العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

مصر وخيار التضامن العربي

على مدى عقود طويلة من الزمن شكلت مصر الحاضنة الرئيسية لمحطيها العربي، والإفريقي أيضا، ولعبت مصر دورا قياديا ورياديا في العديد من المجالات والميادين، وقدمت بإمكاناتها وقدراتها الكبيرة خدمات جليلة ومتنوعة لأشقائها العرب وكانت في طليعة المدافعين عن القضايا العربية المختلفة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، ولم يكن التزام مصر بالقضية الفلسطينية يختلف عن التزامها بالدفاع عن مصالح الدول العربية الأخرى إذا كان هناك أي تهديد لهذه المصالح، وقد تجلى ذلك في موقف مصر الصارم من ادعاءات الرئيس العراقي الراحل عبدالكريم قاسم بتبعية دولة الكويت للعراق وتكرر الموقف نفسه وبالدرجة ذاتها من ادعاءات شاه إيران محمد رضا بهلوي بالنسبة إلى البحرين، فاستمرت مصر أمينة لهذه المواقف رغم كل المنعطفات التي واجهت العلاقات العربية العربية، وخاصة بعد توقيع اتفاقية «كامب ديفيد» بين مصر و«إسرائيل» في عام 1979 إثر زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات القدس المحتلة.

في هذا السياق وفي هذا الالتزام واحترام مصر لعلاقاتها من شقيقاتها العربيات، سارت واستمرت العلاقات المصرية البحرينية في خط تصاعدي مستمر، حيث تعتبر العلاقات البحرينية المصرية أنموذجا لعلاقات الأشقاء مع بعضهم البعض، فمصر لم تغادر قلوب البحرينيين على الإطلاق مثلما هو قلب مصر كبير لاحتضان جميع الأشقاء العرب، لهذا فإن أي خطر أو تهديد تتعرض له مصر سرعان ما تجد الدعم والمساندة من جانب مختلف الأشقاء العرب، ليس على صعيد الحكومات فحسب، بل على الصعيد الشعبي أيضا، بغض النظر عن أي إشكالات أو مواقف سياسية ناجمة عن التطورات الأخيرة التي شهدتها مصر بعد أحداث ما سمي بـــ«الربيع العربي».

في هذا الأسبوع تستقبل البحرين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في زيارة رسمية لبلده الثاني، وهي بالمناسبة، ليست أول زيارة لرئيس مصري إلى البحرين، ولن تكون الأخيرة بكل تأكيد، لكن الأهم في هذه الزيارة أنها تأتي في ظروف غير طبيعية تمر بها المنطقة العربية، وخاصة بعد الأحداث التي شهدها أكثر من بلد عربي، بدءا من عام 2011، وأدت إلى انفلات الإرهاب من عقاله وانتشاره في الكثير من البلاد العربية، كما أدى إلى تدمير دول بأكملها تقريبا كما هو الحال في سوريا وليبيا.

فالعلاقات البحرينية المصرية ظلت على مدى العقود الماضية تسير في خط تصاعدي ميزتها الثقة المتبادلة بين الجانبين والدعم الذي حظيت به من جانب القيادات السياسية نظرًا إلى ما لهذه العلاقات واستقرارها وتطورها من مردود إيجابي على جميع الأصعدة وما يعزز من أواصرها خدمة لمصالح البلدين والشعبين الشقيقين، ومصر تعرف وتدرك جيدا مدى المكانة التي تحظى بها في الأوساط البحرينية، الرسمية منها والأهلية، ولسنا هنا بحاجة لتعداد مواقف أبناء البحرين تجاه مصر للتأكيد على هذه الحقيقة، فالتاريخ نفسه يتحدث عن ذلك، وهي معروفة لأبناء مصر أيضا.

الدول العربية جميعها بحاجة لأن تبني علاقاتها مع بعضها البعض على قاعدة المصالح القومية العريضة التي من المؤكد أنها سوف تصب في صالح الدول العربية كلها، صحيح هناك مصالح وطنية يجب عدم إغفالها، بل الاهتمام بها بالدرجة الأولى، لكن هذه المصالح الوطنية تبقى ناقصة الفائدة والمردود إذا لم تكن مرتبطة بالمصالح القومية العربية، وعلينا هنا أن نشير بكل وضوح إلى أن المتربصين بهذا البلد العربي أو ذاك، يتربصون بالأمة العربية من محيطها إلى خليجها العربي، وأن تدمير أي دولة عربية أو الإضرار بها، من شأنه أن ينعكس على الدول العربية الأخرى وإن كان ذلك بدرجات متفاوتة، كما هو الحال مثلا مع أحداث العراق وسوريا وليبيا إذ لم تسلم الدول العربية من ارتدادات الأحداث التي تشهدها هذه الدول.

العلاقات العربية العربية في العقود الأخيرة شهدت فتورا غير مسبوق، بل وصلت علاقات بعض الدول مع الأخرى إلى حد العداء، وهذا بالضبط ما يريده أعداء الدول والشعوب العربية، لأن مثل هذه العلاقات غير الطبيعية تصب في صالح أطراف أخرى ولا تخدم بأي حال من الأحوال المصالح العربية، لهذا فإن الواجب الوطني والقومي أيضا يحتم على الدول العربية أن تلتفت إلى علاقاتها مع بعضها البعض وتعمل على إصلاح الخلل الذي أصابها، وخاصة بعد أحداث ما يعرف بـــ«الربيع العربي»، الذي لم تستفد منه الدول العربية أي شيء بل على العكس، فإن الدول التي شهدت أحداثه دفعت أثمانًا كبيرة جراء ذلك.

الدول العربية تستطيع أن تعيد إلى البيت العربي رونقه الجميل وأن تضع المصالح العربية العليا في أوليات اهتماماتها نظرًا إلى ما لهذه المصالح من روابط عضوية مع المصالح الوطنية، ولا يمكن فصلها عن بعضها البعض، وإن تم هذا الفصل فإنه سيكون حتميا على حساب مصالح الجميع، لهذا نقول: ليس هناك خيار، إذا أردنا مستقبلا زاهرا لدولنا وشعوبنا، سوى خيار لم الشمل العربي وإعادة الروح إلى العمل العربي المشترك في جميع الميادين، فمصالح شعوبنا ودولنا يجب أن تتقدم مصالح أي طرف آخر، فليس هناك من حريص على مصالحنا الوطنية والقومية أكثر من الدول والشعوب العربية نفسها، أما الأطراف الأخرى، بمن فيهم أولئك الذين يقدمون أنفسهم على أنهم أصدقاء مخلصون لنا، فإن هذه الأطراف تهمها بالدرجة الأولى مصالحها من دون غيرها.

نعيد ونقول: كما كانت مصر رائدة التضامن العربي وقائدته في فترة من الفترات، فإنها تقدر الآن أن تعود إلى ممارسة هذا الدور، فهي تملك جميع الإمكانات التي تؤهلها لذلك، وهي كما كانت وجهة العرب ونقطة جذبهم، ستبقى كذلك رغم كل الصعاب والمؤامرات التي تحاك لإعاقة هذا الدور.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news