العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٤ - الثلاثاء ١٣ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٥ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

منطقتنا مسارح لإدارة مصالح الآخرين

أثبتت نتائج الأحداث الكبيرة التي شهدتها المنطقة العربية، من محيطها إلى خليجها العربي، أن مصالح شعوبنا كانت هي وقود هذه الأحداث وأن أكثر الدول تضررا منها كانت الدول العربية حتى وإن لم تكن هي طرف فيها، وإنما استخدمت وتستخدم جسورا من جانب الأطراف المتصارعة على تثبيت وحماية مصالحها، والهدف من وراء ذلك هو الوصول أولا إلى تحقيق أهدافها التي ليس لدولنا وشعوبنا العربية فيها «ناقة ولا جمل»، كما يقول المثل، وثانيها هو شل قدرة دولنا وشعوبنا على حماية مصالحها والدفاع عنها، فالأطراف الخارجية التي تتصارع على المصالح إنما تتعامل مع شعوبنا ودولنا على أنها أدوات ومصالح لتدوير وتسيير هذا الصراع، حدث ذلك إبان الحرب العراقية الإيرانية التي استمرت زهاء ثماني سنوات من دون أن تقدم خدمة واحدة لأي من شعبي البلدين، ويحدث الآن في سوريا وليبيا، كما حدث من قبل أيضا في العراق.

فشعوبنا ودولنا دفعت أثمانا كبيرة لصراع مصالح الآخرين واتخاذهم من بلداننا مسارح لإدارة هذه الصراعات، بل وتصفية الحسابات أحيانا، لكن ذلك إنما تم وتحقق لعدة أسباب، منها ما هو ذاتي يتمثل في تشرذم الموقف العربي وغياب عرى التضامن بين الدول والشعوب العربية، الأمر الذي أضعف الجسد العربي وجعله فريسة سهلة لتلك الأطراف الخارجية، وآخر موضوعي أساسه سعي هذه الدول للاستفادة من الأوضاع العربية الهشة لتحقيق مصالحها وأهدافها ومن دون تعريض هذه الأهداف والمصالح لأي خطر، بل إن الكثير منها ينجز بأدوات ودماء عربية أيضا، وهذه معضلة خطرة تواجه الدول العربية ما لم تستدرك دولنا ذلك وتسعى لتعديل وتصحيح هذا الخلل الخطير.

سمو رئيس الوزراء الأمير خليفة بن سلمان شخّص هذا الخلل في تصريح أدلى به لوفد مؤسسة الأهرام المصرية في وقت سابق من هذا العام عندما قال: «إن ترابطنا هو الوسيلة لدفع ما لحق ببعض دولنا العربية من أذى، ولا وزن لأي هدف عربي ما لم يقترن بوحدة الموقف»، محذرا من «خطورة التهاون في صد ما تتعرض له الدول العربية من محاولات التخريب وإشغالها عن دورها الأساسي في تنمية شعوبها»، فهناك فعلا حاجة ماسة إلى أن تعي الدول العربية هذا الوضع الخطير، لأن مسيرة تخريب دولنا وأوضاع شعوبنا لم ولن تتوقف طالما بقي الطريق سالكا أمام القوى الطامعة.

الدول والشعوب العربية باتت جسورا لتمرير الأزمات والصراعات بين القوى الإقليمية والدولية، بل إن هذه القوى إذا ما تصارعت على مصالح ما أو أرادت تصفية حساباتها ومعاقبة بعضها بعضا، فإن ثمن ذلك، أو أحيانا جزءا منه، عادة ما يكون عربيا، فالمنطقة الآن على صفيح تطورات خطيرة تنتظرها وهي لم تخرج بعد من الأزمات والحروب الداخلية التي تعاني منها على مدى ما يقرب من سبع سنوات، وأن بعضها لم يستيقظ حتى الآن من السبات الذي دخلته منذ أحداث ما يسمى «الربيع العربي»، والذي دفعت أثمانه الباهظة الدول والشعوب العربية من دون غيرها، فيما صبت مكاسبه في خزائن القوى الإقليمية والدولية ذات المصلحة في إشعال وإغراق المنطقة بالمزيد من المشاكل.

عندما يقول سمو رئيس الوزراء إنه «لا وزن لأي هدف عربي ما لم يقترن بوحدة الموقف»، فهو يدرك، بحكم خبرته ومعايشته للأحداث الكبرى التي تعرضت لها المنطقة العربية، وفي المقدمة منها منطقة الخليج العربي، أن تشتت الموقف العربي إزاء تلك الأحداث أسهم في إشعالها واستمرارها وانتقالها من مكان إلى آخر، وشجع القوى الأخرى على تأجيجها، الأمر الذي أسهم في تفاقم الخسائر والأضرار التي لحقت بشعوب المنطقة ودولها، فهذه مسألة في غاية الأهمية يجب النظر إليها من منطلق تعارضها مع مصالح شعوبنا ودولنا، فالأحداث الجسام التي أصابت المنطقة العربية، بل ومنطقة الخليج أكثر من غيرها صبت نتائجها كلها لصالح قوى وأطراف إقليمية ودولية فيما كانت شعوبنا ودولنا هي الأطراف الدافعة لأثمانها.

فما تعرضت له المنطقة من أحداث، وما تبيته بعض القوى الإقليمية والدولية من نوايا، كلها كفيلة بفتح أعيننا جيدا على هذه الألاعيب والنوايا الخبيثة، فما دفعته دولنا وشعوبنا من ثرواتها الطبيعية جراء ما أصاب المنطقة من أحداث، كفيل بدفع عجلة التنمية الاقتصادية إلى الأمام بدلا من تعطيلها، وشل العديد من قطاعاتها، فهذه القطاعات باتت شبه معدومة الحركة في العديد من الدول العربية، وخاصة تلك التي تعرضت مباشرة للتخريب المتعمد مثل العراق وسوريا وليبيا، حيث استنزفت مواردها الطبيعية ودمرت بناها التحتية تدميرا شبه كامل وجاءت جميع نتائج ذلك على حساب مصالح شعوبها.

فليس من مصلحة أي من شعوبنا ودولنا استمرار الأوضاع غير المستقرة؛ لأن من شأن ذلك أن ينعكس سلبا على مصالحنا بالدرجة الأولى، وأن القوى التي تبيت النوايا الخسيسة لمنطقتنا لن تخسر شيئا، بل على العكس من ذلك، فإن ما يصب في خدمة مصالحها من جميع النواحي هو ما يجعل دولنا رهينة حسابات ومصالح تلك القوى والأطراف الإقليمية والدولية، فإن ما حل بشعوبنا ودولنا من كوارث كبيرة وخطيرة، كانت كلها كفيلة بأن تجعل الجميع يعيد قراءة الأوضاع التي تمر بها المنطقة من منطلق ما إذا كانت هذه الأوضاع تصب في صالحنا أم إنها تضر بهذه المصالح، فإذا كانت الأطراف الإقليمية والدولية تتخذ من منطقتنا مسارح لخدمة مصالحها وإدارة صراعاتها، فإن واجبنا الوطني والقومي يفرض علينا منع ذلك عبر تنسيق المواقف وتعضيد الشراكة والتضامن العربي في صوره المختلفة، باعتبار هذا التضامن صمام الأمان في وجه محاولات تلك الأطراف ويسد في وجههم أي ثغرة ينفذون منها إلى شعوبنا ودولنا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news