العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

أرقام مخيفة تدمي قلوبنا

في كلمته أمام مؤتمر «المحيط الهندي» الدولي أورد رئيس مجلس أمناء مركز البحرين للدراسات الاستراتيجية والدولية والطاقة «دراسات» الدكتور الشيخ عبدالله بن أحمد آل خليفة، أرقاما مخيفة عن حجم الخسائر البشرية والمادية التي تسببت فيها الاحتجاجات في منطقة الشرق الأوسط منذ عام 2011؛ أي عام ما يسمى بـ«الربيع العربي»، حيث ذكر أن هذه الاحتجاجات تسببت، وبحسب تقديرات عربية رسمية، في خسائر مالية وصلت إلى 900 مليار دولار. أما الخسائر البشرية فقد وصلت إلى مليون وأربعمائة ألف قتيل يُضاف إليهم خمسة عشر مليون لاجئ، هذه الأرقام التي ذكرها الباحث حتى بداية العام الحالي فقط، هي بكل تأكيد مرشحة للارتفاع، ذلك أن بؤرة هذه الأحداث؛ أي بعض الدول العربية تحديدا، لم تخمد بعد، وأن نيرانها  لا تزال مستعرة في أكثر من دولة، وأن حمَلَة براميل الوقود وأعواد الكبريت مصممون على عدم التخلي عن أدواتهم قبل استكمال مهمتهم.

منطقتنا العربية هي صاحبة الرقم الأكبر من هذه الأرقام المفزعة من الخسائر البشرية والمادية، ذلك أن الأحداث التي تفجرت منذ عام 2011 تركز جلها في أكثر من دولة عربية، ولم تجلب معها سوى المآسي والمصائب لجميع الدول والشعوب التي كانت مسرحا لهذه الأحداث، وكما قال الدكتور عبدالله آل خليفة فإن «السمة البارزة الآن لخريطة الشرق الأوسط منذ عام 2011 أنها مسرح عمليات عسكرية، وحروب أهلية، ومركز لتصدير الإرهاب والمهاجرين، وبؤرة تفشي وباء الطائفية، والعنف الديني»، هذه بالضبط الصورة الأكثر وضوحا، ومصداقية أيضا، لما تعيشه منطقة الشرق الأوسط وأكثرها في بعض الدول العربية من أوضاع مأساوية.

فمنطقة ودول تبتلى بمثل هذه الأوبئة التي ذكرها الدكتور عبدالله لا يمكن أن تنتج سوى المزيد من المآسي والمصائب والكوارث التي تدفع أثمانها الشعوب والدول، فهذه الأوبئة التي تجثم على المنطقة في الوقت الحاضر وصلت إلى أوج انتشارها بعد تفجر أحداث «الربيع العربي»، والذي أثبتت نتائجه حتى الآن أن الأهداف من ورائه ليست مصلحة شعوب المنطقة ورفاهيتها، وليس للعدالة الاجتماعية والديمقراطية والحرية، أي صلات به لا من بعيد ولا من قريب، بل هدفه الأول والأخير هو جعل المنطقة موبوءة بمثل هذه الأمراض الخطرة التي تقضي على مستقبل شعوبها.

كيف يمكن تصور مدى الأضرار التي تقع على عواتق شعوب ودول المنطقة بسبب حجم الخسائر التي أوردها الباحث، وفي فترة زمنية قصيرة جدا لا تزيد على السبع سنوات. إنها بحق أرقام مفزعة وخطرة أيضا، لكن ما يثير الفزع أكثر أن المنطقة لا تزال تعيش تحت وطأة تلك الأوبئة، ورغم محاولات العديد من الأطراف مقاومتها أو الحد منها وصولا إلى هدف القضاء عليها، فإن هذه المحاولات تصطدم دائما بمقاومة كبيرة من قبل العديد من الأطراف، الإقليمية منها والدولية ذات المصلحة الكبيرة من وراء استمرار هذه الأحداث واستنزاف مقدرات شعوب ودول المنطقة.

لقد استطاعت القوى ذات المصلحة في تفجير المنطقة ونشر الأوبئة القاتلة والفتاكة بين شعوبها، أن توهم جموعًا ليست بالقليلة من المكونات المجتمعية، بأن موجات «الربيع العربي» سوف تجلب «السعادة والأمن والأمان» لشعوب المنطقة وسوف «تخلصهم من الأنظمة الدكتاتورية وتنشر فوق رؤوسهم غطاء العدالة الاجتماعية»، في حين أن الهدف غير ذلك، والوقائع وكذلك النتائج أكدت أن المتضرر الوحيد من هذه الأحداث هي الشعوب والدول من دون غيرها، وأن المستفيد الوحيد منها هي الأطراف التي حركت موجات ذلك «الربيع».

من السهل جدا تدمير برج كامل في غضون ثوان معدودات فقط، لكن إعادة بنائه من جديد يحتاج إلى جهد ووقت طويل جدا، فما بالك إذا كان الأمر يتعلق بتدمير بلدان بأكملها وتشريد ملايين من البشر من أوطانهم، ناهيك عن أعداد المصابين والمعوقين الذين خلفتهم الأحداث التي تشهدها المنطقة على مدى أكثر من سبع سنوات، من الصعب جدا تصور القدرة والمدة والكلفة التي تحتاج إليها شعوبها ودولها لإعادة بناء ما تم تدميره، نحن نتحدث عن افتراضية أن الأحداث وضعت أوزارها، ولم يحدث حتى الآن، لكن بكل تأكيد أن إعادة بناء البلدان المدمرة ستكون كلفتها أضعاف الخسائر التي تسببت فيها الأحداث حتى الآن.

كنا منذ البداية على قناعة تامة، بأن للأطراف الخارجية التي فجرت الأحداث في المنطقة، أهدافا غير معلنة، لكن من يعرف طبيعة وتفكير وأيديولوجية مراكز صناعة القرارات لدى تلك الأطراف، يدرك أن لها أهدافا لا تمت لمصالح الشعوب بأي صلة، وأن تدمير أركان الدول وشلها عن ممارسة سلطاتها السيادية على حدودها الجغرافية والديمغرافية، هما ضمن تلك الأهداف، يضاف إليها الأهداف الاقتصادية والجيوسياسية الأخرى، لهذا كانت الخسائر المفزعة، من قتل وتشريد وتدمير قد تركزت فقط لدى الشعوب والبلدان التي شهدت تلك الأحداث، أو الاحتجاجات، كما يسميها الدكتور عبدالله آل خليفة.

مع كل هذه الأرقام المفزعة للخسائر المادية والبشرية، ورغم تحذيرات العديد من المسؤولين والخبراء من خطورة تفجير مثل هذه الأحداث وتبنيها تحت عناوين وحجج مختلفة، فإن هذه التحذيرات ذهبت أدراج الرياح ولم تلق آذانا صاغية، فوقع العديد في الفخ الذي نصبته القوى ذات المصلحة من وراء تفجير واستمرار هذه الأحداث، فهل تستطيع الأرقام المفزعة التي ذكرها الدكتور عبدالله آل خليفة أن تطرق الآذان الصماء وتفتح الأعين من أجل إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ فالوقت لا يسير في صالح دولنا وشعوبنا إذا ما استمرت مسيرة الأحداث على ما هي عليه.

 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news