العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥٠ - الاثنين ١٩ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١١ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

ماذا بعد قرار الإدارة الأمريكية وقف إسهاماتها في موازنة «الأونروا»؟

مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية:

الخميس ٠٦ ٢٠١٨ - 01:15

في مسعى منها إلى ممارسة الضغط على القيادة الفلسطينية لإخضاعها بهدف تنفيذ أجندتها المنحازة لإسرائيل؛ أعلنت الإدارة الأمريكية يوم 31 أغسطس الماضي وقف التمويل المخصص لـ«الأونروا» بشكل كامل. ويأتي القرار بعد إعلانها في الرابع والعشرين من أغسطس الماضي، تقليص مساهمتها للوكالة بنحو 200 مليون دولار، وتجميد حوالي 40 مليون دولار كان من المقرر إرسالها إلى الوكالة في يناير2018. كما يأتي القرار متزامنا مع تخفيض المساعدات عن الأمم المتحدة والمنظمات الإغاثية الأخرى. 

ويعود تأسيس وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «أونروا» إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة في 8 ديسمبر 1949. بهدف تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجئي فلسطين. وتتنوع الخدمات التي تقدمها بين «التعليم، والصحة، والإغاثة، والخدمات الاجتماعية»، ويتم تمويلها بالكامل من خلال التبرعات. وتُعرّف الأونروا اللاجئ الفلسطيني بأنه الشخص الذي كانت فلسطين مكان إقامته الطبيعي خلال الفترة بين 1 يونيو عام 1946 و 15 مايو عام 1948، والذي فقد منزله ومورد رزقه نتيجة الصراع الذي دار في عام 1948، وأولئك المنحدرون من صلب الآباء الذين ينطبق عليهم ذلك التعريف.

وتعد الولايات المتحدة أكبر مانحي الوكالة، إذ تقدم حوالي 350 مليون دولار في العام، أي أكثر من أي بلد آخر، ما يشكل أكثر من ربع ميزانية الوكالة التي تصل إلى 1.2 مليار دولار. 

ويأتي القرار تأكيدا على السياسة التي اتبعها الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب منذ تنصيبه، والتي تقوم على مبدأ «أمريكا وإسرائيل أولا»، ومن ثم انسحب على إثرها من عدد من الاتفاقات والمعاهدات الدولية؛ باعتبارها لا تصب مباشرة في هذه السياسة، ومنها؛ اتفاقية «الشراكة عبر المحيط الهادئ»، و«اتفاق نيويورك حول الهجرة» فضلاً عن انسحابه في يونيو 2017 من «اتفاقية باريس لمكافحة التغير المناخي»، وإعلانه في أكتوبر 2017 انسحابه من «منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة» (اليونسكو)، وفي 19 يونيو، انسحب من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، كما يهدد بإلغاء «اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية» (نافتا)، والانسحاب من منظمة التجارة العالمية.

بشكل عام، تعمل الإدارة الأمريكية على إنهاء وضعية «لاجئ» لملايين الفلسطينيين، من أجل وقف عمل «الأونروا»، عزز من ذلك التقرير الذي نشرته صحيفة «نيويورك تايمز»، الأمريكية، بعنوان «معظم الفلسطينيين لم يعودوا لاجئين»، وقالت فيه: «إن واشنطن تخطط لتغيير أحادي الجانب يتعلق بتعريف اللاجئ الفلسطيني وخفض العدد الذي تعترف به بمعدل التسع»، حيث سيتم الاعتراف بأنهم «500 ألف فقط. في حين تقدر «أونروا» عدد اللاجئين الفلسطينيين في العالم بخمسة ملايين ومائتي ألف لاجئ».

 ونقلت صحيفة «إسرائيل اليوم»، عن عضو الكونجرس الأمريكي، «داغ لمبورن»، نهاية الشهر الماضي، قوله إنه: «يسعى إلى سن قانون جديد يعتبر عدد اللاجئين الفلسطينيين أربعين ألفا فقط، وليس أكثر من 5 ملايين»، وذلك عن طريق حصر تعريف اللاجئ الفلسطيني على من تشردوا خلال النكبة فقط، واستثناء نسلهم من الأجيال اللاحقة.

وتعاني الوكالة الأممية، من أزمة مالية خانقة، منذ فترة، بعد أن جمدت الولايات المتحدة تقريبا أكثر من نصف المساعدات السنوية التي تقدمها إليها، ولم يُدفع منها سوى 70 مليون دولار فقط. وفي الوقت الحالي، من المحتمل أن يؤثر إلغاء تلك المساعدات على حياة الفلسطينيين بشكل كبير ما لم يتم إيجاد تمويلات بديلة، حيث سيتأثر عدد من البرامج التي تديرها منظمات غير حكومية وجمعيات خيرية في الضفة الغربية وغزة، والتي تقدم الطعام والمعدات الطبية والخدمات، ما سيكون له تبعاته على تدهور أوضاع اللاجئين الفلسطينيين الإنسانية، ومنها إغلاق المستشفيات والمدارس أمامهم. وكانت الوكالة قد أعلنت بالفعل توقفها عن دفع مرتبات 22 ألف مدرس في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية والأردن وسوريا ولبنان، ما يهدد بأزمة كبيرة، وخاصة أنها تدير برنامجا تعليميا هو الأكبر في الشرق الأوسط، بوجود أكثر من 703 مدارس، يستحوذ على أكثر من نصف ميزانية الوكالة. فضلا عن أنه سيؤدي إلى مزيد من الفقر وتصعيد التطرف وأعمال العنف، والعناد والصراعات وسيطرة مشاعر الغضب والإحباط، وتوقع زيادة حالة عدم الاستقرار في البلدان المضيفة، التي تكافح بالفعل من أجل التصدي للتداعيات الناجمة عن الأزمات الإقليمية الأخرى، ما سيكون له تأثيره على الأمن الإقليمي. ومن ثم، تهديد خطط (أونروا) ومستقبلها وتقويض ما نجحت في تحقيقه طوال سبعة عقود أنقذت خلالها المنطقة والعالم من تبعات كارثية. 

وبحسب إحصاءات نشرها موقع «ميدل إيست آى»، يعتمد أكثر من نصف سكان قطاع غزة الذي يعيش فيه أكثر من مليوني فلسطيني على «الأونروا»؛ في توفير الرعاية الصحية والطعام والتعليم وفرص العمل. وبالرغم من أن البنك الدولي قد عوض بالفعل بعض الخسائر؛ عبر إعلانه في يوليو الماضي، اعتزامه زيادة المساعدات السنوية لتصل إلى90 مليون دولار، بدلا من 55 مليون دولار كمحاولة لتحسين الوضع المتأزم على نحو متزايد، إلا أنه يوجد احتمال بإغلاق العديد من الخدمات والمشروعات الحيوية»، حيث لا تزال «الأونروا» في حاجة إلى 217 مليون دولار.

من جانبها، استنكرت السلطة الفلسطينية القرار، مؤكدة أنه «لا يحقّ للولايات المتحدة تقويض عمل الوكالة التي تشكلت بقرار من الجمعية العامة للأمم المتحدة، مؤكدة أنهم يدرسون التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لاتخاذ القرارات الضرورية لمنع تفجر الأمور. ودعا الأردن إلى عقد جلسة خاصة لوزراء الخارجية العرب، وذلك في الحادي عشر من الشهر الجاري بالقاهرة. وفي تعليقه، أكد المفوض العام للوكالة، «بيير كرينبول»، أنه «لا يمكن تبديد أحلام 5 ملايين لاجئ فلسطيني بهذه البساطة»، ورأى أن القرار جاء لمعاقبة الفلسطينيين؛ بسبب انتقادهم لاعتراف واشنطن بالقدس المحتلة عاصمة لإسرائيل».

 وظاهريًا، يتمثل هدف «ترامب» من وقف الدعم، في الحد من «إهدار الموارد»، لكن بالنسبة إلى العديد من المُراقبين والمُحللين، يبدو أن الهدف الاستراتيجي الأوسع للمبادرة هو «منح إسرائيل نفوذا أكبر على الفلسطينيين في تحديد شروط أي عملية سلام مستقبلية»، من خلال تقويض عمل «الأونروا»، وتجريدها من شرعيتها العملية؛ وفي الوقت نفسه تعزيز قوة التفاوض لدى إسرائيل في العمل نحو «صفقة القرن». وينقل تقرير نشرته مجلة «فورين بوليسي» عن «ديف هاردين»، مسؤول سابق في الوكالة الأمريكية للتنمية، أن «كوشنر»، صهر ترامب ومبعوثه الخاص للشرق الأوسط، يراهن على أن الضغط المادي سيضطر الفلسطينيين للعودة للمفاوضات، التي تم إيقافها، فضلا عن هدف آخر، يتمثل في الضغط على العديد من البلدان العربية الغنية لزيادة دعمها لـ«الأونروا». وكتب «كولم لينش»، لمجلة «فورين بوليسي»، أن «العديد من مؤيدي إسرائيل في الولايات المتحدة اليوم يرون أن «الأونروا» هي التي«أبقت قضية اللاجئين على قيد الحياة ونشرت الآمال بين الفلسطينيين في المنفى، بأنهم قد يعودون يوما ما إلى ديارهم». 

وعلى النقيض من الإدارات السابقة، أشارت صحيفة «الأوبزرفر»، إلى تدهور العلاقات بين الجانبين الفلسطيني والأمريكي في ظل الإدارة الحالية، التي لم تعد مؤهلة للعب دور الوسيط في عملية السلام. وذكرت أن عضو الكونجرس، «باتريك ليهي»، اتهم واشنطن بممارسة سياسات شديدة الاستفزاز والعداء للفلسطينيين، بدلا من تبني سياسات أمينة وصادقة لحل الصراع». وفي هذا الصدد، قالت «لارا فريدمان»، رئيسة «مؤسسة السلام في الشرق الأوسط»، الأمريكية: « إن الهدف الرئيسي هو الإجهاز على قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومساعدة ترامب في إنجاح أولوياته السياسية المُتمثلة في دعم وتمكين إسرائيل». 

ومع ذلك، قد يكون سحب التمويل من «الأونروا» مثمرًا بالنسبة إلى إدارة «ترامب» على المدى القصير، لكن بالنظر إلى الآثار طويلة المدى، فقد تكون ضارة بمصالحها، وخاصة ما يتعلق «بصفقة القرن» التي تُعد «أولوية إقليمية» للإدارة الأمريكية، فبسبب هذه السياسة يُنفر ترامب الفلسطينيين من الدخول في أي مفاوضات مع إسرائيل.

 ويرى «أدريان جياولمز»، من مركز «كارنيجي اندومنت للسلام الدولي»، بواشنطن، أنه «من المُشكوك فيه أن يتم الإعلان عن خطة السلام لإدارة ترامب، على الأقل في حدود معاييرها الحالية». وفي هذا الصدد، رأت صحيفة «الجارديان» البريطانية، أن القرار يشكل «خطرًا على فلسطين وإسرائيل والولايات المتحدة نفسها، وحذّرت مما وراء التأثير الإنساني، وإمكانية حدوث اضطرابات»، مؤكدة أنه سيؤثر سنوات طويلة على سياسة أمريكا في الشرق الأوسط».

فمنذ توليه منصبه في عام 2017، وحتى الآن، لم تفعل الولايات المتحدة شيئا للقضية الفلسطينية، بل على العكس، فإنها قللت من وضعها كوسيط نزيه مستقل بين إسرائيل وفلسطين، وقد عززت من ذلك قرارات مثل؛ الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل في ديسمبر 2017. وانسحابها من مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بسبب انتقاده لإسرائيل. وكما يقول «بيتر ليرنر» في صحيفة هآرتس الإسرائيلية: «لا يمكن عقد صفقة القرن مع إسرائيل بمفردها، ومن المرجح أن ينفجر الفلسطينيون بسبب عملية إخضاعهم لإسرائيل».

وفي النهاية، نجد أنه في ظل المحنة المستمرة للاجئين الفلسطينيين؛ فإن الاستجابة الدولية من قِبل منظمات الأمم المتحدة، غير كافية، وإن كانت تقوم بعمل جيد في توفير الإغاثة على المدى القصير؛ فإنها قد فشلت في التخفيف من وطأة تشريد اللاجئين على المدى الطويل، في الوقت الذي يجب فيه عدم الاعتماد على الإدارة الأمريكية الحالية التي تعمل على تقويض «الأونروا»، لإسقاط قضية اللاجئين عن طاولة المفاوضات من أجل تنفيذ خطتها للسلام المزعوم.

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news