العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٠ - الخميس ٢٠ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٠ محرّم ١٤٤٠هـ

يوميات سياسية

السيـــــــد زهـــــــره

في وداع سمير أمين .. المفكر والإنسان

رحل عن عالمنا المفكر العربي الكبير الدكتور سمير أمين. وسمير أمين واحد من أهم المفكرين الاقتصاديين في العالم، وقد اثر فكره عبر عقود على أجيال من المثقفين في العالم الثالث كله.

وفي وداع المفكر الكبير، أعيد نشر مقال سبق أن كتبته عنه في أكتوبر عام 2009 تحت عنوان «الدكتور سمير أمين.. المفكر والإنسان»، وكانت المناسبة منحه جائزة ابن رشد. 

وهذا هو نص المقال:

هذا خبر قرأته قبل قليل، وأسعدني جدا.

أعني خبر منح المفكر العربي الكبير الدكتور سمير أمين جائزة ابن رشد للفكر الحر التي تمنحها مؤسسة ابن رشد، ومقرها في ألمانيا.

سعادتي بالخبر لها بالأساس أسباب عامة تتعلق بفكر ودور الدكتور سمير أمين، ولها أيضا سبب شخصي سأذكره بعد قليل.

أما عن الأسباب العامة، فهي نفسها الأسباب التي قدمتها مؤسسة ابن رشد في البيان الذي أعلنت فيه منح الجائزة. سأوردها لأنها تلخص فعلا مسيرة الدكتور سمير أمين الفكرية ودوره.

قالت المؤسسة في بيانها «إن سمير أمين أحد أهم مفكري العالم الثالث وأكثرهم تأثيرا، ووقف دائما إلى جانب استقلالية قرار الدول النامية في اختيار الطريق للتنمية وخاصة في العالم العربي.. ودعا باستمرار إلى تضامن أممي جديد ليس لتجاوز الأزمة الرأسمالية فحسب، بل للخلاص من النظام الرأسمالي المأزوم». وذكرت المؤسسة أن «الأزمة التي بدأت منذ سبتمبر 2008 سبق لسمير أمين أن تنبأ بها... وهو يعتبر أن الأزمة الراهنة ليست أزمة مالية ولا جمعا لأزمات نابعة من النظام، بل هي أزمة الرأسمالية الامبريالية بقيادة أقلية مهيمنة» وهو يرى أن الخروج من هذا الوضع المميت هو استتاب عولمة توافقية إنسانية من دون أي نزعة باتجاه الهيمنة والتسلط وضرورة خلق جبهة مشتركة للشعوب وتجديد الماركسية الخلاقة.

هذا الذي جاء في بيان المؤسسة مجرد إشارة إلى الإسهام الفكري الذي قدمه سمير أمين عبر نحو نصف قرن من العمل والإنتاج الفكري. وهو إلى هذا مفكر مستقل يعتبر من اكبر المفكرين الذين كرسوا أعمالهم لقضايا التنمية والتقدم والنهضة في العالم الثالث عبر عشرات الكتب التي أصدرها والتي أثرت على جيلين من الباحثين الاقتصاديين في العالم.

والدكتور سمير أمين ليس من المحبين للظهور الإعلامي، ولهذا لا نعرف أخباره إلا عبر مشاركاته في المؤتمرات العلمية والندوات المتخصصة وكتبه ودراساته التي ينشرها.

بطبيعة الحال، باعتبار سمير أمين واحدا من اكبر المفكرين الماركسيين في العالم اليوم، من البديهي أن رؤاه وأفكاره تثير الكثير من الجدل والاعتراض من جانب البعض. ومؤخرا مثلا، وفي ندوة عقدت في القاهرة بحضور سمير أمين بمناسبة صدور آخر كتبه بالعربية «في نقد الخطاب العربي الراهن»، انتقده بحدة وعنف مفكر آخر مثل الدكتور جلال أمين الذي قال انه لا يرتاح لكتابات سمير أمين فهي «ترغم كل ما يحدث من تغيرات للخضوع للأفكار الماركسية، ومن ثم تفقد الظواهر ثراءها وغناها». أيضا وجه مفكرون آخرون مثل السيد ياسين ومحمود عبدالفضيل انتقادات أخرى أقل حدة.

غير أن نقد أو حتى رفض أفكار سمير أمين من جانب البعض لا ينفي بالطبع أهميتها البالغة، وأهمية مناقشتها والجدل حولها. هذا أمر في غاية الإلحاح اليوم في ظل المحنة التي يعيشها الوطن العربي، وحقيقة أننا حتى اليوم لم نستطع حتى على المستوى الفكري التوافق حول ملامح رؤية للتقدم العربي تستفيد من مختلف الروافد الفكرية، ودون الإقصاء المسبق لأي إسهام فكري.

وقد أتاحت لي الظروف في مناسبة معينة أن أتعرف عن قرب على جانب الإنسان والمفكر الملتزم المحترم في الدكتور سمير أمين. كان هذا في بداية ثمانينيات القرن الماضي، وكنت باحثا في مركز الدراسات السياسية في الأهرام، وكان سمير أمين بالنسبة إلى أبناء جيلي أستاذا كبيرا ونجما لامعا في عالم الفكر طالما كنا نناقش أفكاره. وكان قد حضر إلى القاهرة للمشاركة في ندوة علمية. التقيت به وطلبت منه أن أجري معه حوارا فكريا موسعا. اعتذر بأدب شديد وبشيء من الحرج لأنه كان مسافرا في اليوم نفسه. لكنه أعطاني عنوانه وطلب مني أن أرسل له خطابا بالأسئلة ووعدني أنه سوف يجيب عنها ويرسل لي بإجاباته. واعتبرت أن هذا مجرد اعتذار مهذب، وهو لم يكن يعرفني شخصيا على أية حال. لكنني أرسلت له بالفعل خطابا يتضمن قائمة طويلة من الأسئلة.

بعد فترة وجيزة، وصلني بالفعل خطاب من الدكتور سمير أمين وجدت فيه ما أذهلني. وجدته وقد أجاب عن كل الأسئلة، وفي نحو 20 صفحة أو أكثر بخط يده مع خطاب رقيق يعطيني فيه الحق في أن أتصرف فيما كتب كما أشاء. كانت إجابات الدكتور سمير أمين في مجموعها أشبه بدراسة أعدها تناولت قضايا فكرية وسياسية عميقة. وقد نشرت الحوار لاحقا في مجلة «المستقبل العربي» التي يصدرها مركز دراسات الوحدة العربية، وهي واحدة من أهم وأعمق الحوارات التي أجريتها.

هذا الذي فعله الدكتور سمير أمين، وأن يخصص كل هذا الجهد والوقت والاهتمام للرد على أسئلة باحث لا يعرفه شخصيا، يقدم نموذجا لأخلاقيات الكبار وكيف يجب أن تكون، ونموذجا أيضا للالتزام والإخلاص الفكري. 

عموما، منح جائزة ابن رشد لسمير أمين هو تكريم يستحقه عن جدارة بعد هذه الرحلة الطويلة من الدأب العلمي، ومن الإسهامات الفكرية الجادة المحترمة.

إقرأ أيضا لـ"السيـــــــد زهـــــــره"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news