العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

الثقافي

وهج الكتابة: الشللية الأدبية

بقلم: عبدالحميد القائد

السبت ١١ ٢٠١٨ - 01:15

حينَ يخضعُ تقييمُ المبدعِ للمزاج

 حين يصبحُ الكَاتبُ في مَهبِّ الرِيح 

لأنه يرفضُ الطاعةَ عندما يهمَّش

فلا خيارَ أمامهُ سوى أن يخلعَ رداءَ الزيف 

يغادرُ الجوقةَ كي يبدعَ المُختلف 

الشلليةُ الأدبية آفةٌ خَطيرة اصابت أوساطنا الثقافية والأدبية، وهي تتعمقُ يومًا بعد يوم. هي ظاهرةٌ وُجدت أو أُوجدت -بقصد أو من دون قصد- لتهميش المبدعين والشعراء والكتّاب الذين لا يسيرونَ ضمن الإطار النفعي والمصلحي الضيق، أي التبادلات التي تحدث، مثلاً: اكتب عني وأكتبُ عنك، رشّحني وأرشحك ودافع عني وأحميك، واجعلني نجمًا اوحد اعطيكَ الجَمل بما حَمل، أي بالعامية «شيلني وأشيلك». من الممكن قبول هذا على مضض في الأندية والمؤسسات التي يشرف عليها أناسٌ غير مثقّفين وغير واعين، ولكن حينما يصل هذا الأمر إلى المؤسسات الأدبية الثقافية التي يشرف عليها أدباء وكتّاب، فإن هذه كارثة قاتلة وظاهرة يجب أن ينتبه لها المخلصون. 

المشكلة أن مجالس ادارة المؤسسات لا تتغير إلاّ نادرًا، فمن يشرفون عليها يبقون بأساليب ملتوية وأحيانًا خبيثة فترات طويلة «ربما سرمدية»، يتحكّمون في مصائرها ومصائر اعضائها عشرات السنين، وغالبًا ما يكون بعض هؤلاء المتحكّمين من الفقراء أو المُفلسين ابداعيا أو أن ما يكتبونه تجاوزه العصر وما عادت بضاعتهم رائجة لأنهم ببساطة لا يقرأون ولا يتطورون أو يتجددون وتصبح نتاجاتهم هرمة لأن همهم الأول والأخير هو «البرستيج»، يتحكّمون في الحركة وشخوصها، بل ويصنعون نجومها، بل يجدون أو يوجدون العشرات من الذين يصفقون لهم ويمجّدونهم بحكم المصلح، وخاصة ان بعض المؤسسات الثقافية تسير في فلك محدد؛ ما لا يؤهلها لاتخاذ قراراتها باستقلالية. هكذا يقتلون الثقافة والإبداع ويهمّشون من لا يسير في فلكهم، وينهار كثيرون أمام هذا الطوفان، بعضهم يضطر إلى الانضمام إلى الجوقة حرصًا على ما يغدقونه عليه من السفرات والامتيازات أو المديح أو الضوء المزيف، والبعض ربما يتوقف عن الكتابة بسبب الشعور باليأس والإحباط، اما البقية التي تصمد ولا تستسلم لأنها واثقة من ابداعها فليس أمامها طريقٌ آخر سوى اعتزال هذه الأجواء الموبوءة والركضِ بعيدًا لكي لا تتلوث وتصيبها «بكتيريا النفاق».

إن لم يحتفظ الكاتبُ بكرامته ونقائه وشفافيته، بل واستقلاليته، فهو ليس بكاتب، لأنه سوف يكتب صفحات «خالية» لا معنى لها ولا مستوى يليق بأن يسمى «ابداعًا». هناك شللية بأشكال مختلفة في الأوساط الأدبية، فعلى صعيد الصفحات الثقافية مثلاً، إن لم تكن على علاقة وثيقة بمشرف الصفحة في الجريدة أو المجلة الفلانية أو لست من شلّته فـ«مِش بُوزك» لأنك لا تطول فرصة النشر. وهذا وباءٌ آخر يؤثر على كثير من الأدباء الشباب لأن نتاجاتهم لا ترى النور.

بطبيعةِ الحال هناك شللية حميدة ربما وليست خبيثة أو شريرة، فعندما نتذكر شلةَ مجلة «شعر» التي صدرت عام 1957 وإسهاماتها فإن الجانب السلبي ينتفي؛ لأنها شلة شكّلت خطا ابداعيا مختلفًا في الخريرطة الشعرية تمحورت في الذهاب فيما وراء اللغة، ومثلت رجّة في الفكر العربي، بقصيدة النثر، هذه الشلة أخرجت شعراء عظماء مثل ادونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال وجبرا إبراهيم جبرا وشوقي أبو شقرا وخليل حاوي ومحمد الماغوط وغيرهم. هذه المغامرة لم تدم أكثر من ثلاث سنوات بسبب الأجواء «الثورية» آنذاك على الرغم من أن «مجلة شعر» حاولت مسايرة المزاج «الوطني» السائد حينئذ بتبنّيها الشعر الفلسطيني المقاتل الذي بدأ يصل من داخل فلسطين المحتلة. وعلى الرغم مما قيل عن «مجلة شعر» بأنها كانت تمثّل التيار اليميني «الإمبريالي» في وجه الواقعية الاشتراكية في ذاك الزمان، فإنه بعد زوال تلك الزوابع السياسية من الحري بنا أن ننظر إليها بعيدًا عن الرداء السياسي ومن وجهة نظر ابداعية محضة بأنها كانت حركة ابداعية رائعة لم تكتمل فصولها، لكن تأثيرها الجمالي ظلّ حاضرًا في حركةِ الشعر العربي حتى يومنا هذا.

Alqaed2@gmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news