العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٨٠ - الأربعاء ١٩ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية: «الكاميكازه» في الثقافة اليابانية

بقلم: د. خليل حسن

السبت ١١ ٢٠١٨ - 01:15

كاميكازه، وتعني رياح الآلهة، اشتهرت هذه الكلمة في أربعينيات القرن الماضي، بعد هجوم الطيارين الانتحاريين اليابانيين على السفن الأمريكية في بيرل هاربر، ويرجع تاريخها الحقيقي الى عام 1284. وقد كان شعب اليابان يؤمن، وحتى انتهاء الحرب العالمية الثانية وصدور الدستور، بأن شعب اليابان وأرضه وإمبراطوره ترجع جذورهم لآلهة الكامي. وفي القصة التاريخية لليابان، كوجيكي، والتي صدرت في عام 721, يرجع الكاتب بدء تاريخ اليابان المعروفة اليوم الى عام 660 قبل الميلاد. ويسرد هذا الكتاب أسطورة بدء اليابان بزواج أحفاد آلهة الشمس ازنامي وازناجي، مما نتج عن زواجهما ولادة أرض اليابان. واستمرت ابنتهما إلهة الشمس برعاية اليابان منذ ذلك الحين.

ويعتبر الشعب الياباني بأن الكاميكازه هي رياح الآلهة التي حمت جزر اليابان من الغزاة منذ عصور طويلة. ومن المعروف في التاريخ الياباني أن جنكيزخان حاول غزو اليابان عدة مرات. وتكررت المحاولة في القرن الثالث عشر بقيادة حفيده المعروف بكابولي خان. ففي عام 1281 تحرك كابولي خان من الصين لغزو اليابان، وقد حمل أسطوله، المكون من أربعة آلاف وأربعمائة سفينة، مئات الألوف من الجنود المجهزين بأحدث الأسلحة في ذلك الوقت. فوصلوا الى اليابان وحاولوا السيطرة عليها، ولكن جيوش السموراي حاربوا ببسالة لمنعهم. والغريب في الأمر أن استيقظ الشعب الياباني في صباح أحد الأيام، واكتشفوا اختفاء جميع سفن المغول فجأة. وكان التفسير التاريخي لهذا الاختفاء بأن الكاميكازه، رياح الآلهة، قد أنقذت اليابان من الأسطول المغولي. 

وقد قرر البروفيسور الياباني كنزو هاياشيدا، أستاذ علم التاريخ والآثار، أن يدرس صحة أسطورة الكاميكازة. فشكل فريقا في الثمانينيات لدراسة تاريخ هجوم المغول على اليابان عام 1284. ولم يكن يعرف من أين يبدأ، فهناك آلاف الكيلومترات من الشواطئ والبحار بين اليابان والصين. وقد علم وبالصدفة، بأن صياد ياباني قد اكتشف ختما خشبيا قديما على شواطئ اليابان الغربية. فقرر البروفيسور أن يسافر مع فريق متخصص إلى المنطقة لاكتشاف أسرار هذا الختم. وقام الفريق بدراسة هذا الختم القديم، ووجدوا بأن الكتابة المنقوشة عليه هي كتابة مغولية.

وبدأ البروفيسور مع فريقه البحث عن آثار سفن المغول في هذه المنطقة. فقاموا بجهد كبير للغوص في قاع البحر وشطف جميع الأحجار والرمال. ومع الأسف لم يكتشف الفريق أي أثر لتلك السفن، ولم ييأس الفريق، فاستمر في البحث حتى وجد في قاع البحر قطعة خشبية قديمة. وتبين بعد إجراء التحاليل المخبرية اللازمة، بأن هذه القطعة قديمة جدا ومن صنف الأخشاب الصينية. وقامت المختبرات اليابانية بدراسات دقيقة لاكتشاف تاريخ هذه القطعة الخشبية، فقدر العلماء أن تاريخها يرجع الى القرن الثاني أو الثالث عشر. 

وبعد بحث متواصل، اكتشف الفريق عدة قطع أخرى من أعمدة نفس السفن وبأحجام كبيرة. واستغرب الفريق حينما اكتشف أن جميع هذه القطع الخشبية تأخذ وضعا متشابها في قاع البحر. وبعد الدراسة المتأنية والبحث، استنتج العلماء حقيقة غرق الأسطول المغولي في هذه المنطقة من البحر. والسؤال المحير الذي حاول خبراء الآثار الإجابة عليه هو: ما سبب غرق هذا الأسطول الكبير، والذي لم يرجع أي من سفنه إلى الصين؟ 

وقد قام فريق ياباني متخصص في الطوفان، مع كبار الأساتذة في الجامعات الأمريكية، بدراسة تاريخ الطوفان في هذه المنطقة، ومنذ سبعمائة عام. واستخدموا لذلك برنامج جهاز آلي متخصص. فاكتشف الفريق تعرض المنطقة لطوفانات متكررة، في شهر أغسطس من كل عام، تصل سرعتها إلى أكثر من مائتي كيلومتر في الساعة. 

واستنتج البروفيسور أخيرا بأن المغول رسوا بأسطولهم على شواطئ اليابان الغربية ونزلوا في جزيرة هنشوا. وتعرضوا لهجوم مضاد من سموراي اليابان، فتراجعوا إلى سفنهم. وفي منتصف إحدى الليالي المظلمة، بدأ فجأة طوفان شديد ودمر جميع الأسطول ولم يبق في صباح اليوم التالي أي أثر للسفن ولا للجنود. 

حاولت عزيزي القارئ عرض هذه الحادثة لأوضح كيف يراجع الشعب الياباني تاريخه، ويصحح أخطاء هذا التاريخ بموضوعية، وبدون تدخل رجال الدين في معرفة هذه الحقائق. ومن المعروف بأن هناك خلافا تاريخيا في اليابان بين فريقين. الفريق القديم الذي يؤمن بكل ما جاء في قصة الكوجيكي كحقيقة إلهية، وفريق آخر يعتبر كثيرا من هذه القصص أساطير غير واقعية، ولكن يمكن الاستفادة من حكمها. ونلاحظ كيف تعامل الشعب الياباني بحكمة وموضوعية علمية مع هذه الخلافات التاريخية. فدرس العلماء هذا التاريخ، وحاولوا الوصول الى إجابة علمية لما حدث.

وقد كنت أتمنى أن ندرس خلافاتنا التاريخية التي مضى على أحداثها أربعة عشر قرنا، دراسة علمية متخصصة، لنكتشف الحقائق ونتعلم منها، ولنبدأ معا يدا بيد وكفريق واحد، لبناء المستقبل. وطبعا لم تتطور البشرية إلا حينما تداخلت الأفكار ونوقشت الخلافات في الرأي، وتحمل البشر اختلافات بعضهم البعض، ليصلوا إلى أرضية تصالحية مشتركة، ليستطيعوا أن يكملوا التنمية البشرية في الفكر والعلوم والاقتصاد. وبالحوار نتحول من ساحات القتال والدمار إلى ساحات الإعلام والبرلمانات، لنناقش الأفكار ونستفيد من تطويرها. وبتعارك الأفكار وامتزاجها تقدمت الحضارة الإنسانية وترعرعت على مر العصور.

لقد خلق الخالق، جلت عظمته، هذا العالم بالإنسان والطبيعة، وأعطاه العقل ليقرر كيف سيتعامل مع هذه الطبيعة. فالإنسان جسم وعقل ونفس وروح، وتربط الروح الإنسان بحقائق غير مادية كحقيقة سر الكون وخالقه، وحقيقة ما بعد الموت. ولقد طرحت الأديان حقيقة الإنسان والطبيعة والتفاعل بينهما، والحياة والحساب بعد الموت. وقد درس العلماء العقل المعقد وطريقة تفكيره، وذكاء الإنسان الذهني، وذكاءه في التعامل مع عواطفه، وذكاءه في التعامل مع الآخرين، بالإضافة إلى الذكاء الروحي. فما هو الذكاء الروحي وما أهميته في هذه المرحلة من تاريخنا الشائك؟ ولنا لقاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news