العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

الاسلامي

التهجد الفكري

الجمعة ٢٤ ٢٠١٨ - 10:16

«مُذاكرة ليلة خير عندي من إحيائها» «ابن عباس»، وقيلت بصيغة أُخرى لا تخرج عن الدلالة التي نبتغيها من المقولة، حيث ورد أنه( رضي الله عنه) قال: طلب العلم ساعة خير من قيام الليل. «ولن نتيه في سابلة الصحة من عدمها، وغاية ما نصرف جُل اهتمامنا إليه هو طلب العلم،خدمةً للدين وأهله، هذا الفعل المُتعدي بخيره ليشمل أُمة محمد عليه الصلاة والسلام، بينما قيام الليل كنافلة لا يتعدى في خيره الإنسان نفسه، ومن هنا نستشف الأبعاد والمرامي التي رنا إليها حبر الأُمة عليه رضوان الله تعالى. وهدفي متمحور هنا حول القرآن العظيم، دراسةً وقراءةً وفهمًا لا تلاوةً وترتيلاً، فحسب، وذلك حتى ننجو من سطوة الآية الكريمة من سورة الفرقان (30) « وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا «ولهذا قصدت التمييز بين التلاوة والقراءة الواعية، وما تجدر الإشارة إليه أن كلمة قومي تعني أصحاب اللسان العربي، وبهذا تكون الحجة علينا بالغة، إن لم نحاول درءها ولو باستقطاع بعض من الوقت لفقه القرآن، وهذا لن يتأتى لنا بالمطلق- لكن ما لا يدرك كله لا يترك جله- متطلعين إلى النجاة المترتبة على عدم هجر القرآن.

دواعي كتابة هذا المقال بزغت من التفكر في انطلاقة الوحي عند سيدنا موسى عليه السلام، وانطلاقته عند خاتم المرسلين عليه أفضل الصلاة والتسليم، تكليم الله لموسى، وتأييده بمعجزات حسية «تسع آيات بينات»، ومؤازرته كهبة من الله، وتفضله عليه بأخيه هارون نبيا «ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا» والهبة، بحسب اللسان العربي، لا تكون إلا بطلب وهذا ما يميزها عن الهدية التي لا تُطلب، وتكون ابتداءً من طرف لآخر، وكلتا اللفظتين وردتا في الكتاب الكريم، ومثال الأخيرة هدية بلقيس إلى سيدنا سليمان، وبإمكان القارئ الكريم تقصي الهبة والهدية من مظانها بين دفتي المصحف ليقف على الفرق، فكل ما أُوتيه موسى لم يؤت لسيدنا محمد، والتعويض كان حصرًا بالقرآن الكريم، وكفى به تعويضا، وانطلاقة مرحلة الوعي والتفكير والتجريد تأسيسًا على «اقرأ»، وإنني لأستشعر عِظم هذه المسؤولية على كاهل أتباع سيد المرسلين.

الافتتاحية لا بد لها من دلالات، ومن أهم تلك الدلالات إعجاز القرآن العظيم، وتعاليه على الزمان والمكان، فهو مُشرع منذ نزوله على قلب النبي الكريم حتى يومنا، وإلى أن تقوم الساعة، والأجيال تتقلب عليه فحصًا وتفكرًا ونهلاً منه دون أن تُقضى عجائبه، لهذا جاءت الافتتاحية بصيغة الأمر، القراءة وليس التجويد، ولا التلاوة هي السبيل الوحيد للاقتباس من نوره وليس الإحاطة به، قراءة بالعقل وليست بالعين، وهي بهذا المعنى مُجهِدة وشاقة، ولعل اللسان العربي يُعيننا على مكمن الجهد والمشقة، من خلال «لعلهم يتفكرون»، فالتاء في «يتفكرون هي تاء الجُهد، ولعل سائلا يسأل لِمَ المشقة؟ والجواب المباشر؛ لأنه كتاب يمتاز بثبات النص وحركية المحتوى، وعلى امتداد الزمن حتى لحظة «يا ويلنا من بعثنا من مرقدنا...» والواقع لخير دليل على ما سبق من القول، فكل من تدبر القرآن ونظر فيه منذ العصر الأول حتى لحظة كتابة هذا المقال نهل من نفس النص، لكن انظروا إلى المخرجات المُتباينة لكل منهم، وهذا دليل قطعي وعملي وواقعي على الحركية التي يتمتع بها القرآن العظيم.

«ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء»، والباء في «بما» تعني الاستعانة، وهذا يقودنا إلى الوسائل التي شاء الله لنا أن نحيط، من خلالها، بقبس من علمه المطلق، وهي منثورة ومكرورة في أغلب السور الكريمة متمثلة في السمع والبصر والفؤاد، «إن السمع والبصر والفؤاد كل أُولئك كان عنه مسؤولا»، وقد أشرنا إلى ثِقل المهمة وجلال المسؤولية في مطلع المقال، ومسؤولية الشكر على هذه النِعم التي هي مفاتيح العلم بمكنونات الكتاب»، وجعل لكم «السمع والأبصار والأفئدة» والسمع والبصر خوادم للفؤاد الذي به يُدرك المشخص ليرتقي إلى التحليل والتركيب، فيرتقي إلى مرحلة اتخاذ القرار وإطلاق الأحكام بواسطة أعلى طبقات الإدراك، وهي العقل، وهذا الذي أطلق عليه الكتاب الكريم مصطلح القلب، والقلب في لساننا العربي يعني أشرف الشيء وخالصه، ونورد هنا مثالاً دقيقًا «لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها»، «فطَبع على قلوبهم فهم لا يفقهون» فإذا لم يكن الفقه في العقول فأين يكون؟ ومن المتعارف عليه طبيًا وعُرفًا أن من يفقد أيًا من السمع، أو البصر، أو الفؤاد، أو القلب «العقل» فإنه يُصنف ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة.

فكتاب بهذه الدقة- لعمري- أنه يحتاج إلى عصف ذهني، واستقراء آياته، وضرورة الربط بين الآيات التي تحمل نفس الموضوع وتدبرها، حتى لا نقع في فخ التعضية -التي تعني قسمة ما لا يُقسم - وحذرنا القرآن من هذا النهج بقوله تعالى في سورة الحجر «الذين جعلوا القرآن عضين»، والأجدر أن نتعامل مع وحدة الموضوع في القرآن الكريم، ولا أدلّ على ذلك من وجوب التفريق بين الآيات المحكمات وتفصيل الآيات، والمتشابهات منها، وكبحًا للاستطراد نورد مثالا على المُحكم، حيث وردت بإيجاز شديد جدًا «قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا وبالوالدين إحسانا...» 151الأنعام، وفي سياق بيان المحرمات، ولكن تفصيل هذا المحرم جاء في مواضع متفرقة من القرآن، فلا أقل من النظر إليها كوحدة واحدة ليسهل الفهم، ومن الآيات التي فصلت في هذه الآية قوله تعالى: «وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أوف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما» الإسراء، فما جاء بالأنعام مُحكم فصلته الإسراء، فمن هنا جاءت أهمية عدم التعضية، والتعامل مع الموضوع الواحد كوحدة واحدة، ولا يتأتى هذا إلا للعقل الباحث المُتقصي للآيات ذات الموضوع الواحد والحديث يطول في هذا المضمار، لكن لا بد من التعرض إلى قاعدة السياق الحاكم على المعنى، ذلك أن كثيرا من المفردات القرآنية تحمل أكثر من معنى، فحاجتنا إلى السياق ليست ترفًا فكريًا، فالمتحدث لا يقصد إفهام السامع أو القارئ المفردات، بل النُظم والسياقات، وأستميح أخي القارئ بمثالين لتعدد معاني الكلمة الواحدة في كتابنا الكريم، ومثالي الأول هو: كلمة «القضاء» من قضى، والتي بجهدي القاصر وقعت على أربعة معان لها في المعجم، فالقضاء تعني الإخبار؛ أي نفاد الأجل، والقضاء بين الخصوم، واتخاذ قرار، والثاني: كلمة «أذن» التي تعتبر من أفعال الاشتراك لسِعة حمولتها المعرفية والدلالية فهي تعني استمع، ومرة ثانية تؤدي معنى الإعلام، ومرة ثالثة «الإباحة»، ورابعة الإعلان بصوت مرتفع، وكلها لها شواهد قرآنية، وسطوة جغرافية المقال تمنع من إيراد تلك الشواهد.

هكذا فإن كتابنا يحتاج إلى بذل الجُهد للولوج إلى عمق النص، والخروج بمغانم من الدلالات المعرفية المخبوءة فيه، والمغنم المعنوي والطمأنينة المتزامنة، مع الفخر بمعجزة نبينا التي فاقت بناء سفينة نوح وحية موسى التي تسعى ، وموتى عيسى؛ لأن جميع المعجزات السابقة على القرآن وقتية شُوهدت وانتهت، أما كتابنا الكريم فإن معجزته حتى تُشرق الشمس من المغرب، فهلا أدركنا الآن دقة ما قاله ابن عباس في مُستهل المقال.

عاطف الصبيحي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news