العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

تقديس الشهادات وتحقير العلم!

  لأن التعليم هو الأساس في بناء الدول الناجحة والمتطورة، فإننا نفهم كيف بنت «اليابان» نهضتها ونفسها بعد هزيمتها ودمارها في الحرب العالمية الثانية (اعتمادا على قوة التعليم) في بناء الإنسان وفي التنمية. ونعرف كيف نجحت «سنغافورة» في الخروج من (الحالة الصفرية) إلى تسجيل معدّلات نمو وتطور مذهلة... والسر في قوة التعليم أيضا وبناء العقل والإنسان.

فعلت ذلك ماليزيا والصين والهند، وحتى دول في إفريقيا، فوضعت نفسها في قائمة الأعلى نموًا وبناءً ونهضةً!

 قال أحدهم: (مشكلتنا كعرب أننا نقدس الشهادات ولا نقدس العلم)! وصدق في قوله هذا وتلك هي حصيلة «المظهرية الفارغة» في المجتمع وفي التعليم التي لا تبني إنسانا معرفيا مهما. ولذلك فإننا نرى هوس الحصول على الشهادات حتى لو كانت «وهمية أو مزورة» ودفع الأموال للحصول عليها، ما أنتج (مافيات تعليمية) في العالم تحقق لهؤلاء «حلمهم الوهمي»!

ولذلك أيضا حتى في «الجامعات الحقيقية» لا يعبأ الطالب بالبحث والمعرفة وبذل الجهد لاكتساب العلم، بل إنه يهتم مثلا بشراء رسالة الماجستير أو الدكتوراه من المكتبات بدفع المال!

‭}‬ المشكلة الأساسية في (التعليم العربي) ليست فقط (التلقين) كما قلنا في مقال سابق، وغياب التنمية في (العقل الإبداعي والنقدي)، وغياب التدريب على الابتكار، بل أيضا تراجعه عن مفهوم التربية (بأبعادها الأخلاقية والاجتماعية والنفسية) وغياب التنمية في بناء «الحس الجمالي»، والتدريب على احترام النظام والتنظيم إلى جانب ما يعانيه التعليم العربي من (تهميش الدراسات الإنسانية والتاريخية وتاريخ الحضارات)، وعدم ربط تعليم التخصصات كافة بالتربية الأخلاقية وقيم ومبادئ المهنة! إلى جانب الخلل الأهم وهو شبه غياب تمويل البحث العلمي والمعامل التجريبية! فالدول العربية هي الأقل تمويلاً لهذا الجانب قياسا بدول كثيرة في العالم! ما يجعل البحوث العلمية والتخصصات في العلوم الاجتماعية والإنسانية والسيكولوجية، تقع بذلك في آخر سلّم الاهتمام قياسا بالتخصصات الطبية والهندسية وغيرها، فينتج عن هذا، وكما يقول الأكاديمي والباحث الأردني «جمال الشلبي» (أن تكون مجتمعاتنا مفرغة من الإحساس بالمكان والزمان والمعرفة)!

‭}‬ وبسبب طغيان (المظهرية الفارغة) في التعليم وغياب «العقل النقدي» وطغيان «الوعي السطحي» عبر وسائل التواصل الاجتماعي والقنوات الفضائية الخاصة، وقصور الإعلام العربي في «مهمة التوعية» نجد أن حتى (الدور العضوي للمثقف العربي) قد تراجع لصالح هذا الطغيان أو الطوفان الذي يحبس العقل في لهاث المظهريات وليس في بناء عقل الإنسان ونهضة الأوطان عبر العلم الرصين! حتى كتب التاريخ تختلط أوراقها لتأخذ العقل العربي إلى الماضي في إطاره السلبي وليس إلى الاستفادة من الدروس التاريخية لبناء المستقبل وبناء «الوعي التاريخي البناء» الذي يسهم في بناء «العقل السياسي العربي» لمواجهة التحديات الفكرية والعلمية والتهديدات والمخططات الخارجية!

‭}‬ كتب «التربية الدينية» بدورها تقتصر على (التلقين، من دون مثلا شرح أسس التشويه الذي يطال الدين الإسلامي تحديدًا في الوقت المعاصر، ولا شرح متناقضات الربط بين الدين والتطرف والإرهاب (بقراءة بحثية معاصرة) يتم تدريسها في المدارس والجامعات، تسهم في وضع أسسها «المراكز الدينية العليا» و«المراكز الاستراتيجية»، لانتشال العقل العربي من تيه ما يحيط بدينه من تشويه و«إسلامو فوبيا»!

- كتب «التربية الوطنية» لا تعالج بعمق «الأفكار العولمية الجديدة» التي تجرف الأفكار الوطنية نحو هاوية «اللا انتماء الوطني»! مثلما تسحق مفاهيم الهوية الخاصة واللغة والذات العربية!

‭}‬ والخلاصة لو أن لدينا (تعليما قويا ومتينا ومحفزًا للوعي والعقل والإبداع)، لما استغل الغرب بعض الشعارات والمفاهيم لصناعة التطرف والإرهاب والصراعات الطائفية والعرقية والدينية في منطقتنا! ولما كان من السهل سقوط دول عربية كبرى في فوهة الفوضى في سنوات «الدمار العربي»! ولما افتقد القادة والساسة العرب في عمومهم «العقل السياسي الاستراتيجي» الذي يعرف كيف يبني الإنسان ويدافع عن الوطن وعن الهوية ذات الأبعاد المختلفة!

مشكلة التعليم في بلادنا العربية هي بالفعل أم المشاكل! وحين تتوافر الجودة في هذا المجال، ستحقق الجودة في كل مجالات المجتمع بشرط ألا يكون التعليم في مجتمعاتنا مستوردًا كالبضائع الأخرى!

 

 

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news