العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (40)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٣١ ٢٠١٨ - 11:22

المرحلة المصرية (20):

جهاد الشيخ في ميدان الأدب واللغة.

قد انتهينا في الحلقة السابقة من الحديث عن جهاد الشيخ في ميدان العلم والفكر بذكر أهم المعارك التي خاضها في هذا الميدان، ولم نأت عليها كلها؛ لأن هذا الأمر يطول على القارئ، وخاصة قارئ الصحيفة السيارة التي يتصفحها في وقت قصير لقلة صبره على قراءة المطولات. واليوم ندخل إلى ميدان جديد كان للشيخ فيه صولات وجولات مع أناس يشار إليهم بالبنان، ذلك الميدان هو ميدان الأدب واللغة، لكنني أود – قبل أن أدخل إلى هذا الميدان – أن أذكر ما قاله الأستاذ محمد مواعدة في كتابه (محمد الخضر حسين – حياته وآثاره)، وهو يتحدث عن الشيخ الأديب حيث يقول: كان الرجل – كما تشهد بذلك آثاره، كاتبًا وشاعرًا ولغويًا. أما فن الكتابة فإنه كان يميل إلى ما يسمى بالنثر العلمي ويجيد فيه، وخاصة في بسط التاريخ وتحليل أمجاد المسلمين، وإحيائها وتناول الموضوعات الاجتماعية والدينية والعقلية، وكان أسلوبه جزلاً وتعبيراته متينة متأثرًا بالأدباء القدامى ومناهجهم في التعبير، كان يميل إلى السجع، وخاصة في السنوات الأولى من نشاطه العلمي والأدبي، ثم تدرج بعد ذلك إلى السهولة واتباع التسلسل المنطقي في تناول المعاني بعيدًا عن الأساليب والتعبيرات الصعبة حتى يفهمه القراء ويتقبلوا آراءه من دون أن يؤدى به ذلك إلى السخف والابتذال.

وقد أعجب بأسلوبه النثري كل من طالع مقالاته ودرس آثاره، ومنهم الشيخ محمد الفاضل بن عاشور مفتي تونس – رحمه الله – حيث وصفه بأنه «كاتب بليغ ذو طابع خاص وأسلوب قوي فصيح العبارة بليغ التركيب ينزع إلى طرائق كُتَّاب التّرسُّل الأولين من أهل العصر العباسي وقد بلغ قمة الإجادة الفنية في نثره».

ثم يختم الأستاذ مواعدة ذلك بقوله: وخلاصة القول: إن الرجل أديب جاد في أغلب ما كتبه من نثر، وما قاله من شعر، ولغوي معتدل، ونحوي محافظ اهتم بالأدب وتذوقه منذ نشأته، وتعمق في العلوم اللغوية حتى يتمكن من فهم نصوص الشريعة، ويكون قادرًا على استنباط الأحكام والاجتهاد فيها عند الحاجة. ولا يمنعنا الاستشهاد بقول الأستاذ مواعدة من القول بأننا نختلف معه في بعض ما جاء في كتابه وليس هنا تفصيل ذلك.

ولنبدأ بأول من واجههم الشيخ، وهو الدكتور طه حسين الذي أجلب على الأدب بخيله ورجله المستشرقين والمستغربين فألف كتابا بعنوان: «في الشعر الجاهلي» ملأ فيه حوصلته من كتب المستشرقين، ثم رفع رأسه متطاولاً على الشرقيين تطاول من لا يخشى افتضاح أمره وانكشاف سره.

فما كان من الشيخ الجليل إلا أن هبّ هبّة المجاهد الصادق الغيور فألف كتابًا رد فيه على البهتان الذي ملأ به طه حسين كتابه، وجعل عنوان ذلك الكتاب «نقض كتاب في الشعر الجاهلي».

وجاء رد الإمام كبحر زاخر ومرجع أصيل من أهم المراجع لدراسة الأدب الجاهلي، وقد ارتفع إلى مكانة مرموقة عند شداة الأدب والباحثين عنه وطلبة العلم حتى قال في شأنه العلامة التونسي الشيخ محمد الفاضل بن عاشور إن الدكتور طه حسين أسر إليه في أحد لقاءاته معه قائلا: «إن رد الشيخ محمد الخضر من أهم الردود وأشدها حجة».

كيف ظهر كتاب في الشعر الجاهلي وما ترتب على ذلك؟

كان الدكتور طه حسين قد ألقى محاضرات في الشعر الجاهلي على طلبة كلية الآداب بجامعة القاهرة، وتم جمع هذه المحاضرات في كتاب يقع في مائة وثلاثة وثمانين صفحة وجعل عنوانه «في الشعر الجاهلي» وقد ظهر هذا الكتاب في عام 1342 هـ الموافق عام 1926م، حيث تم طبعه في مطبعة دار الكتب المصرية.

استفز هذا الكتاب الرأي العام الإسلامي وثار عليه العلماء والأدباء في مختلف الأقطار الإسلامية فتناولوه بالنقد والرد والتفنيد، بل إن فريقًا منهم قدم عدة بلاغات إلى النيابة العمومية ضد مؤلف الكتاب.

ودارت مناقشات حادة ومعارك عنيفة بين الأنصار والخصوم انتهت بفصل طه حسين من الجامعة، ونقله إلى التفتيش بديوان عام وزارة المعارف، ومصادرة الكتاب.

ولا بد أن نتعرض إلى بعض ما جاء في مقدمة كتاب الإمام لتتضح لنا دوافعه وأهدافه – رحمه الله – من تأليف ذلك الكتاب.

يقول –رحمه الله -: أنشأ أولو الأحلام الراجحة من الزعماء والكتاب، يأخذون بما يظهر من جديد صالح، ولا ينكثون أيديهم من قديم نافع، فاستطاعوا بهذه الحكمة والروية أن يسلكوا قلوب الأمة في وحدة، ويخطوا بها إلى حياة العلم والحرية والاستقلال.

نظر إلى هذه النهضة الزاكية من لا يرغبون في تقدم هذه الأمم إلى خلاصها ولو خطوة، وعرفوا أن بأيدي هذه الأمم كتابًا فيه نظم اجتماعية وآيات تأخذ في شرط إيمانهم ألا يلينوا لسلطة شأنها أن تسوسهم على غير أصوله، فما كان من هؤلاء القوم الذين يستحلون إرهاق الأمم، إلا أن يبتغوا الوسيلة إلى فتنة القلوب وصرفها عن احترام ذلك الكتاب والغاية هي تقويض بناء هذه الوحدة السائرة بنا إلى حياة سامية وعز لا يبلى. (ماذا كان سيقول -رحمه الله- لو أن الله أمد في عمره حتى سمع رئيس تونس يقترح تقنين المساواة في الميراث بين الذكر والأنثى).

فسقت طائفة عن آدب الإسلام وأرهفت أقلامها لتعمل على هذه الخطة الخاذلة، غير مبالية بسخط الأمة ولا متحرجة مما سينطق به التاريخ من وضع يدها في يد خفية، لا شأن لها إلا نصب المكايد لأمة كان لها العزم النافذ والكلمة العليا.

تلهج هذه الطائفة باسم حرية الفكر، وهي لا تقصد إلا هذا الفن الذي اكبت عليه صباحها ومساءها، وهو النيل من هداية الإسلام والغض من رجال جاهدوا في سبيله بحجة وعزم وإقدام. ويكفي شاهدا على رياء هؤلاء الرهط، أنهم يقيمون مآتم يندبون فيها حرية الفكر ثم ينصرفون ويقولون فيما يكتبون للحكومة أن ترهق الشعب وترغمه على ما تراه أمرا لائقا. ولو سبق ظنك إلى أن مؤلف كتاب «في الشعر الجاهلي» هو عينهم الناظرة أو سهمهم الذي يرمون به في مقاتل أمتهم الغافلة لخليت بينك وبين هذا الظن، إذ ليس لي على هذه الظنون الغالبة من سبيل.

فالقلم الذي يناقش كتاب «في الشعر الجاهلي» إنما يطأ موطئا يغيظ طائفة احتفلت بهذا الكتاب أو حسبته الطعنة القاضية على الإسلام وفضل العرب.

«ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا» (الأحزاب/ 25)

ثم يقول الشيخ عن كتابه:

«هذا طرز من نقد كتاب «في الشعر الجاهلي» طريف سيألفه الناس لهذا العهد، وسيألفه أبناء الأجيال القابلة من بعد، وأكاد أثق بأن الدكتور طه حسين سيلقاه ساخطًا عليه، وبأن فريقا من أشياعه سَيَزْوَرُّنَ عنه ازورارا، لكنني على الرغم من سخط ذاك وازورار هؤلاء – أريد أن أذيع هذا النقد، فرض الحقيقة خير من رضا الناكب عنها وإقبال مريدها أجل من إقبال المظاهر عليها.

وقع تحت نظري هذا الكتاب، وكنت على خبرة من حذق مؤلفه في فن التهكم – ولو بالقمر إذا اتسق – والتشكيك – ولو في مطلع الشمس الضاربة بأشعتها في كل واد – فأخذت أقرأه بنظر يزيح القشر عن لبابه، وينفذ من صريح اللفظ إلى لحن خطابه، وما نفضت يدي من مطالعة فصوله. حتى رأيتها شديدة الحاجة إلى قلم ينبه على علّاتها ويرد كل بضاعة على مستحقيها، وما هو إلا أن ندبت القلم لقضاء هذا المأرب وسداد هذا العوز، فلم يتعاص عليَّ.

وقد ارتأيت ألاَّ أنقد فقرة أو فقرات إلا بعد أن أنقلها بحروفها، وأحكيها كما صدرت من منشئها، وإن كان موضع البحث يتوقف على جمل سلفت ولم نتعرض لمناقشتها، أتينا بها في تلخيص ضابط للمعنى الذي لا يتهيأ فهم المناقشة إلا به، حتى يكون كتابنا هذا قائمًا بنفسه ويستقيم للقارئ أن يدخل إلى البحث وهو على استبانة من أمره.

يحتوي الكتاب المعروض للنقد على ثلاثة كتب، ويحتوي كل كتاب على طائفة من الفصول، وقد أبقينا كتبه وفصوله على نسقها فنضع الكتاب والفصل بموضعه، ثم نأخذ في فحص ما يدخل تحت عنوانه من فقرات.

وإننا لا نغمض لذلك الكتاب في مقال ينهبه، أو غمز في الإسلام يستعذبه، فإذا وجدتنا نحاوره في نهب أو غمز، فإننا لم نخرج عن دائرة نقده، ولم نتجاوز حد الباحث عن مقتضيات لفظه، فإذا كان في فمك ملام، فَمُجَّهُ في سمعه، فهو الذي ألقى على سمعك نحوا من حديث قوم لا يتدبرون.

ونقول: يقع رد الإمام على كتاب الدكتور طه حسين في كتاب جعل عنوانه: «نقض كتاب في الشعر الجاهلي» وقد بلغت صفحاته أربعمائة وخمسين صفحة!!. وقد أضاف العالم الجليل الأستاذ علي الرضا ابن شقيق الإمام إلى الكتاب ملحقًا بأسماء الأماكن والأعلام الذين ورد ذكرهم في ثنايا الكتاب وقد بلغت صفحات هذا الملحق خمسين صفحة وبهذا يصبح مجموع صفحات الكتاب خمسمائة صفحة كما أسدى الأستاذ علي خدمة أخرى للكتاب، وهي وضع عناوين فرعية للبحوث التي تناولها تسهيلا على القارئ إذا رغب في الرجوع إلى بحث معين.

ومن الوفاء بشيء من حق الأستاذ الجليل علي الرضا أن نقول: إنه حمل -وحده- على كاهله عبء جمع وتحقيق ومراجعة الأعمال الكاملة لعمه الإمام محمد الخضر حسين على مدى أربعين سنة!! حتى رأت النور وتمت طباعتها كاملة بعد أن كنا نلهث!! لنحصل على واحد منها فجزاه الله خير الجزاء وجعل ذلك في صحائف حسناته يوم يقوم الأشهاد.

والكتاب يعتبر بحق من أهم المراجع لدراسة الشعر الجاهلي، ونظرًا إلى كبر حجمه فإننا سنختار منه ما يهم القراء عامة، أما ما يهم الأدباء خاصة، فليرجع إليه من يرغب فيه منهم.

(وإلى حلقة قادمة بإذن الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news