العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

في الصميم

لــطفـــــــي نصــــــــــر

إلى أين نحن ذاهبون؟!!

تحدثت كثيرا متألمًا عن زمن مجالس الوزراء والمحافظين والتي أصبحت في ذمة الماضي.. وقد كان زمنا قريبا.. ضمر هذا الزمن واختفى فجأة تاركا الألم والحسرات على أيام زمان الحلوة الجميلة.. ومنذ فرضوا علينا هذا الغلق من دون أي استفتاء أو استطلاع رأي أصحاب الحق في هذه المجالس والحفاظ عليها وأقصد الشعب بأكمله.. وأنا أبحث في: لماذا ألغوها وأغلقوها وجعلونا نتحسر عليها وعلى زمانها؟!

بصراحةٍ لم أجد سببا أو مبررا لإلغاء هذه المجالس أو تغليقها سوى أنهم قد حوَّلوا مباني الوزارات وأجهزة الدولة والمحافظات إلى مباني «سجون وتوقيف» وأجهزة مخابرات.. إلى درجة أن الإنسان منا أصبح ينظر إلى هذه المباني وكأنها من الخارج مجرد كتل إسمنتية صمّاء من دون أبواب أو نوافذ أو أي مداخل، والتي كانت متعددة أيام زمان.. كلها حوائط إسمنتية صماء.. وبلا روح يمكن الإحساس بها أو التعايش معها كما كان يحدث من قبل!!

لذا؛ أجد أنه مع الوزراء والمحافظين الحقَّ في إلغاء مجالسهم.. فأجدهم للمرة الأولى في حياتهم صادقين مع أنفسهم.. فلا يجتمع النقيضان.. ولا يُستساغ أن يجتمعا مع بعضهما بعضا.. أقصد أنه لا يستقيم فتح مجلس الوزير أو المحافظ بينما بناء وزارته أو محافظته بأكملها مجرد كتل خرسانية صماء.. حتى الهواء غير مسموح له بدخولها والاقتراب منها!!

الحقيقة أن ما جعلني أتطرق إلى هذه القضية المأساوية هو هذا المقال الذي نشره في «أخبار الخليج» مؤخرا الأستاذ حسن علي النصف وكيل وزارة التجارة والزراعة الأسبق، وهو الذي كتبه بمداد حسرته وألمه على ما يحدث هذه الأيام وعلى ما كان يحدث أيام زمان.. عندما كانت كل أبواب الوزارات والأجهزة الحكومية مشّرعة على مصاريعها أمام الناس جميعا وخاصة المراجعين من الجمهور والمراجعين وأصحاب المصلحة الحقيقية في إنشاء هذه الوزارات والهيئات.

لقد أغلقت مباني جميع الوزارات بلا استثناء «بالضبة والمفتاح» وبالأقفال.. وأقفالهم في هذا الزمان والحمد لله إلكترونية متطورة.. وهذه الأقفال مسلّمة لبعض المسؤولين والموظفين في صورة «بطاقات» من دون البعض الآخر!

المصيبةُ أن الموظف أو المسؤول يحمل البطاقة التي تضمن له سلوك الطريق القويم إلى مكتبه فقط.. وليس بوسعه أن يصل إلى طريق قسم أو إدارة أخرى أو مسؤول آخر في الوزارة.. وأصبح كل قسم أو كل إدارة «سجنًا» منغلقًا على نفسه وعلى مسؤوليه وموظفيه من دون إمكانية الوصول إلى الأقسام والإدارات الأخرى.. فلقد أصبحت الوزارات بكل إداراتها وأقسامها لا تدخلها نسمة هواء طبيعية واحدة.. فما بالك بالجمهور المسكين المغلوب على أمره، فقد أصبح من باب المستحيلات أن يصل المواطن إلى وزير أو أي مسؤول بالحكومة.. والخيبةُ الكبيرةُ أن هذه الظاهرة انتقلت مؤخرا إلى شركات ومؤسسات القطاع الخاص.. كما أن الشركات المتخصصة في تصنيع وتوفير أقفال الوزارات وكاميرات التصوير الفوقية المخبأة التي تصور «دبة النملة» في مباني الوزارات والقطاع الخاص قد أصبحت من أكبر الشركات عددا وأرباحا طائلة.. وكأن ما وصلت إليه الأحوال في الوزارات ومباني الوزارات والهيئات هو الهدف.. وليذهب هدف خدمة المواطنين والانفتاح عليهم وقضاء مصالحهم إلى الجحيم!!

وتطبيقا للمثل القائل «صانع السم لا بد أن يتجرعه في يوم من الأيام» يحدثنا السيد حسن النصف عن المدير الذي فقد «مفتاح القفل»!! أي البطاقة الإلكترونية، وهو الذي تعود على أن يبقى في مكتبه حتى ساعة متأخرة بعد انتهاء الدوام.. فعندما أراد الخروج وجد نفسه محبوسا لا يستطيع الانفكاك أو الخروج من سجنه.. ولم يتمكن من الخروج من مكتبه والعودة إلى بيته إلا بعد أن استعان بأحد زملائه الذي أتى وقام بعملية الإنقاذ له!

نحن الآن في زمن يتحول فيه مسؤولو الوزارات والهيئات والموظفون إلى جيل معتل تحاصره الأسقام.. فلنا أن نتصور ماذا يمكن أن يحدث على المدى الطويل لأناس يغلقون أبوابهم ونوافذهم على أنفسهم.. أناس محرومون حتى من التقاء المواطنين والمراجعين وفتح أبوابهم أمامهم والتحاور معهم في مشاكلهم وآلامهم وأوجاعهم.. وحل مشاكلهم على الطبيعة.. بعيدًا عن الغرق في مزالق الأجهزة الإلكترونية.. كما أنه أصبح محرمًا على المواطنين والمراجعين أن يلتقوا وزيرا أو مسؤولا!!

سمو رئيس الوزراء لا يتوقف عن توجيه الوزراء والمسؤولين بأن يلتقوا المواطنين والجمهور ميدانيا وعلى الطبيعة ويفتحوا أمامهم أبوابهم.. فلا الوزراء والمسؤولون يستجيبون، ولا حتى يفتحوا أبوابهم ومكاتبهم ومجالسهم أمام المراجعين والمواطنين والمقيمين!!.. فإلى أين الوصول وماذا سيحدث في المجتمع يا ترى؟!!

أقول للزملاء في الاجتماعات الصباحية.. عليكم أن تكونوا موجودين في مكاتب الوزراء والمسؤولين منذ الصباح كما كنا نفعل في الماضي لتحصلوا على الأخبار طازجة من أفواه المسؤولين.. حيث تبين أن الاعتماد على الأجهزة الحديثة في استقاء الأخبار والموضوعات التي يريدها القراء أصبح أكذوبة مضللة كبيرة.. فتجيء ردودهم جميعا وفورا: نتحداك إذا كنت تستطيع الحضور كل صباح كما تقول إلى مكتب وزير أو مسؤول واحد؟.. فأجد نفسي ألوذ بالصمت وبخيبة الأمل على الفور!!

وأتساءل: إلى أين نحن ذاهبون في هذا الزمن أمام مباني وزارات وهيئات هي عبارة عن كتل خرسانية صماء.. بلا أبواب ولا حتى نوافذ؟!

إقرأ أيضا لـ"لــطفـــــــي نصــــــــــر"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news