العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٩ - الأربعاء ١٩ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ محرّم ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

الإجراءات الترقيعية ليست حلا

بعد الاحتجاجات الكبيرة والواسعة التي شهدتها العديد من المدن العراقية الكبرى، وخاصة مدن محافظات جنوب العراق، حاولت الحكومة العراقية برئاسة الدكتور حيدر العبادي تدارك الموقف من خلال إجراءات «تصحيحية»، أقل ما يمكن وصفها بأنها ترقيعية لا ترقى إلى مستوى معالجة أزمة حادة كالتي يواجهها العراق في الوقت الراهن، مع تفشي الفساد وانتشاره في معظم مؤسسات القطاع العام، وسيطرة المصالح الحزبية والطائفية على مقاليد الأمور في الدولة، الأمر الذي أفرغ هذه المؤسسات من قوتها وقدرتها على معالجة احتياجات المواطنين العراقيين والتصدي لتداعيات الأزمات السياسية والأمنية التي استمرت تعصف بالعراق منذ الإطاحة بنظام الرئيس العراقي الراحل صدام حسين إثر الغزو الأمريكي للعراق في شهر مارس من عام 2003، والذي لم يجلب سوى مزيد من الخراب لهذا البلد.

العبادي وفي مسعى منه لامتصاص نقمة المتظاهرين واحتجاجاتهم على تردي الأوضاع الخدمية المختلفة، منها في المقدمة خدمات قطاع الكهرباء، أصدر أمرًا بإقالة وزير الكهرباء قاسم الفهداوي، لكن هذا الإجراء لم يوقف أو يخفض من وتيرة الاحتجاجات التي تواصلت في أكثر من مدينة ومحافظة عراقية خلال الأيام التي تلت إقالة الوزير المذكور، ذلك أن هناك أزمة حقيقية لا يمكن حلها عبر تقديم كبش فداء، وإنما تتطلب التصدي الجاد والحازم لآفة الفساد والمحسوبية التي هيمنت على القرار العراقي وتسببت في نشوء مثل هذه الأزمة الحادة في الخدمات في بلد يُعد واحدا من أغنى بلدان المنطقة، لما يملكه من ثروات طبيعية هائلة تتصدرها الثروة النفطية التي يقدر إنتاجها بما يقارب الخمسة ملايين برميل يوميا.

من دون إغفال للمشاكل الأمنية والعسكرية والسياسية التي يعاني منها العراق والتي تكلف الخزينة العراقية مليارات الدولارات شهريا، فإن هذه الأسباب كلها ليست مبررا لنشوء الوضع الخدماتي السيئ الذي يعيشه الشعب العراقي بعد أكثر من خمسة عشر عاما على إسقاط النظام السابق، ففي ظل النظام المذكور والتبذير المالي الذي مارسه عبر حروبه العبثية، إلى جانب ما عاناه العراق جراء الحصار الذي استمر زهاء ثلاثة عشر عاما بعد غزوه المجنون لدولة الكويت الشقيقة في شهر أغسطس من عام 1990، فإن نقصا حادا في الخدمات لم يشهده المواطن العراقي كما هو الوضع الآن.

لسنا هنا بصدد المقارنة التفضيلية بين النظام السياسي بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي ورئيسه الراحل صدام حسين وبين النظام الحالي الذي أقيم على أنقاض حكم الحزب الواحد بعد الغزو الأمريكي، ولكن يفترض أن يكون النظام الحالي شفافا وذا مصداقية أكبر من السابق، فالنظام الحالي الذي وضع قواعده الغزو الأمريكي للعراق، يتحدث عن الديمقراطية والشفافية والعدالة الاجتماعية وعدم المحسوبية، هذا النظام يفترض فيه أن يتعدى بمسافات طويلة جدا تلك الأوضاع التي كانت سائدة سنوات حكم حزب البعث، ويفترض أن تكون هناك حرب حقيقية وجادة ضد آفة الفساد والمحسوبية التي تكبل قوى النظام الحالي وتحول دون قدرته على تلبية احتياجات المواطن العراقي الأساسية.

نجاح النظام من عدمه لا يقاس فقط من خلال تمكين جميع المواطنين والقوى السياسية المختلفة من الوصول إلى صناديق الاقتراع والمشاركة السياسية، وإنما النجاح يقاس بمدى قدرة النظام على نيل ثقة مختلف شرائح المجتمع، ليس فقط من خلال تمكنه من تقديم مختلف الخدمات اليومية الضرورية وغيرها إلى المواطنين، وإنما من خلال إثبات وقوفه على مسافة واحدة من الجميع ورفضه لأي شكل من أشكال العبث بالمال العام وبالمصالح الأساسية لجميع مكونات المجتمع، فهذه الحالة لم يتمكن النظام السياسي القائم في العراق في الوقت الحاضر من تحقيقها أو حتى الاقتراب منها.

فالعراق من حيث النظام السياسي المعلن والمعمول به، يعد من الدول التي تحدد نتائج صناديق الاقتراع ومشاركة مختلف الأحزاب السياسية فيها، الدينية منها والليبرالية، شكل القيادة السياسية، لكن الواقع والتطبيق يختلف عن ذلك تماما، فالأحزاب، بما فيها الحاكمة أو المشاركة في الائتلافات التي تقود البلد للفترة المحددة دستوريا، لا تمثل تمثيلا حقيقيا مختلف مكونات المجتمع العراقي، وإنما تمثل طيفا واحدا، دينيا أحيانا، وأحيانا أكثر طائفيا أو عرقيا خالصا، الأمر الذي ينزع عنها التمثيل الوطني الجامع، وهذا الخلل في تركيبة هذه الأحزاب يجعلها خاضعة لمصالح ضيقة جدا، وهو ما يتسبب في استفحال الأزمات وتصاعد التوترات، الدينية والطائفية والعرقية، ناهيك عن عدم قدرتها على التصدي ومعالجة المتطلبات الحياتية الرئيسية للمواطن العراقي.

قد يساعد قرار في هذا القطاع وآخر هناك، في التخفيف من وطأة الاحتجاجات التي تعصف بالعراق في الوقت الراهن، لكن ذلك لن يكون هو الحل المطلوب، إذا ما أرادت الحكومة العراقية، الحالية أو من سيعقبها بعد التشكيل المرتقب، أن تستقر الأوضاع في هذا البلد، فالأزمة عميقة، وخاصة أزمة الثقة بين المواطن والقيادة، فالأول يرى أن أسباب تدني الخدمات وتفشي البطالة بين الشباب تعود إلى السياسة الخاطئة التي تتبعها القيادة العراقية على مدى السنوات التي أعقبت غزو العراق، فمشاكل العراق المعيشية والخدماتية ليست وليدة هذه الأيام، وإنما استفحلت بعد سقوط النظام السابق ولعب انتشار الإرهاب وصعود نجم ما يعرف بالدولة الإسلامية في العراق والشام «داعش» وتمكنها من السيطرة على أجزاء واسعة من العراق، بما في ذلك مدن ذات ثقل سكاني كبير مثل مدينة الموصل، لعب ذلك دور التهدئة والتسكين، ولكن بعد التخلص تقريبا من هذا التنظيم الإرهابي برزت إلى السطح هذه المشاكل، التي قد يؤدي استمرارها إلى ظهور مصاعب ربما لن تتمكن القيادة العراقية من مواجهتها مستقبلا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news