله غير مقبولة الدعاء؛ لذلك استعاذ المصطفى (صلى الله عليه وسلم) من شر دعاء لا يُسمع بسبب الحُجب الموضوعة عليها بفعل المعاصي والمظالم والأكل الحرام والملبس الحرام، والمسكن الحرام، والفُرش الحرام.

- لذلك كان من دأب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) اللجوء إلى الله في الأمور كلها دقها وجلها، كبيرها وصغيرها، ظاهرها وباطنها، إذ هو القادر على جلب النفع وكشف الضر (والتوفيق في الأعمال) تحقيقًا لرضا الخالق (صاحب الخلق والأمر) القائل (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إذا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة 186) وتعليمًا (وتربية) لأمته أن ترتبط (دائمًا) بخالقها (سبحانه وتعالى)، فلا تدعو غيره، ولا ترجو إلا هو (ولا تتبع إلا منهاجه وشرعه)، وفي الحديث السابق أربعة أشياء هي: القلب الذي لا يخشع، والدعاء الذي لا يُستجاب له، والنفس التي لا تشبع والعلم الذي لا فائدة منه (انظر: أربعون حديثًا كل حديث في أربع خصال للدكتور صالح غانم السدلان).(مرجع سابق).

وبذلك قَعَّد لنا رسولنا الكريم قواعد مهمة تؤدي إلى إصلاح الفرد وإصلاح الأمة، والذين يدعوننا إلى البعد عن ديننا ومنهاج الله، إنما هم  يريدون أن يتأكدوا أننا أمة ماتت موتًا لا خروج منه، وأننا حطمنا دعائم عزتنا وقوتنا وكرامتنا. علينا بالتربية على العلم النافع والقلوب المؤمنة والنفوس السوية والسلوك الحميد النظيف المطبق لشرع الله في حياته الخاصة والعامة.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news