العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

تحسين مستويات المعيشة.. وسياسات التنمية

بقلم: د. محمد عيسى الكويتي

الأربعاء ٠٥ ٢٠١٨ - 01:15

في هذه المرحلة من التنمية في البحرين والخليج أصبح من المهم جدا الاهتمام بمستوى المعيشة في المنطقة وتحسينها من جميع جوانبها المختلفة. وعندما نتحدث عن مستوى المعيشة، فإننا نتحدث عن الإنسان المواطن كفرد والمجتمع كفئات مختلفة في المستوى من الدخل والثروة والقدرة على تلبية احتياجات الحياة العادية ومعدل الرفاهية الذي تعيشه ومستوى تأثرها بالسياسات التقشفية التي تنفذها الدول.

اتخذت الدولة إجراءات تقشفية لسد عجز الموازنة، لكن لم يصاحبها برنامج مواز موجه إلى الطبقات الضعيفة للتخفيف من الآثار المترتبة عن ارتفاع أسعار بعض السلع وحتى بعض الخدمات مثل رسوم المرور والكهرباء. هذه الإجراءات نالت من الطبقة الفقيرة وذوي الدخل المحدود وحتى شريحة واسعة من الطبقة المتوسطة التي داهمتها هذه الإجراءات وأدت إلى تآكلها، كما أثرت على القطاع التجاري، وخاصة صغار التجار والمستثمرين. 

المطلوب سياسة اقتصادية اجتماعية فعالة لمعالجة آثار ما تمر به البحرين من انتقال من الوفرة النفطية إلى اقتصاد يقوم على الإنتاج والمنافسة في الأسواق المحلية والإقليمية والعالمية لحماية الفئة الضعيفة المتضررة من أفراد ومؤسسات تجارية.

وللتعامل مع تحسين مستوى المعيشة وتقييمها وتطويرها نحتاج أولا إلى أن نحدد ماذا نعني بتحسين مستوى المعيشة، ومن ثم نقسم المجتمع إلى فئات ونحصر جهدنا في الفئات الضعيفة من حيث معرفة طبيعة معاناتها وحدود مستوى الدخل الذي يؤمن لها حياة كريمة وباقي الفئات من حيث سلامة عيشها واستكمال حقوق المعيشة المعنوية التي تؤثر في عطائها ومساهمتها في متطلبات بناء الوطن في المرحلة المقبلة. 

يمكن أن نعرف مستوى المعيشة من حيث قدرة المواطن على تلبية احتياجاته المادية، وهناك كذلك الجانب المعنوي والجانب الاجتماعي، وهذه تعتبر محاور لرفع مستوى المعيشة ونحتاج إلى الاهتمام بكل من هذه المحاور في عملية تكاملية لتشمل رفاهية الإنسان والمجتمع في مراحل مختلفة من التنمية البشرية المستدامة. 

من الناحية المادية ليس لدينا تعريف محدد للفئة الضعيفة، ومتفق عليه في المجتمع، فهي مسألة نسبية وقيمة تقديرية. وهنا سوف نقسمها إلى أربعة تصنيفات، الصنف الأول هو الطبقة الفقيرة، والثاني: الطبقة ذات الدخل المحدود، والثالث: الطبقة المتوسطة، والرابع:  طبقة العاطلين عن العمل، كل هذه الفئات تأثرت سلبا بانخفاض سعر النفط والإجراءات التي تبعته. 

ولتعريف الطبقة الفقيرة هناك عدة أرقام غير رسمية، لكن يمكن أن تؤخذ على أنها تمثل خط الفقر. مثلا يمكن اعتبار خط الفقر بأنه نصف متوسط الدخل العام، إذا كان متوسط الدخل في البحرين 9500 دينار سنويًا تقريبا، فإن متوسط الدخل الشهري حوالي 800 دينار، وبذلك يصبح مستوى خط الفقر 400 دينار.

وبحسب أحد تقديرات دراسة مكنزي في عام 2004 فقد قدرت خط الفقر بـ371 دينار، هناك كذلك وسيلة ثانية تقدر مستوى المعيشة من خلال القدرة الشرائية، ويتم تقدير قيمة سلة من السلع والخدمات تشمل المأكل والمسكن والمواصلات وفواتير الكهرباء والماء والهاتف، وتقدر قيمتها في سنة معينة، وتتم متابعة الزيادة أو النقصان في كلفة هذه السلة ومنها يمكن أن نستنتج أن القدرة الشرائية تزيد أو تنقص وبنقصانها فإن مستوى المعيشة يتدهور كلما كان الدخل لا يغطي مثل هذه الاحتياجات‘ لذلك فإننا نرى أنه من الأولى أن يصدر عن وزارة العمل تحديد رسمي لمستوى خط الفقر ، وأيا كان مستوى الدخل المعتمد لحد الفقر يبقى السؤال الأهم: ما حجم الفئة الفقيرة، وهل تتناقص أم تتزايد؟ والسؤال الآخر المرتبط بها هو مستوى البطالة في المجتمع، صحيح أنهما مفهومان منفصلان، لكن العلاقة بين البطالة والفقر علاقة كبيرة، والإنسان العاطل يشكل عبئا على الدولة والمجتمع ويخسر سنوات من عمره يمكن أن ترفع من مستوى معيشته ومعاشه التقاعدي، ومن ثم يشكل عبئا آخر في الشيخوخة، إذن التمتع بمستوى معقول من الرفاهية الاجتماعية يفرض على الدولة العمل على اعتماد سياسات لتحسين مستوى المعيشة وقيم ومبادئ ومؤسسات لتنظيمها وإدارتها وفرضها ومراقبتها، مع مؤشرات لقياسها وتقييم نتائجها؛ أي أن تحسين مستوى المعيشة ليس أمرًا يتحقق بمجرد المطالبة به أو وجود النيات الحسنة لتحقيقه، بل إنه نتيجة تفاعل عناصر في منظومة متكاملة من السياسات والآليات والمؤسسات تنبع من غاية مجتمعية وأهداف خاضعة لتقييم ومراجعة مستمرة.

بناءً على ما تقدم، فإن هناك عددا من المؤشرات لقياسها تشمل مستوى متوسط الدخل، ومعدل الفقر وحجم الطبقة الفقيرة، وجودة السكن ومدة الانتظار للحصول عليه، بالإضافة إلى معدل البطالة، ومؤشرات حماية البيئة، هذه المؤشرات المادية تحتاج إلى قدر كبير من الشفافية والمصداقية؛ لكي تحظى بثقة المجتمع وتؤثر إيجابيا على تعاونه مع الدولة في إيجاد المعالجات. أما الجانب المعنوي فيمكن تقسيمه إلى مستويين؛ مستوى سياسي فكري، ويشمل الحرية السياسية والاقتصادية والمشاركة في القرار وشعور الإنسان بأهميته في المجتمع وتأثيره في محاربة الفساد والمحسوبية وتأثير كل ذلك على رفع قدرات المجتمع الابتكارية والتنافسية والإنتاجية التي بالضرورة سوف تحسن مستوى معيشته إذا تمكن المجتمع من وضع مؤشرات تتابع التقدم فيها. والجانب الإنساني لتحسين مستوى المعيشة وجودة الحياة يتمثل في حاجة الإنسان للتقدير والاحترام وحفظ كرامته وعزة نفسه والشعور بالأمن والاستقرار

من ذلك يمكن القول بأن النجاح في معالجة تدني مستوى المعيشة وجودة نوعية الحياة وتحقيق الرفاهية الاجتماعية هي مسؤولية مشتركة بين الدولة ومجلس النواب والمجتمع ومنظماته الأهلية والمهنية وجمعياته السياسية والدينية والثقافية. يحتاج النجاح إلى وضع سياسات وتشريعات واعتماد آليات للمعالجة، تحكمها قيم المساواة والعدالة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون، وتقوم على تطبيقها دولة قوية مُسائلة وملتزمة بقانون في مجتمع حيوي منظم بمؤسساته وطاقات أبنائه، على أن يتم ذلك في حدود المحافظة على البيئة والحياة. 

 

mkuwaiti@batelco.com.bh 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news