العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الثقافي

عندما قال لي شيخ رواية البحر.. حنا مينه:
رجاء يا ابني لا تنشر شيئًا قبل أن تريني إياه!!

بقلم: علي الستراوي

السبت ٠١ ٢٠١٨ - 10:29

عندما وقعت عيني على قراءة وصية الأديب الروائي حنا مينه التي كتبها قبل تسعة أشهر من رحيله، أعدت شريط الذكريات عندما كان حنا مينه في التسعينيات من القرن الماضي زائرًا لوطني البحرين ضمن الأسبوع الثقافي السوري البحريني الذي أقيمت فعالياته في المتحف الوطني، أذكر أنني حينها، كنت في أولى خطواتي الصحفية، وكان الحلم يشدني للالتقاء بهذا الأديب الذي أحببته من خلال رواياته التي أعتبرها جزءًا من تطوري السردي والثقافي، فقد كان لحنا مينه النصيب الأكبر من تجربتي الثقافية؛ لكون ما كتبه من روايات غذّت طموحي الكبير  في أن أكون خيطًا في قميص الثقافة؛ لذا فإنني كنت حريصًا على اقتناء كل جديد من الروايات التي لا تغيب عنها شمس المعذّبين والفقراء، فإن هذا النهج لدى حنا مينه قد حبب إلى نفسي سيرة أبطاله الذين أحسُّ أنهم جزءٌ من تكويني السيكولوجي.

 أذكر يومها أنه كانت لحنا مينه محاضرة في تجربته الروائية في المتحف الوطني، وكنت أتحين الفرصة للحديث معه، ولأن حنا مينه لا يستطيع أن يترك أي فرصة تتاح له من دون أن يعانق سكارته، فقد أتيحت لي الفرصة عندما خرج من القاعة وهلة قصيرة، ليدخن فيها غليونه، فداهمته بسؤالي وأنا قلق ومضطرب؛ فقد كان أول لقاء أتجرأ على إجرائه ومع من؟.. مع شيخ رواية البحر وصاحب أدب المعدومين والمعذّبين من الفقراء والمشردين، هذا الروائي الذي لم تفارقني رواياته، منذ معرفتي بروايته «المصابيح الزُرق» أصبحت كل مصابيحه تتقدمني لتأخذ بيدي نحو الجادة.. نحو ثقافة أدرك في نفسي عظم رسالتها.

في ذلك اليوم الجميل من تسعينيات القرن الماضي، كانت الجرأة عمادًا قويًا استندت إليه؛ لأفتح معه حوارًا سريعًا، وقد كنت أنا أسرع من إجاباته، وكنت أدوّن ما يمليه عليّ في دفتر صغير، فأدرك حنا مينه اضطرابي الشديد وسألني: هل أنت صحفي جديد؟ ولأنني لا أعرف أن أكذب ، أو أن ألون إجاباتي بالزيف، فرددت بعفوية: نعم! عندها قال لي حنا مينه: (رجاء يا ابني لا تنشر شيئًا قبل أن تريني إياه) فوعدته، وبالفعل دوّنت ما دار بيني وبينه، وأرسلته إليه قبل النشر، فلم يعارض، بل رحب بنشره، وقد كنت يومها سعيدًا جدًا؛ لأنني نجحت في أول تجربة صحفية ومع من؟.. مع عميد وشيخ الأدب العربي لحكايات البحر والمتعبين من البشر.

 والذي لن أنساه أن الحوار القصير الذي أجريته مع حنا مينه، كان قد حضره الصديق الصحفي أحمد البوسطة الذي أتمنى له الشفاء، وقد سألني أحمد عند انتهائي من اللقاء السريع بيني وبين حنا مينه، لماذا قلت له إنك في أولى تجاربك الصحفية، وأنك صحفي جديد؟ فأجبت أحمد البوسطة: يا صديقي لا أعرف أن أكذب، فقال لي ناصحًا: «لا تجعل نفسك صغيرًا حتى لا يستصغرك الآخرون! 

 ومع مرور الزمن أدركت الحكمة من نصيحة الصديق أحمد البوسطة؛ لأن ما خبره من تجربة علّمه الكثير.. (إن من البشر في اختلافهم وفي رغباتهم نستلهم الحكمة).

 وقد كان في الحديث الجميل الذي أجريته سريعًا مع شيخ روايات البحر، ما علّمني أن أسير نحو تجربتي من دون قلق أو خوف، وبالفعل سرت مستدركًا كل هذا الحب الذي استلهمته من أول لقاء صحفي مع عميد من أعمدة الأدب العربي، وأكثرهم محبة إلى نفسي؛ لأن شخوص رواياته ظلت تعلمني كيف أجدّف بمجداف الإصرار في بحر وإن كان هذا البحر لجة من موج شديد.

 فكيف للقلب أن يبكي أديبًا بحجم قلب حنا مينه الذي رحل في صمت مطبق وغربة، هو أدرك شدائد أهوالها وتعبها قبل رحيله الذي تجاوز 94 مطبًا حفرت في جسده ضنك وأرق سنواتها، منذ كان طفلا حتى أصبح شيخًا.

  كانت لحنا مينه تجارب السفير الذي لايمل التغرب، من أوروبا حتى الصين، سنوات قضاها بعيدًا عن وطنه سوريا، وعندما عاد إلى سوريا احتضن  في لواء الإسكندرون بقية عمره مستلهمًا من البحر ومرتاديه من المتعبين حكايات أبطال رواياته، فقد كان البحر أكبر الأسياد في تجربته، وقد صاحب البحر والمدن المجاورة له مداعبًا سواحله بحلم لم يغب يومًا عن شخوص أبطال رواياته.

وخير ما أختم به مقالي  هو ما قاله الكاتب رياض كامل عن أدب البحر لدى حنا مينه: «عالم البحر، لدى مينه، يرتبط بعالم الرجولة والمغامرة والمدى البعيد. وللرجولة معان عدة منها ما يتعلق بمواجهة البحر وأنوائه، ومنها ما يتعلق بالمرأة. أما المغامرة فإنها الصورة الأخرى للرجولة التي لا تكتمل إلا إذا اقترنت بالطموح والوصول إلى المدى البعيد حيث يطوف البحّار عبر «البحار السبعة»، من مشرق الأرض حتى مغربها. والبحر يأخذ بعدا أكبر من مجرد موقع جغرافي يعتاش منه البحارة والصيادون، بل هو فعل دلالة وانتماء وهوية، إذ لن يكون للبحّار وجود وكيان من دون البحر؛ لأنه ينتمي إلى هذا العالم، وما التنازل عنه سوى تنازل عن الكيان والهوية، هكذا كانت رسائل حنا مينه في رواياته التي جسد فيها البحر وأبطاله، متخذا من الألم والبحث عن لقمة العيش زادا يطفئ ألم الجوع.. الرحمة لحنا مينه، ويبقى معنا في الجدار الذي لا ينهد، وهو الحلم، فسلام عليك أيها الراحل في صمت، وهكذا يرحل المبدعون من دون ضوضاء. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news