العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

عالم يتغير

فوزية رشيد

التعليم والعقل المنتج والمبدع !

 أكثر الدول التي خرجت من حضيض الفقر وقلة الموارد لتصعد إلى حيز قائمة الأرقام القياسية في النمو استثمرت في الإنسان، وأهم وسائل الاستثمار في الإنسان هو التعليم الجيد والقوي والمرتبط باحتياجات النمو في البلد، والابتكار فيه؛ أي التعليم الذي ينتج عقولا مبدعة، تسأل وتفكر وتطرح الإشكاليات وكيفية معالجتها، وقادرة على الابتكار. أما العقول التي تخضع لتعليم تقليدي قائم على الحفظ ولا صلة لهذا الحفظ بالواقع أو بالدافع الوطني للإنجاز، أو بالعناية والفخر بمكونات الهوية الوطنية، فإن ما يصرفه التعليم من مال وجهد ووقت، لا ينتج في العادة عقولا استثنائية أو متميزة، لأن الخلل في التعليم نفسه الذي يقتل ملكة النقد والتفكير والإبداع، والسؤال في الطلبة !

‭}‬ بالاستثمار في التعليم القوي وبمحاربة الفساد صعدت دول مثل سنغافورة وماليزيا واليابان ورواندا وغيرها من الدول ذات الموارد القليلة لتسجل معدلات عالية في النمو والتطور!

على دولنا دراسة تجارب الدول الناجحة في التعليم، وخاصة في محيط الدول النامية لتدرك سر نجاح التعليم فيها وسر عدم تحقيق أهدافنا برغم التكاليف الباهظة على التعليم العام والتعليم الخاص، الذي يبرمج عقول الملتحقين به لغير صالح الوطن!

‭}‬ إن «التربية العقلية».. ودفع متلقي العلم إلى التفكير وإعمال العقل وطرح الأسئلة وممارسة الفكر النقدي، تختلف تماما عن أساليب حشو العقل بمعلومات مجردة لا صلة لها بالواقع أو بالابتكار أو البحث العلمي ، بل بالتعويد على الحفظ، ثم إجراء الاختبارات والامتحانات الدورية لمجرد (تسجيل علامات) على الحفظ وليس على «القدرات العقلية» التي وصل إليها الطالب، إلى جانب عدم ربط «التربية العقلية» بالارتباط بالهوية الوطنية بكل ما تحمله من أبعاد تاريخية وقومية ودينية وحضارية والاعتزاز بتلك الهوية، وكل ذلك يدفع إلى «كسل العقل» عن المهمة التي أوكلها الله إليه وهي التفكر والتعقل والتأمل وربط العلم بالجانب السلوكي والأخلاقي.

‭}‬ إحدى الدول الاسكندنافية أعتقد أنها «النرويج» جربت إلغاء الأسلوب التقليدي في التعليم واستبدال ذلك بربط الطلبة منذ الصغر بالطبيعة وباللعب وباكتشاف تاريخ البلد وموارده وتعويدهم على السؤال وإعمال العقل، وابتكار الحلول، وتشريبهم المناهج العلمية والرياضية من خلال وسائل جديدة، أكثرها قائم على اللعب ومنها الألعاب العقلية والفكرية وإلغاء الواجبات والدروس المنزلية الثقيلة وتكرار الامتحانات، إلى أنماط أخرى من قياس الذكاء والمعلومات، فكانت تجربة مذهلة في «النمط التعليمي» أثمر طلبة منفتحين على السؤال وعلى العقل المبدع والمنتج واعتباره نموذجا جديدا في التعليم في العالم أثبت جدواه!

‭}‬ إن التعليم الجيد والمعني بتنمية العقل وليس بتحصيل الدرجات على الحفظ إذا رافقته «محاربة الفساد» بكل أشكاله التعليمية والمالية والإدارية في أي بلد فإنه ينتج مجتمعا قادرا على النهوض القوي والتنمية الكبيرة، حتى وإن عانى هذا البلد من قلة الموارد الطبيعية، وخاصة أننا في زمن يعتمد على المعلومات والتكنولوجيا والمعرفة الرقمية ويحتاج إلى عقول وإلى مواطنين مبدعين في كل المجالات، ومنتجين في سوق الابتكار، وغير خاضعين للتعليم الخاص الذي يُكرس (للتغريب الأخلاقي والتغريب الوطني والتغريب في الهوية) وهو النمط السائد في الخليج اليوم، وخاصة مع انتشار المدارس الخاصة التي تهمش الهوية الوطنية واللغة العربية وتستبدلهما بالهوية العولمية واللغة الأجنبية (في الغالب الإنجليزية) فينشأ العقل على (كراهية الذات العربية والمسلمة) والاعتداد بكل ما هو أجنبي والانبهار به! مثل هكذا عقول لن تنشأ على الصلة القوية والحميمية بالهوية الذاتية، أو باللغة العربية الأم، فيتلاشى عندها «الوعي الوطني» وأبعاد الهوية اللغوية والدينية والاجتماعية، لينمو إنساننا كالبطة العرجاء! وإذا كان المواطن أو الإنسان هو رأسمال البلد فإن الاستثمار فيه يكون بقوة التعليم وجودته، وبمحاربة الفساد بكل أشكاله!

إقرأ أيضا لـ"فوزية رشيد"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news