العدد : ١٤٨٥١ - الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٥١ - الثلاثاء ٢٠ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

العراق بين تظاهرات شعبية وأزمة وزارية وخروقات دستورية!

بقلم: د. عبدالإله بن سعود السعدون {

الخميس ٠٦ ٢٠١٨ - 01:15

مع الجو السياسي الشعبي الملتهب الذي وصل إليه المتظاهرون الغاضبون في البصرة، إثر عدم سماع أصواتهم وتلبية مطالبهم فقد أحالوا، قبل أيام ليل الميدان المقابل لمحافظة البصرة إلى كتلة نارية ضخمة، بتكديس العديد من إطارات مركبات خارج المبنى، كما حاولوا اقتحامه، وقدأصدرت الجهات الأمنية الأوامر بتفريق التظاهرات، وتصدت قوات مكافحة الشغب لهم وأطلقت الغاز المسيل للدموع، في مشهد دراماتيكي يعكس حجم الاحتجاجات التي وصلت إلى نقطة اللاعودة وعجز الحكومة العراقية والمتظاهرين الثائرين الذين قدموا مطالب معقولة التنفيذ في حدود إيجاد الخدمات بتوفير الطاقة الكهربائية والماء الصالح والحياة الكريمة.

وحدث ذلك بعد أن هددت أهل البصرة الأوبئة وتلوث مياه الرافدين وشط العرب بفضلات روافد الأنهار الإيرانية ومخلفات مصانعها من المواد الضارة للبيئة، والتي أنهت الحياة السمكية، وتسببت في  تصحر جميع مزارع الريف البصري بملوحة مد وجزر مياه الخليج العربي.

ومن جهته، أعلن مكتب مفوضية حقوق الإنسان بالبصرة، أن التظاهرات في المحافظة قد تطورت إلى  حد حرق بوابة مجلس المحافظة وعدد من الكرفانات القريبة منه. في هذا الجو المأساوي الذي تعيشه معظم المدن العراقية تحرك إيران اللعبة السياسية بواسطة مندوبها الدائم في بغداد الذي يحمل مسمى وظيفيا عراقيا بصفة مستشار وزاري، الجنرال الإيراني قاسم سليماني، والذي يدير حراكًا سياسيًا يتميز باستراتيجية إيرانية جديدة تعتمد على الترهيب والترغيب ويحاول إعادة أجزاء لعبة ما يسمى بالبيت الشيعي السياسي مرةً أخرى بالضغط على مكونات كتلة النصر بتركها والالتحاق بالفريق الآخر المكون من الفتح الوجه السياسي للحشد الشعبي ودولة القانون بزعامة نوري المالكي رجل إيران في السياسة العراقية، كما يحاول الضغط على كتلة الاتحاد الكردستاني للاتجاه نحو مجموعة الفتح ودولة القانون، وقد استطاع تنفيذ حركة استفزازية لحكومة العبادي بجعل أبومهدي المهندس مساعد رئيس الحشد الشعبي يقوم بسحب مراكز الحشد من المدن الغربية في العراق لخلق ثغرة أمنية تستفيد منها عصابات داعش للهجوم على الموصل وصلاح الدين والأنبار وتحقيق فوضى أمنية بحركات إرهابية داعشية، وانتبه لهذه المصيدة العبادي، وثأر من أنصار إيران بتصفية فالح الفياض وزير الأمن الوطني ورئيس الحشد الشعبي بإعفائه من جميع مناصبه الحكومية ما جعل كل حلفاء وعملاء إيران ينتقدون إجراءات العبادي ويدعون الكتل السياسية إلى عدم منحه ولاية ثانية.

هذا الأمر دفع ممثل إيران قاسم سليماني إلى أن يهدد عددًا من قادة الكتل السياسية الكردية والسنية بـعداء طهران لهم، وأنها ستقف حجر عثرة أمام انضمامهم إلى التشكيل الوزاري الجديد!! في حال تصويتهم بالثقة لحكومة كتلة «سائرون» ومرشحها حيدر العبادي. وذكرت مصادر إعلامية أن سليماني يهدف من وراء هذا التهديد إلى دفع القوى السنية والكردية؛ لأنها هي الثقل المرجح لكفة الكتلة الأكبر موجهًا هذه الكتل إلى التحالف مع قائمتي «الفتح»، بزعامة هادي العامري، و«ائتلاف دولة القانون» بقيادة نوري المالكي، وهما قائمتان مدعومتان من إيران.

وبعد محاولات جادة أجرتها قيادة كتلة «الوطنية» بزعامة الدكتور أياد علاوي توصلوا إلى نتائج إيجابية حاسمة لتشكيل الائتلاف الأكبر بعد انضمام كتلة القرار برئاسة السيد أسامة النجيفي لمجموعة كتلة «سائرون» وبلغ عدد هذه الكتلة 180 نائبًا ممثلين لكتل سياسية اشتركت في الانتخابات حتى الآن. ومن المحتمل بعد انضمام كتلة كردستان أن يرتفع العدد إلى أكثر من مائتي عضو برلماني، وحين تم تقديم ورقة الأكثرية البرلمانية إلى رئيس المجلس أكبر الأعضاء سنًا حدثت المفاجأة باعتراض القائمة المدعومة إيرانيا التي أطلقت على نفسها ائتلاف البناء بأنها الكتلة الأكبر، بتقديمها قائمة برلمانية تحتوي على 150 توقيعًا من أعضاء البرلمان، وطعنوا في القائمة الأخرى بأنها تحمل تفويض الكتل البرلمانية من دون أخذ موافقة أعضاء البرلمان الذين ينتمون إلى هذه الكتل ورئيس الكتلة لا يحمل تفويضا بأصوات كتلته، وفي هذا الوضع المحرج حدث أول خرق دستوري في الجلسة الأولى للبرلمان العراقي الجديد، ورئيسه الأكبر سنًا لم يكن حاسما في إعلان أي القائمتين أكبر، وبعد تحول المجلس إلى ساحة من الهرج والمرج والفوضى الكلامية اضطر رئيس الجلسة لإحالة القرار إلى المحكمة الدستورية لتحديد القائمة الكبرى.. البناء المشكلة من كتلة الفتح المنضوي إليها الحشد الشعبي ودولة القانون وبعض الكتل الأخرى من المكون السني الذي تم إغراؤه بوعود المنصب والدينار وبلغ عدد التوقيعات البرلمانية 150 عضوًا برلمانيًا.. أم الثانية وهي ائتلاف الإعمار والإصلاح صاحبة الأكثرية العددية 180عضوًا، والمؤلفة من كتلة «سائرون» و«الوطنية» و«الحكمة» و«القرار» وبعض الكتل المدنية المستقلة. والذي يخشاه الوطنيون من الساسة العراقيين هو عدم استقلالية بعض أعضاء هذه المحكمة وميلهم السياسي لحزب الدعوة الحليف لإيران.

 كانت مفاجأة المجلس المتغيرة من صنع المطبخ السياسي الإيراني المتمثل في سليماني وطاقم السفارة الإيرانية في بغداد بعد شعورهم بأن عصا نفوذهم في العراق مهددة بالكسر لو فاز ائتلاف الإعمار والإصلاح ذو الاتجاه الوطني الذي يرفض كل السيطرة الإقليمية والدولية وينتظر قرار الكتلة الكردستانية التي ستكون بيضة القبان لتركيز مسمى الكتلة الأكبر في المشهد السياسي والذي يخشى أن تقدم تنازلات وطنية على حساب جغرافية الوطن العراقي، وبالذات مستقبل محافظة كركوك ومنحهم نسبة 17% من ميزانية الدولة العراقية لإقليم كردستان ودفع مرتبات جيش البشمركة من وزارة الدفاع المركزية من دون الالتزام بسلطة الحكومة الاتحادية وإصرار الكرد على تنفيذ المادة 140 من الدستور العراقي، والتي تخص مناطق عراقية يدّعي إقليم كردستان عائديتها إلى سلطة الإقليم تاريخيًا وسيتم ترشيح اسم العبادي لمنصب رئيس مجلس الوزراء القادم، وقد يكون العبادي أبرز المرشحين لهذا المنصب للرضا الإقليمي والدولي عن أدائه في ولايته الأولى.

لكن نظرًا إلى تسارع الأحداث في أروقة بغداد فإن حدوث مفاجأة سياسية متوقعة الحدوث بإعلان مرشح جديد من خارج العملية السياسية الحالية وغير المرضي عن أدائها شعبيًا. ومازالت التظاهرات الغاضبة ملتهبة في معظم المدن العراقية ولها مطالب خدمية عديدة ممتدة بمحاربة الفساد والفاسدين من رجال الحكومات المتتالية منذ غزو بغداد في 2003م حتى يومنا هذا. وبرهنوا فعليًا على عدم الرضا بمقاطعة الانتخابات السابقة وبنسبة عالية جدًا 80% واتهام نتائجها بالتزوير!؟.

وجاء الخرق الدستوري الثاني بتأجيل الجلسة الأولى للبرلمان ليوم آخر وبحسب النص الدستوري، فإنه يتم انتخاب رئيس المجلس ونائبيه خلال الجلسة الأولى، ولم يتم ذلك مع ترشح عدد من النواب لهذا المنصب ومن أقوى المرشحين لرئاسة البرلمان السيد أسامة النجيفي وينافسه السيد طلال الزوبعي ومحمد تميم. وتنشغل الكتل السياسية في الأسبوع القادم ببدء الحراك الجاد لتشكيل الوزارة الجديدة، وإذا تم اختيار الدكتور حيدر العبادي لرئاسة الوزارة الجديدة فإن من المحتمل أن يترك حزب الدعوة ويصبح شخصية مستقلة لتأليف أول وزارة وطنية عابرة للمحاصصة والطائفية، ومن المأمول أيضًا استقلال القرار العراقي عن الطوق الإقليمي والدولي.

إن الأيام القليلة القادمة ستولد قرارات حازمة تغير المشهد العراقي الملبد بغيوم الرشاوى والإغراءات والتنازلات عن حقوق الدولة الجغرافية والسياسية، وخاصة في مجال الجغرافية الوطنية المتنازع عليها مع إقليم كردستان، ولابد من إدراك أن الغليان الشعبي لن يهدأ إلا إذا تم تشكيل وزاري من تكنوقراط نزيه مخلص يسعى من أجل المصالح العليا للشعب العراقي، وبناء دولة المؤسسات تحت مظلة المواطنة وسيطرة سلطة القانون وشعارها السلام في الداخل والخارج.

‭{‬ عضو هيئة أمناء منتدى الفكر العربي

- عضو جمعية الصحفيين السعوديين

alsadoun100@gmail.com

 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news