العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٩ - الأحد ١٨ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

بالشمع الاحمر

د. محـمـــــد مـبــــارك

mubarak_bh@yahoo.com

سر قضية الشهادات!

صدر أمر عن صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء حفظه الله ورعاه إلى وزارة التربية والتعليم ومجلس التعليم العالي ولجان الاعتماد الأكاديمي التابعة له للتحقق مما أثير بشأن وجود شهادات علمية مزورة أو وهمية. البعض راح يعترض بجهل على هذا الأمر الصادر، مطالبًا بما أسماه تشكيل «لجنة محايدة» أو «جهة حيادية» للتدقيق في هذا الموضوع، غير أن ما قد لا يعلمه الكثيرون هو أن لجان المعادلة والاعتماد في وزارة التربية والتعليم تضم في تشكيلتها أعضاء عن هيئة جودة التعليم والتدريب ووزارة الصحة وغيرها من الجهات، وليس لوزير التربية والتعليم أي صلاحية في تغيير توصيات هذه اللجان، وفق القانون. وقد سبق أن طالبت جامعات محلية خاصة مجلس التعليم العالي بانتداب ما أسمته «جهات محايدة» لتقييم برامجها الأكاديمية في أعقاب صدور تقارير عن هيئة جودة التعليم والتدريب صنفت برامج هذه الجامعات بأنها «غير جديرة بالثقة»، إلا أن مجلس التعليم العالي رفض ذلك، وأكد أنه يعتد بتقارير هيئة جودة التعليم والتدريب في تقييم البرامج الجامعية.

لكن حتى نكون أكثر وضوحًا، وخصوصًا أن الكل حتى من لا يفقه بات يتحدث في موضوع الشهادات العلمية، فإن أساس الزوبعة التي أثيرت حول موضوع الشهادات هو رفض وزارة التربية والتعليم معادلة عدد من الشهادات الطبية التي جاء أصحابها بها من بعض الجامعات في الصين، سواء من الدارسين على نفقتهم الخاصة أو نفقة جهات تكفلهم، من دون أخذ موافقة وزارة التربية والتعليم على ذلك، وأطلقوا على أنفسهم مسمى أطباء، مخالفين جميع التنبيهات والتعاميم الصادرة عن وزارة التربية والتعليم بضرورة مراجعة الوزارة والمكاتب المخصصة فيها للتأكد من سلامة شهادات هذه الجامعات قبل التسجيل للدراسة فيها. ولأن التوظيف في القطاع الحكومي يتطلب قطعًا معادلة الشهادة العلمية، فلم يجد أصحاب هذه الشهادات مفرًّا من التوجه إلى وزارة التربية والتعليم طلبًا لمعادلة شهاداتهم، حيث تبين حينها بعد التدقيق أن برامج الشهادات التي أتوا بها لم تكن تعادل حتى سنتين من نفس البرنامج الطبي في جامعات أخرى معترف بها مثل جامعة الخليج العربي، فضلاً عن أن هذه الجامعات التي رفضت وزارة التربية والتعليم الاعتراف بشهاداتها، لا تقدم نفس القدر العلمي والأكاديمي من البرامج في التخصصات التي تقدمها للمواطن في تلك الدولة، بل تقدم برامج معدلة ومهجنة ومتساهلة، طمعًا في استقطاب المزيد من الطلبة من الخارج.

وقد سعى أصحاب هذه الشهادات إلى ممارسة ضغوط على وزارة التربية والتعليم لإرغامها على القبول بشهاداتهم، ولجأوا إلى أكثر من جهة سعيًا لذلك، وحينما لم تفلح جميع تلك المحاولات، بدأ موضوع الشهادات المزورة أو الوهمية الذي يتهم الوزارة بالتقصير، بينما تم إبراز موضوع الشهادات الصينية وسط هذه الزوبعة على أنها شهادات سليمة وأن وزارة التربية والتعليم قد رفضت معادلتها. وتم في بداية هذه الحملة تداول أسماء عدد من الأشخاص الذين أتوا بشهادات من جامعات على مواقع الإنترنت أو ذات أنظمة تعليمية ضعيفة، وغير معتد بها في الدول التي أتت منها هذه الشهادات، وهي أيضًا شهادات لا تختلف من حيث النتيجة النهائية للتدقيق عليها عن الشهادات الصادرة عن بعض الجامعات في الصين، غير أن الفرق هنا هو أن أصحاب الشهادات الممنوحة من بعض الجامعات الصينية اضطروا إلى التوجه إلى وزارة التربية والتعليم لمعادلة شهاداتهم حتى يضمنوا الحصول على وظيفة في القطاع الطبي، وحينها انكشف أمر هذه الشهادات، وأعلنت عنه الجهات المختصة في وزارة التربية والتعليم بشكل واضح، أما الشهادات الأخرى التي حصل عليها أصحابها من جامعات لا تتجاوز غالبًا مواقع الإنترنت، فإنهم بالطبع لم يتوجهوا إلى وزارة التربية والتعليم طلبًا للمعادلة لأنهم أساسًا لم يكونوا باحثين عن عمل في القطاع الحكومي، بل يعملون في مؤسسات في القطاع الخاص على مختلف مشاربها، ولو كانوا قد سلكوا نفس مسلك الطلبة الذين جاؤوا بشهادات من بعض الجامعات الصينية لكانت النتيجة المحتومة هي رفض معادلة شهاداتهم أيضًا. ورغم إثارة وجود عدد من حملة هذه الشهادات في القطاع الحكومي، وهي في الأغلب شهادات «ماجستير»، فإن المنطق يقول هنا فقط -إن صح ما تمت إثارته- إن هؤلاء الأشخاص لم يعينوا أساسًا في مواقعهم على أساس هذه الشهادات وإنما على أساس شهادات البكالوريوس التي لا يمكن إلا أن تكون معادلة في حال كانوا بحرينيين، أو مصادقا عليها من جهة الإعارة الخارجية إن كانوا غير ذلك، وأن هؤلاء الأشخاص لم يقدموا أوراقهم أساسًا إلى الجهات الحكومية على أنهم حملة ماجستير أو دكتوراه، بينما أدرجوا شهادات الماجستير أو الدكتوراه -الوهمية إن صح التعبير- في سيرهم الذاتية الخاصة بهم على مواقع الإنترنت، وكل هذا فقط على افتراض صحة ما تمت إثارته. لكن السؤال الآن: هل القرار الصائب هو إحالة جميع هذه الحالات إلى النيابة العامة؟ سواء شهادات بعض الجامعات الصينية أو شهادات مواقع الإنترنت أو حتى غيرهم ممن تم رفض معادلة شهاداتهم؟ هذا أمر لا يملك القرار فيه سوى مجلس التعليم العالي ولجانه المختصة في هذا الشأن. 

وفي جميع الأحوال، أظن أن هذه الشهادات محط الحديث هذه الأيام، والتي يبدو واضحًا أن أغلب من يحملونها هم من العاملين في القطاع الخاص، وبرغبة تامة من أرباب عملهم، ورغم أنهم لم يتقدموا قط إلى وزارة التربية والتعليم طلبًا للمعادلة، سوف يكون مصير شهاداتهم هو رفض المعادلة وعدم الاعتراف، شأنهم في ذلك شأن حاملي الشهادات القادمة من بعض الجامعات الصينية، وشأن الكثيرين ممن تم رفض معادلة شهاداتهم لدى وزارة التربية والتعليم لوجود خلل في بنيتها الأكاديمية.

لقد صدر قرار صاحب السمو الملكي الأمير خليفة بن سلمان آل خليفة رئيس الوزراء حفظه الله ورعاه بتشكيل لجنة الاعتماد الأكاديمي التابعة لمجلس التعليم العالي، وبناء عليه، من المؤمل أن تقوم هذه اللجنة بالتعاون مع جميع الجهات ذات الصلة بتنفيذ أمر سمو الرئيس، والتدقيق في الحالات المثارة، متمنيًا -على المستوى الشخصي- أن تضع اللجنة نظامًا يشمل التدقيق حتى في شهادات من يعملون في الجهات الأهلية والجمعيات السياسية والنشطاء على اختلاف نشاطاتهم، والذين يظهرون إعلاميًّا أو مجتمعيًّا بمسميات علمية (دكتور، محامي، مهندس)، وحتى رجال الدين الذين يقدمون خطبًا ودروسًا ومواعظ في دور العبادة على اختلاف أنواعها، للتحقق من سلامة مؤهلاتهم العلمية، حتى وإن لم يتقدموا بطلب المعادلة. 

إقرأ أيضا لـ"د. محـمـــــد مـبــــارك"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news