العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

العمالة الوافدة ظاهرة عالمية

ليست هناك دولة واحدة في العالم لا توجد بها أيدٍ عاملة وافدة تعمل في عديد من قطاعات الإنتاج المختلفة، كما أن الكثير من دول العالم، بما فيها الدول المتقدمة إلى جانب الدول النامية، تعمل على استقطاب الأيدي العاملة المدربة والمؤهلة للاستفادة من إمكانياتها ومن خبراتها في إحداث التنمية الاقتصادية والصناعية التي تنشدها هذه الدول، فتنقُّل الأيدي العاملة بمختلف درجاتها ومؤهلاتها العلمية والمهنية بات سمة عالمية وإن تفاوتت حركة العمالة ونوعيتها بين بلد وآخر، فالأمر كله يتعلق بالأوضاع الاقتصادية وبالإمكانيات المادية ومدى توافر مقومات الإغراء لهذه العمالة، أي توافر فرص العمل المختلفة، والتي تأتي عادة من وراء النمو الاقتصادي، وهذا ما يحدث مثلا مع دول الخليج التي تمتاز بوفرة مالية وبتدفقات استثمارية تفتح الأبواب وتوفر الفرص أمام هذه العمالة. 

سيكون من الصعب، إن لم يكن من المستحيل، على أي من الدول التحدث عن إمكانية الاستغناء عن الاستعانة بأعداد من هذه العمالة للعمل في أي من الحقول الانتاجية، الصناعية منها أو الزراعية وغيرها من قطاعات الإنتاج المختلفة، ثم إن توافد العمالة إلى الدول للعمل فيها لا يعتبر في حد ذاته مشكلة، أو حدثا غير مألوف، وبالتالي يجب ألا ينظر إلى ذلك -أي وجود العمالة الوافدة- على أنه تهديد للتركيبة الاجتماعية والسكانية لهذا المجتمع أو ذاك، بشرط أن تكون هناك ضوابط وقوانين صريحة وصارمة تحول دون تحول هذه العمالة إلى خطر اجتماعي.

فالعولمة الاقتصادية حولت العالم بأسره إلى ما يشبه السوق الواحدة المفتوحة أمام تدفق مختلف السلع، بما فيها قوة العمل، كونها سلعة يتم تداولها في مختلف الأسواق ولها قيمتها النقدية (المادية) كأي منتج آخر، كل هذه المستجدات التي رافقت التطور الاقتصادي وما يحمله من قفزات تقنية نوعية في مختلف الميادين أزالت الكثير من العوائق أمام تدفق وتنقل العمالة (قوة العمل) بين مختلف دول العالم، أضف إلى ذلك فإن هذه التطورات الاقتصادية الهائلة التي حققتها أعداد كبيرة من دول العالم، وبدرجات متفاوتة، جعلت الكثير من الأسواق بحاجة إلى مزيد من الأيدي العاملة.

هذه سمة عالمية لا يمكن الالتفاف عليها أو تجاهلها، بل لا يمكن لأي دولة من الدول، أيا كان مستوى تطورها الاقتصادي والعلمي، النأي بنفسها عنها، فالهند، وهي من الدول التي لديها عماله فائضة تزيد على احتياجاتها الفعلية، وكذلك الصين التي لديها القدرة على سد احتياجات مختلف قطاعاتها الانتاجية من الأيدي العاملة الوطنية المدربة أيضا، فإن البلدين، ورغم قدرتهما على تحقيق الاكتفاء الذاتي من العمالة، فإنهما في نفس الوقت تستعينان برأس المال البشري العالي القيمة، أي أن لدى بعضا من مؤسساتهما الانتاجية ومراكزهما البحثية والعلمية وغيرها من المرافق العديد من الخبرات والكوادر الأجنبية ذات الكفاءة المميزة.

هذه الظاهرة العالمية لا يمكن تغييرها أو وقفها، ومن الطبيعي أن تكون لها سلبيات، كما أن لها إيجابيات أيضا، بل إن إيجابياتها تفوق بنسبة كبيرة ما يترتب على انتشارها من سلبيات، وخاصة في بعض المجتمعات التي بدأت بالفعل تعاني من ارتفاع نسبة العمالة الوافدة مقارنة بالسكان المحليين، كما هو الحال في عديد من دول مجلس التعاون التي تعد أكثر دول العالم -تقريبا- استقبالا للعمالة الأجنبية الوافدة وفي مختلف مجالات العمل، وأهمها الأعمال اليدوية البسيطة، وهي المهن التي هجرها أبناء دول مجلس التعاون بعد الطفرة النفطية الكبيرة في سبعينيات القرن الماضي. 

فارتفاع نسبة الوافدين مقارنة بالسكان المواطنين في هذه البلدان، يعد واحدة من السلبيات الخطرة لهذه الظاهرة والتي يمكن أن يترتب عليها آثار سلبية على الحياة الاجتماعية والثقافية، ناهيك عن الاقتصادية أيضا، في العديد من دول مجلس التعاون، فبلداننا تعد، ربما، الوحيدة في العالم التي تواجه هذا الخلل السكاني، الذي مع استمراره وعدم الانتباه إلى مخاطرة والعمل على تصحيحيه يمكن أن يتحول إلى أحد الأمراض الاجتماعية المزمنة والتي يصعب معالجتها في مراحلها المتقدمة.

فالعمالة الوافدة في عديد من دول مجلس التعاون الخليجي، إن لم يكن في جميع هذه الدول، باتت تتغلغل في جميع مرافق العمل والانتاج، بل إنها أصبحت في السنوات الأخيرة لا تواجه أي منافسة على مهن معينة كان ابناء هذه الدول يمتهنونها في الماضي، وللأمانة والإنصاف فإن العمالة الوافدة ليست مسؤولة عن حدوث ذلك، فهي تأتي إلى دولنا بحثا عن الرزق المشروع وهي لم تنتزع هذه المهن نزعا من أبناء دول التعاون، وإنما لأن هؤلاء تخلوا عنها بمحض إرادتهم ولأسباب كثيرة، منها ضعف العائد وكذلك التطور التعليمي والعلمي الذي ناله أبناء دول المجلس وحصولهم على تخصصات علمية مختلفة.

من سلبيات الظاهرة العالمية لتدفق العمالة الوافدة إلى دول مجلس التعاون أنها لا تكمن فقط في استحواذها على المهن ذات المردود المادي المنخفض، وإنما بدأت تزحف نحو وظائف أخرى بإمكان أبناء دول المجلس شغلها.. رغم كل هذه السلبيات، نقول إن هذه الظاهرة سوف تستمر، والمطلوب فقط استيعابها استيعابا قانونيا يتماشى مع مختلف المعاهدات والاتفاقيات الدولية، وفي المقدمة منها احترام حقوق هذه العمالة وعدم تعريضها لأي انتهاك تحت أي حجة أو سبب كان، فهناك قوانين وإجراءات يجب تطبيقها على المخالف بعيدا عن الانجرار وراء عاطفة تعميم الخطأ أو الجريمة على أبناء هذه الجالية الوافدة أو تلك، فالجريمة أو الخطأ يبقى شخصيا والعقوبة كذلك.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news