العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

الاسلامي

ويـــــل لــلــمــصــلــيـــــن!!!

الجمعة ٣١ ٢٠١٨ - 11:16

قيل لابن عباس كيف أصبت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول، وقلب عقول، فإذا أردنا إسدال ثوب الحداثة على هذه الحكمة فإننا نقول إنه : بالبحث والتقصي والقراءة والاستقراء والاستنباط يتخلق العقل الفاحص؛ لأنه عقل مكتسب يتشكل بالتراكم وعدم الركون إلى الكبسولات المعرفية، وعدم الاكتفاء بالثقافة الشفهية والسماعية إلا كمرحلة ثانوية وهامشية، ولا وجه للمقارنة بين ما نمتلكه الآن، وبين ما كان متوافرًا لابن عباس (رضي الله عنه)، الانفجار المعرفي لصالحنا، والثورة التكنولوجية لخدمتنا، لكن تخلينا طواعية عن اللسان السؤول والعقل الشغول الذي أشار إليه سيدي ابن عباس، وعلى هذه القاعدة  فإننا نؤسس هذا المقال مستندين إلى قاعدة عدم التعضية في قراءة القرآن؛ أي عدم إغفال الوحدة العضوية في الكتاب الكريم للموضوع الواحد.

عتبة الموضوع تتمثل في التفرقة بين الصلاة وإقامة الصلاة حتى نُزيل الغشاوة عن الإيحاء الذي ينبجس من العنوان، فالصلاة لغويًا لها أكثر من مدلول وهذا يُحتم علينا النظر إلى كيفية تناول الكتاب الحكيم لهذه المدلولات؛ لنخلص إلى الفرق الذي ننشده، وبالرجوع إلى أُمهات الكتب اللغوية وجدنا أن معنى «صلّى» يحكمه السياق القرآني، فمعجم المعاني الجامع يُشير إلى أن معنى «صلّى»؛ أي أداء الصلاة، والمعنى الثاني الدعاء وأضاف لسان العرب لها معنى الاستغفار، وهذا يحتم علينا لِزامًا التفريق بين المصلين ومُقيمي الصلاة من خلال الاستعمال القرآني، وألا نعتمد على غيره أبدًا.

«لا صدّق ولا صلّى ولكن كذب وتولى» (31) القيامة،  كلمة التكذيب في هذه الآية قابلت التصديق، والتولي والإعراض قابلت الصلة مع الله وقطع الصلة مع الله بعدم الالتزام بالصراط المستقيم الذي أوصى به الله، وهذه من شيمة المجرمين؛ أي أنهم قطعوا صلتهم بالله نكرانًا، وولوا ظهورهم لتعاليمه، وليس لشعائره كالصلاة الشعائرية ركوعًا وسجودًا فقط، وهذا ما يميزهم عن المسلمين مصداقًا لقوله تعالى وقوله الحق: «في جنات يتساءلون عن المجرمين ما سلككم في سقر، قالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وكنا نخوض مع الخائضين وكنا نكذب بيوم الدين حتى أتانا اليقين»40 المدثر، وما بعدها، حيث إن الصلاة لم تُفرض بعد، وكلمة (المجرمون) جاءت من الفعل جرم بمعنى القطع، وأول القطع التكذيب بيوم الدين وكل الأسباب التي ساقها المجرمون ليست من الشعائر، بينما المسلمون الذين يُشيّدون علاقتهم مع الله بالدعاء والالتزام بتعاليمه الأخلاقية، علاوة على أداء الشعائر وعلى رأسها إقامة الصلاة، وكذلك قوله تعالى: «قد أفلح من تزكى، وذكر اسم ربه فصلى»؛ أي أدام صلته بالله من خلال الدعاء، ولمزيد من الأدلة نورد قوله سبحانه: «إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليمًا»، فالصلاة من الله هي الرحمة والثناء ومن الملائكة الاستغفار ومن الناس الدعاء، بمعنى نوع آخر من العلاقة بين العبد وربه غير السجود والركوع المتعارف عليه، فهذه لها مواقع أخرى كثيرة في الكتاب الكريم.

تأتي كلمة صلّى من الوصل الذي يتوسله المسلم بالقيم التي حثنا الله عليها؛ لنيل رضاه ومحورها الأساسي، والأول هو الإنسان محط اهتمام وعناية رب الناس، متزامنة مع الصلاة بهيئتها المعروفة، ولو تناولنا سورة الماعون بكاملها- بحسب قاعدة ابن عباس آنفة الذكر- لوجدنا أنها سورة مباركة تخلو من الشعائر «أرأيت الذي يكذب بالدين* فذلك الذي يدع اليتيم* ولا يحض على طعام المسكين* فويل للمصلين* الذين هم عن صلاتهم ساهون* الذين هم يراءون* ويمنعون الماعون» وحدة الموضوع في هذه السورة الكريمة تتحدث عن المواضيع التي تعتبر جسورا لبناء صلة مع الله على رأسها التصديق، ثم كل ما يلي التصديق في السورة يحض على فضائل إن اتبعناها حسُنت صِلاتنا بالله تعالى وتلك أسمى غاية ينشدها العاقل، لكن هذا يستوجب بالضرورة استباق الأمر بالصلاة الخاصة بين العاقل وربه المُجسدة في الركوع والسجود، وكل ما يلزم الصلاة الصحيحة من شروط وأركان، والقرآن يعج بالدلالة على هذا الذي قصدناه.

«الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة» البقرة (3 )، ثم البقرة (43)  «وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين»، وفي النساء(43) «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى»، النساء(103) «فإذا اطمأننتم فأقيموا الصلاة»، المائدة (6) «يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم»، الأنفال (3) «الذين يقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون». من العسير المُضي في إيراد الأمثلة القرآنية على معنى الصلاة بمعناها الطقسي الشعائري بسبب ضيق الحيز للمقال، لكن هناك ملاحظات نوجزها باختصار حيث يجب ملاحظة الفعل أقام ومشتقاته مع الصلاة الشعائرية، ثم إن هناك نوعا من التكامل العجيب في أرقى حالاته لإيجاد مسلم سوي من خلال فهم العلاقة العضوية بين الصلاة الطقسية والصِلة بين المسلم، وربه المُتضمنة بالفعل «صلّى» من خلال المنهج الأخلاقي القيمي القويم الذي جاء به القرآن للناس كافة، ولا يختلف ولا ينبغي أن يختلف عليه اثنان على وجه الكرة الأرضية حاضرها ومستقبلها، وهذا مخبوء في فاتحة الكتاب «اهدنا الصراط المستقيم» بالدلالات تتكامل المعاني وتنتج مسلما يرفل بالطمأنينة التي لا تعدلها نعمة، وعليه فإن مُقيمي الصلاة يجب حتمًا أن يكونوا من المصلين في كل لحظات حياتهم بمعنى متصلين مع ربهم قيميًا وأخلاقيًا، وهذا خيره ونفعه عام لكل من يدب على الأرض، بهذه الرؤية التي نزعم ولا نجزم بها يكون المسلم واصلاً وليس متوليًا كما هو الحال عند المجرمين كما وصفهم القرآن العظيم بقوله في سورة القلم «أفنجعل المسلمين كالمجرمين، ما لكم كيف تحكمون» ويعضدها بالآية 28 من سورة ص «أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار» وأخيرًا نرجو وهل لنا إلا الرجاء في أن نلحظ موضوع الآيات السابقة لنقبض على التقابل بين المسلمين من جهة والمجرمين والفجار من جهة أُخرى من حيث العمل الصالح عند فريق موصول بالله والعمل الطالح والفجور عند فريق منبت الصلة بالله طوعًا منه لا كرها، وإن كان لنا استنتاج أخير في هذا المضمار فإننا نقول بناء على ما سبق إنه من الضروري وجوبًا أن يكون مقيمو الصلاة من المصلين وليس العكس فليس كل مصلٍ- ذي صلة حسنة وسلوك طيب – مقيما للصلاة. 

هناك قراءة اجتهادية للمُفكر الحاج حمد في الآية 238 من سورة البقرة والتي نصها «حافظوا على الصلوات والصلاة والوسطى وقوموا لله قانتين» الصلوات بحسب اجتهاده – ونسأل الله له الأجر على اجتهاده هذا- هي الصلوات الخمس المفروضة على المسلمين أما الصلاة الوسطى فهي لا تعني عنده صلاة العصر كما درج عليه المفسرون، بل ذهب إلى أنها تعني سلوك المسلم الذي ينبغي عليه أن يسلكه بين كل صلاتين، أي الصِلة «السلوك» بين الفجر والظهر، وما بين الظهر والعصر، ذلك مجال خصب رحب للإنسان ليعمق صِلته بربه من خلال القيم التي أوصانا بها الله، وهذا يلتقي بالدلالة مع قوله تعالى في العنكبوت «إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر» وكذلك الحديث الشريف الذي رواه ابن مسعود الذي به نختم هذا المقال «من لم تنهه صلاته عن الفحشاء والمنكر فلا صلاة له»، والسؤال.. أين وقت ومكان الفحشاء والمنكر إذا لم تكن بين الصلوات الخمس؟ لأنه لا فحشاء ولا منكر أثناء أداء الصلاة ولا في مكان أدائها «المسجد».

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news