العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٧ - الجمعة ١٦ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

من وحي الإسلام : الفنون الإسلامية: مهنة الورّاقين ودراسة المخطوطات (4)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٣١ ٢٠١٨ - 11:24

* تجليد المخطوطات والمصاحف: 

صناعة التجليد وجدت في بلاد العرب ولها تربة خصبة تمدها بأسباب النمو والازدهار، فقد كانت دباغة الجلود وصناعتها متوافرة ومتقدمة في مناطق متفرقة في بعض البلدان العربية والإسلامية في مصر والسودان واليمن والشام وعمان وفي ربوع العراق وتركيا بسبب توافر الماشية والأغنام والظباء والوعول والإبل (البعارين). 

وتشير بعض الشواهد التاريخية إلى أنه قد وجد أول مصحف مخطوط عربي في عهد الخليفة أبي بكر الصديق (رضي الله عنه) قد جلد بالمعنى الواسع لكلمة التجليد حتى قيل إن التجليد (مشتق أصلا من كلمة الجلود) ولم يكن التجليد حينئذ قد استخدم بكثرة، وكانت الصورة الأولى للتجليد هي وضع لوحين من الخشب مثقوبين في مكانين متباعدين يشد إليهما الورق المدون، ويمر بهما خيط أو دوبارة أو فتلة من ليف النخيل ثم تخرز الوثائق لتثبيتها. 

وقد اقتبس المسلمون هذا الأسلوب البدائي للتجليد من جيرانهم ، وحتى القرن الثاني الهجري لم يكن لدى المسلمين كتب أو كتاب يحتاج إلى التجليد غير المصحف الشريف، ومنذ ذلك الوقت بدأ ميدان التجليد يأخذ طريقه في التواصل وعليه استمر عمل التجليد.

 * تحقيق الوثائق والمخطوطات: 

يعتبر التحقيق في أي مجال يدل على إثبات صحة المخطوط من حيث عنوانه واسم مؤلفه ومتنه (أي المادة العلمية) وتقديمه إلى المطبعة إذ وجدت من أجل نشره، ليطلع عليه عامة الناس، ويسمى هنا علم تحقيق الوثائق أو المخطوط (الدبلوماتيك) وعند تحقيق مخطوط قديم مثلا يجب على المحقق في بداية الأمر أن يسعى إلى معرفة نسخه العديدة التي تكون مبعثرة في مكتبات العالم أو مخزونة في دور الكتب! 

أما تحقيق المخطوط فإن هدفه الأول تقديم المادة ونشر المخطوط صحيحا، كما وصفه المؤلف أو العالم المكلف من دون شرح، ويقتضي عمل التحقيق ما يلي:

- التحقيق والتحقق من صحة المؤلف واسمه ونسبته إلى صاحبه.

- إذا كانت النسخة (أصلية) فإنها تثبت كما هي.

- إذا كان المؤلف قد نقل نصوصا من مصادر ذكرها، فتعرض هذه النصوص على أصولها، ويشار في الحاشية بإيجاز إلى ما فيها من زيادة أو نقصان.

- قد يخطئ المؤلف في كتابة لفظ أو اسم، فيستطيع المحقق تصحيح الخطأ في الحاشية.

* مهنة الورّاقين والنسّاخين:

الوراقون هم النسّاخون لأنهم أعانوا المؤلفين على نسخ مؤلفاتهم أولا بأول، فكانوا بمثابة مطابع يدونون لهم المئات أو الألوف من المخطوطات نظير أجر معلوم، ومن ثم أصبحت مهنة النسخ مجزية لهم ومربحة، وخاصة إذا كان الناسخ ذا موهبة في حسن الخط والرسم والزخرفة، وقد يتكرر نسخ المخطوط الواحد من ناسخ إلى أكثر ويطلق على الوراقين هذا الاسم؛ لأن صناعتهم تخص الأوراق فهم ذوو قيمة جليلة لنقل المخطوطات الإسلامية التي يراد لها الظهور والإشهار، وهناك ورّاقون مشهورون كعمرو بن بحر الجاحظ وغيره مثل أبي حيان التوحيدي، وكذلك ياقوت الحموي، وابن النديم المصري ويحيى بن عدي وأبي سعيد السيرافي وغيرهم.

* بعض مصطلحات التحقيق:

1- المخطوط: كما جاء في المعجم الوسيط وسبق ذكره، هو الكتاب المدون باليد وليس بالمطبعة، وقام بعمله الوراقون العاملون. 

2- المطبوع: كلمة تقابل المسجل والكتاب المنسوخ. 

3- التراث: هو ما خلفه السلف من آثار علمية وفنية وأدبية ما يعتبر نفيسًا بالنسبة إلى تقاليد العصر الحاضر وروحه.

4- النص: هو الكلمات التي يتألف منها الأثر المخطوط وهو المتن.

5- المتن: هو الجزء الرئيسي من المخطوط ويكون مستقلا عن شروحه، وهو أشبه بتعليقات المحقق. 

6- الحواشي: هي الكلمات الخارجة عن نصوص المخطوط، وليست منها، والموضوعة في الهوامش للكتاب في الجهة العليا أو السفلى، أو اليمنى أو اليسرى، وتتضمن التعليقات والشروحات. 

7- الشروح: هي الكلمات الشارحة للنص الرئيسي، وليست منه وقد توضع في هوامش الكتاب المستقل أحيانا، وقد يكتبها المؤلف، وأحيانا غيره. 

8- الضبط: أصلح خلله وصححه وشكّله، بينما كان له معنى عند القدامى كالشريف الجرجانى، وهو ضبط الكتاب كما في اللغة. 

9- التحرير: مرادف للضبط، والتأكد من صحته وجودة خطه وتصفية كدره وخلوصه كما ذكر العالم أبو بكر الصولي. 

10- مقابلة النسخ: عملية قراءة النسخ من أجل ضبط النصوص.

11- العرض على الأصل والتأكد من صحته وتصحيحه.

12- التاريخ: يكتب عادةً في آخر المخطوط وفي تقييم النسخة واعتبارها أصلًا. 

13- السند: سلسلة الرجال الذين قرئ عليهم المخطوط إلى المؤلف وله أهمية في توثيق نسبة الكتاب إلى مؤلفه وقد يكونون من الأئمة الحفاظ وتكتب أسماؤهم عادةً في أول الكتاب.

14- السماعات: إذا قرأ تلميذ على شيخه في مجلس واحد، وذلك إذا كان الكتاب صغيرًا، وضع الشيخ في آخر الكتاب (السماع) بحضور جماعة من الأعيان بعد كتابة اسمه، ووضع توقيعه والله الموفق إلى سواء السبيل.

* تاريخ صناعة الورق:

في العهد العباسي الأول، وفي زمن أبي جعفر المنصور من 136هـ - 158هـ (754م -775م) باني حاضرة بغداد- دار السلام ولقبه العامة بأبي الدوانيق لحرصه وبخله الشديد، ومفردها الدينق وهي القطعة الصغيرة من العملة آنذاك، وكان الناس يأتون بالورق من مدينة سمرقند فيما وراء النهر شرقا إلى الجزيرة العربية والشام والعراق ومصر الكنانة على ظهور الإبل في القوافل، وكانت سمرقند قد أخذت الصناعة من جارتها الصين؛ لأن الصينيين هم أساس صناعته في العالم. 

وكانت الحضارة الفكرية قد نمت متدرجة منذ أواخر العهد الأموي، وبلغت زخمها في عهد الخليفة العباسي عبدالله المأمون، ومن بعده أخوه المعتصم، وكانت مرتبطة بصناعة الورق في بغداد، وانتقلت صناعة الورق إلى بغداد إثر انتقال الأسرى الصينيين في عهد الخليفة هارون الرشيد 170هـ -193هـ (786م - 809م) فتعلم العرب منهم تكوين عجينة الورق من نباتات جافة وخرق بالية بمعدات بسيطة غير معقدة وفرت للأسرى حينذاك في دار الخلافة، وبذلك استطاع المسلمون إنشاء أول معمل في عام (177هـ -793 م) لتصنيع الورق. 

وكانت الصناعة للورق المسطح على هيئة كتاب وكانت تلف الجلود المكتوبة عليها لفافات ما أدى إلى النهضة العلمية في مختلف العلوم وكثرت دكاكين الوراقة وازداد عدد الورّاقين وبجوارهم مكتبات صغيرة للبيع، وازدهرت المكتبات التي تحتوى على مئات المخطوطات والمصنفات، وجدد المسلمون من عجينة الورق وحسنوها لإنتاج أفضل الأوراق.

* انتقال الصناعة الورقية:

بعد تحسين المادة الورقية باستخدام مواد أفضل مما كان يستخدمها الصينيون، انتقلت صناعة الورق إلى مصر ودمشق والقيروان ومراكش وطليطلة وقرطبة بالأندلس التي أنشئ فيها معمل آخر في عام 545 هـ - 1150 م ثم تبعتها بعد ذلك مدينة شاطبة وبلنسية في إسبانيا.

[الهوامش: الفهرست: أبوالفرج ابن النديم المصري، المخطوطات العربية مصر دار الثقافة: السيد سيد النشار عام 1997م، المخطوطات العربية فهرستها علميًا وعمليًا: الأستاذ فضل جميل كليب والأستاذ خليل عبيد والأستاذ فؤاد محمد، دار جرير عمان 2005م، المخطوطات والنصوص ودراستها: الأستاذ هادى نهر، دار الأمل عمان 2005 م].

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news