العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا!! (1)

بقلم: د. علي أبو هاشم 

الجمعة ٣١ ٢٠١٨ - 11:21

خلق الله الإنسان وفضله على سائر خلقه، وسخر له كل ما في السماوات والأرض، وأسبغ عليه النعم ظاهرة وباطنة، واستخلفه في الأرض يعمرها، وجعل سبحانه لخلق الإنسان حكمة عظيمة وغاية شريفة ومهمة يجب عليه ألا يغفل عنها، وأن يقوم بها على أتم وجه، إنها الغاية التي حددها المولى عز وجل، والتي نطق بها القرآن الكريم. يقول تعالى: «وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ما أُريد منهم من رزق وما أُريد أن يُطعمون إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين». الذاريات: 56-58. فلم يخلق الله تعالى الإنسان عبثًا، ولم يتركه هملا، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا. يقول تعالى: «أفحسبتم أنما خلقناكم عبثًا وأنكم إلينا لا تُرجعون. فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم». المؤمنون: 115-116. إنها الحكمة التي من أجلها خلق الله الخلق جميعا، فكل من في السماوات والأرض يُسبح بعظمته، ويُقر بتوحيده سبحانه وربوبيته، يقول تعالى: «إن كل من في السماوات والأرض إلا آتي الرحمن عبدا لقد أحصاهم وعدهم عدا وكلهم آتيه يوم القيامة فردا». مريم: 93-95. فأوجب الله تعالى على الإنسان الواجبات، أولها وأعظمها توحيد الله وعبادته كما أمر الله تعالى على لسان رسله، وبما أوحى إليهم من الشرائع والعبادات، كما حذر سبحانه من الكفر والشرك واتباع الشيطان. يقول تعالى: «ولقد بعثنا في كل أُمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين». النحل:36. إن دعوة الناس إلى توحيد الله وعبادته وحده، جوهر رسالات الأنبياء جميعا من لدن آدم (عليه السلام) إلى سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم) خاتم الأنبياء والمرسلين. فكان أول ما يبلغه كل رسول ونبي إلى قومه أن يوحدوا الله ويعبدوه. يقول تعالى: «لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم». الأعراف: 59. ذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: وبقي في قومه (المقصود به نوح عليه السلام) يدعوهم ألف سنة إلا خمسين عاما، كما أخبر التنزيل، ثم عاش بعد الطوفان ستين سنة، حتى كثر الناس وفشوا. وروى ابن كثير في التفسير عن عبدالله بن عباس( رضي الله عنهما)، وغير واحد من علماء التفسير: وكان أول ما عُبدت الأصنام، أن قومًا صالحين ماتوا، فبنى قومهم عليهم مساجد وصوروا صور أولئك فيها، ليتذكروا حالهم وعبادتهم، ويتشبهوا بهم، فلما طال الزمان، جعلوا تلك الصور أجسادًا على تلك الصور. فلما تمادى الزمان عبدوا تلك الأصنام وسموها بأسماء أولئك الصالحين (ودًا وسواعًا ويَغُوث وَيَعُوق ونسرًا) فلما تفاقم الأمر بعث الله، سبحانه وتعالى، وله الحمد والمنة، رسوله نوحا يأمرهم بعبادة الله وحده لا شريك له، وكذلك بعث الله عبده ورسوله هود إلى قومه عاد، وكانوا قوما جبّارين أشداء زادهم الله بسطة في الجسم والقوة، فعتوا عن أمر ربهم وكفروا به، وتمادوا في الطغيان والضلال فأرسل إليهم رسولا منهم. يقول تعالى: «وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ». الأعراف: 65. قال ابن كثير في تفسيره  وهؤلاء هم عاد الأولى، الذين ذكرهم الله تعالى في قوله: «وأنه أهلك عادا الأولى وثمود فما أبقى». النجم: 50-51. وهم أولاد عاد بن إرم الذين كانوا يأوون إلى العَمَد في البر، كما قال تعالى: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ. إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ. الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلادِ». الفجر:6-8؛ وذلك لشدة بأسهم وقوتهم، كما قال تعالى: «فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ». فصلت:15. وقد كانت مساكنهم في اليمن بالأحقاف، وهي جبال الرمل. فأرسل الله هودا إلى قومه آمرا لهم بعبادة الله وحده لا شريك له، ناهيا لهم عن عبادة الأوثان التي افتروها واختلقوا لها أسماء الآلهة، وأخبرهم أنه لا يريد منهم أجرا على هذا النصح والبلاغ من الله، إنما يبغي ثوابه على ذلك وأجره من الله الذي خلقه وكلفه بالرسالة إليهم. إن الإنسان في مسار حياته ينحرف عن فطرته التي فطره الله عليها، فيعبد غير الله، ويجعل مع الله إلها آخر، ومن رحمة الله تعالى بالإنسان في كل زمان ومكان أن أرسل إليه الرسل ليهدوه إلى طريق الحق.. إلى توحيد الله والبعد عن الشرك بشتى صوره وأنواعه، لتحرك فيهم الفطرة النقية فطرة التوحيد، فمن آمن واتبع الحق فقد اهتدى ونجا، ومن أعرض فقد ضل وهلك وغوى. وما ربك بظلام للعبيد. أخرج ابن حبان في صحيحه عن مطرف بن عبدالله عن عياض بن حمار قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال:« إن الله جل وعلا أمرني أن أعلمكم مما علمني يومي هذا وإنه قال لي: إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، وإن كل ما أنحلت عبادي فهو لهم حلال، وإن الشياطين أتتهم فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم الذي أحللت لهم وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا، وإن الله أتى أهل الأرض قبل أن يبعثني فمقتهم عربهم وعجمهم إلا بقايا من أهل الكتاب، وإنه قال لي: قد أنزلت كتابا لا يغسله الماء فاقرأه نائما ويقظان وإن الله أمرني أن أخبر قريشا وإني قلت: أي رب إذن يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة وإنه قال لي: استخرجهم كما استخرجوك، واغزهم يستغزوك، وأنفق ننفق عليك وابعث جيشا نبعث خمسة أمثاله، وقاتل بمن أطاعك من عصاك». قال شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news