العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

مقالات

اهتزاز الثقة مع مزوّري شهادات الدكتوراه

بقلم: د. جاسم حاجي

الثلاثاء ٠٤ ٢٠١٨ - 01:15

كثُر الحديث في الآونة الأخيرة عن ظاهرة الشهادات المزيفة التي لا تعاني منها مملكة البحرين فقط بل هي مشكلة أرَّقت مضاجع العديد من الدول حتى دول العالم المتقدم لم تسلم منها، وهي ظاهرة ملفتة يجب أخذها بعين الاعتبار واتخاذ الإجراءات اللازمة بحق جميع من خالفوا القانون وهم على الرغم من معرفتهم بالعواقب لا يعتبر عددهم بسيطا.

وهذا يقودنا الى استنتاج تواجد آلاف من الاشخاص العرب ينتحلون صفة الدكتور من دون حق ومن دون مؤهل، وعدد كبير منهم شخصيات معروفة في مجالات الاعلام والصحافة والاستشارات والدبلوماسية، فالهدف الرئيسي من انتحال الصفة هو أن يحظى المنتحل باحترام وتقدير لا يستحقه وربما يحصل على عمل ليس مؤهلا للقيام به. لا أستطيع ان أتذكر عدد الاشخاص الذين رأيتهم خلال العشر السنوات الماضية يحملون هذا اللقب في رؤوسهم فقط وعلى «رت البزنس» وعندما تسأل أحدهم عن موضوع التخصص واسم الجامعة يتلعثم ولا يعطيك جوابا واضحاً، وآخر يعترف بأن قريبا له حصل على الدكتوراه في بلد آسيوي بعد ان دفع لشخص أكاديمي مبلغا من المال ليقوم بمهمة كتابة الاطروحة.

وتجبرك الظروف أحيانا ان تلتقي شخصا يحمل لقب الدكتوراه ويقول انه درس في بريطانيا ثم تجد انه غير قادر على كتابة جملة واحدة صحيحة قواعديا باللغة الإنجليزية.. ألا تتوقع من حامل دكتوراه حصل عليها في بريطانيا الا يكون قادرا على الحديث باللغة الانجليزية بطلاقة وان يكتب بسهولة وبلغة قواعدية سليمة؟ على سبيل المثال أنا شخصياً قابلت أشخاصًا تعاملت معهم محدثي عن شهادة الدكتوراه، والغرابة أنهم بدأوا قبل دراستي للدكتوراه بسنتين ولكنهم أنهوا الدراسة أربع سنوات بعدي.. السؤال الذي يطرح نفسه: ما هي هذه الجامعة التي تسمح للطالب بالدراسة أكثر من 11 عاما لشهادة الدكتوراه؟! هي ببساطة جامعة مادية تفتقر الى الأمانة.

وبحسب معلومات استقيتها من أكاديمي، فإنه من أصل 10 من حملة الدكتوراه 7 منها غير حقيقية، وقد تم الحصول عليها إما بالدفع لشخص آخر ليكتب الرسالة او الاطروحة او بشرائها من مصدر مشبوه أو غير معترف به أو أن حامل اللقب قرر أن يمنح نفسه صفة الدكتور ليرفع من شأن نفسه. رأيت قبل سنوات موظفا في اوائل العشرينات من عمره يتصفح وثيقة خضراء وينظر اليها بتمعن قائلاً انها شهادة دكتوراه في ادارة الاعمال حصل عليها بمبلغ مادي من جامعة على الانترنت، علما ان مستوى تعليمه لم يصل الى مرحلة الثانوية، معلقاً بأنها ستمكنه من الحصول على وظيفة محترمة في بلده.

لهذا لا تستغرب اذا وجدت ان الدكتور فلانا رجل سطحي لا يفقه كأنه حامل شهادة ابتدائية، ولا تستغرب اذا وجدت شخصا متواضعا لا يهتم لهذه الالقاب ولكن تكتشف أنه عميق الثقافة وقادر على الكتابة والبحث والإنجاز.

فلا تنخدع اذا جاءك شخص يحمل بطاقة تقول: الدكتور كذا.. او يقدم نفسه لك بهذه الصفة. وثمة آخر يمقت أن يُشار اليه بالاستاذ او السيد المحترم بل يريد تشديد كلمة الدكتور لكي يطمئن نفسه بأنه ذو قيمة ويجب احترامه. هؤلاء في واقع الأمر يعانون نقصا مّا في شخصيتهم. أشدد ان هذا لا علاقة له بمن منح دكتوراه فخرية لأنه دبلوماسي او عسكري او رجل أعمال او من الذين اكتسبوها عن طريق البحث والدراسة.

لسوء حظ صاحب الشهادة الوهمية لا يدرك حقيقة أنه ما إن يبدأ بالكلام حتى يكتشف جميع من حوله أنه لا يحمل شهادة الدكتوراه، لأنك لا تجد في كلامه أي محتوى.

ولا شك أن أسباب اللجوء الى شراء هذه الدرجات الوهمية متعددة، بعضها اقتصادي والبعض الآخر اجتماعي، وبعضها بالتأكيد نفسي. فالدرجة الوهمية تحسن من فرص الشخص في الحصول على وظيفة أعلى أو الترقي في العمل والصعود إلى مراكز رفيعة، وخصوصا إذا كانت حظوظ الفرد في المساندة كبيرة. فالكثير من المجتمعات تلعب فيها الواسطة والمحسوبية دورا مهما في عمليات الانتقاء. من جانب آخر قد ترتفع المنافسة في سوق العمل مع تزايد أعداد حملة الشهادات العليا، فتكون عملية شراء الشهادات وسيلة سهلة للتعامل مع ضغوط المنافسة ورفع فرص الحصول على الوظيفة الملائمة.

للأسف الخاسر الوحيد في هذه العملية هو المجتمع الذي يستخدم خدمات هذا المزور. فخطورة الظاهرة تصبح أكثر وضوحا عندما يعمل بعضهم في وظائف حساسة كالمهندس أو الطبيب.. باختصار فإن الدرجات العلمية الوهمية تحول الاقتصاد القومي إلى اقتصاد أقل كفاءة وفاعلية.

لذلك يجب عدم التراخي في حل هذه القضية، إذ في وجودها ظلم لكل من حصل على شهادة علمية بطريقة صحيحة بذل فيها جهداً علمياً ومادياً كبيراً يستحق عنه التقدير والتمييز، وهذه القضية تسبب ضررا أيضا للوطن، فالمزور يعتبر خائناً للوطن بما يسبب له من ضرر في اقتصاده وقلة ثقة المؤسسات لما يتسبب به هؤلاء الفاسدون والمختلسون، فمن البديهي أنه غير مقبول ان يلجأ المرء إلى الكذب والتحايل بأي أسلوب لنيل غرض ما أو الوصول إلى هدف معين.

ويجب اتخاذ أقسى الإجراءات ضد هؤلاء الفاسدين لردعهم والوقوف في وجوههم، كتوقيف صاحب الشهادة المزورة عن عمله وإرجاعه إلى آخر مؤهل تعليمي حقيقي حصل عليه بالإضافة إلى محاسبة الجامعة المانحة للشهادة المزورة ومعاقبة كل من ساهم في هذه العملية، فشهادة الدكتوراه شهادة تخدم بها المجتمع والوطن للارتقاء به والمساعدة في تطويره لا في تدميره ونشر الفساد فيه.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news