العدد : ١٤٧٥٦ - الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٦ - الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

النحت بين الحلال والحرام

الجمعة ١٠ ٢٠١٨ - 10:39

بقلم: عاطف الصبيحي:

هذا المبحث أوجبته الضرورة، وفرضته الحالة التي نعيشها، من خلال ما طرق سمعي وأثار فضولي وقادني إلى التنقيب في الموضوع المرتبط ارتباطً وثيقًا بالشرع المُنزل من عند الله ممثلاً بقوله سبحانه -وقوله الحق- وبين الفقه ماضيه وحاضره والذي ما هو إلا بصمة الإنسان العقلية لما نزل في القرآن، أي «الفكر الديني» ولعل من نافلة القول ومسلمات الأمور أن الأول لا شك فيه ولا ريب بسبب مصدريته العلوية المقدسة، ولكن الثاني -الفقه- إنساني المصدر هو الذي يعنينا في هذه المقال، والمنهجية المتبعة في نقاش هذا الموضوع تتمثل أولاً بالوقوف على ما جاء في الكتاب الكريم وننظر - بحسب رأينا - في موضوع النحت وكيفية وروده في القرآن الكريم، وكذلك كيفية استعمال الكتاب الكريم لمفردة الصنم والتمثال والوثن وحدود التشابه والاختلاف بينهما، من خلال الاستعانة بقاموس اللغة للوقوف على جذر الكلمة، والثالثة إطلالة على السياق التاريخي «الموجبات» القرآنية التي أدت إلى ورود مفردة النحت، ورابعهما مواجهة الآيات ومقابلتها لبعضها البعض التي تحدثت عن موضوع النحت، وأخيرًا نستل من فقه الجيل الأول ما له علاقة بالموضوع وعلى الله قصد السبيل.

من بديهيات القول أن التوحيد كان على رأس أولويات دعوة جميع الرسل والأنبياء، وهذا القاسم المُشترك بينهم الذي لم يتغير ولم يتبدل في حين تغيرت وتبدلت الشرائع من رسول إلى رسول حتى ختم الله الرسالات بسيدنا الكريم محمد بن عبدالله عليه السلام، وغادرنا الوحي إلى غير رجعة وتركنا نعيش عصر ما بعد الرسالات منذ انتقال سيدي أبي القاسم عليه السلام إلى الرفيق الأعلى فلم يعُد أمامنا إلا كتاب مكنون وعقل عامل في النص وحتى لا نستطرد نقول: ذُكر النحت لأول مرة في الكتاب الكريم في سورة الأعراف الآية رقم 74 «واذكروا إذ جعلكم خُلفاء من بعد عادٍ وبوأكم الأرض تتخذون من سهولها قُصورًا وتنحتون الجبال بيوتًا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مُفسدين» وهذه الآية خاصة لقوم سيدنا صالح «ثمود» حيث شاع في زمنهم صُنع التماثيل، وهؤلاء القوم استخدموا تلك التماثيل للعبادة ووضعوها في وسط معابدهم كنُصب للإله المعبود، وهذا يناقض التوحيد محور كل الرسالات، ولأنهم برعوا في النحت على الصخور جاءت معجزة سيدنا صالح بانتزاع الناقة من الصخر نفسه والهدف إبطال اتخاذ التماثيل المنحوتة آلهة من دون الله، فمن الضرورات الشرعية تحريم تلك العبادة التي اتخذها القوم، ولما لم ينتهوا عما نهوا عنه جاءتهم الرجفة والصيحة لتأتي عليهم إلا سيدنا صالح ومن معه من الموحدين، هذا مختصر لما يتعلق بالظهور الأول لظاهرة النحت والغاية منها في عهد سيدنا صالح.

أما الأصنام والأوثان والتماثيل فقد ورد ذكرها لأول مرة في زمن سيدنا إبراهيم عليه السلام، فلا مندوحة من التعرض لمعاني تلك المفردات بُغية التفريق بينهما لغويا ،ثمّ نرى كيفية ورودها في السياق القرآني، لنأخذ الأوثان فهي أولاً جمع وثن وثانيًا قد وردت في القرآن ثلاث مرات وهي عند أصحاب اللغة حجارة بقصد العِبادة ومنها جاءت الوثنية التي تعني «إعطاء الشيء صفات أكثر مما هي فيه» فالحجارة أُودعت من الصفات في زمن إبراهيم ما ليس فيها فاتخذت آلهة، وهنا يلتقي قوم صالح مع قوم إبراهيم في نقل الجماد إلى مستوى العبادة، فالقرآن يقول في سورة العنكبوت الآية 7 «إنما تعبدون من دون الله أوثانًا وتخلقون إفكًا إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقًا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه واشكروا له، إليه ترجعون» والموضعان الآخران يتعرضان لنفس المضمون، فالذي ينظر في الآية لا يجد صعوبة في التوصل لسبب النهي عن تلك الظاهرة المُناقضة تمامًا لمبدأ التوحيد الذي من أجله أُرسلت الرسُل كافة.

تعريج سريع وخاطف على التاريخ نجد أن عبادة ما لا يضر ولا ينفع ولا حِراك فيه، ظاهرة منتشرة على طول التاريخ البشري، وإذا أردنا أن نستل من الجاهلية السابقة على البعثة المحمدية نجد أن: معبود قبيلة خزاعة هي «مناة» وهي صخرة ملساء، أما غطفان فاتخذوا شجرة معبودًا لهم من دون الله، ويذكر لنا التاريخ أن خالد بن الوليد أحرقها بتوجيه من النبي الكريم عليه الصلاة والسلام، أما إله قريش فهو «اللات» كما لا يخفى على أحد وهو يحاكي الشكل الآدمي كما تقول مصادر التاريخ، لذا فإن الوثنية أسوأ من الشِرك، ففي الشِرك أن تعبد مع الله إلها آخر بينما الوثنية بكل أشكالها بما فيهما المنحوتات فهي إحلال لحجر أو صنم محل الله في العبادة والتقرُّب «إنما تعبدون من دون الله»، ومن هنا جاء التشنيع القرآني عليها.

دعوة للتأمل بالآية 30 من سورة الحج «ذلك ومن يُعظم حُرمات الله فهو خير له عند ربه وأُحلت لكم الأنعام إلا ما يُتلى عليكم فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور». الرجس هو اختلاط الأمور على الإنسان فيُعتقد أن لمظاهر الطبيعة وبعض المخلوقات قُدرة على فعل الخير أو منع الشر، وترزق وتحيي وتُميت، لذا جاء التعبير القرآني دقيق غاية الدقة فقال: اجتبوا الرجس من الأوثان «ولم يقل اجتنبوا الأوثان، لأن الذي يعتقد أن الأمر كله بيد الله وإليه تُرجع الأمور ليس مُخاطبًا بهذه الآية والذين يُفردون الله بالألوهية ولا يجعلون معه إلها آخر لا تقصدهم هذه الآية الكريمة، لأن الأمور واضحة جلية ولم يختلط الأمر عليهم ذهنيا، ومكمن الرجس «الاختلاط» في العقل، وهذا معنى قوله تعالى «إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان» فرجس الخمر مثلاً هو الخلط الحاصل عند مُعاقر الخمر وتضمحل خاصية التميز عنده بين الغث والسمين. 

الصنم وردت خمس مرات جميعها في قصة سيدنا الخليل عليه السلام والصنم ما هو إلا شيء من خشب أو فضة أو نحاس بقصد العبادة، فيشترك الصنم بهذا مع الوثن من ناحية العبادة، ومن غير المقبول أن نتجاوز عن موضوع الأوثان والأصنام دون أن نربطها بالسدنة والكُهان الذين هم من خلط على الناس الأمور، فأوجدوا الرجس في مخيلة الاتباع، وأدخلوا في عقولهم تلك القداسة لتلك الجمادات معتمدين في ذلك على مرتكزات كالخوف من المجهول الذي يساور الناس والخوف من الموت كمجهول لا يُعرف ما بعده، فعاثوا في الأرض فسادًا بخلط الأمور للعوام والتنفُّع من ذلك ماديا واجتماعيًا بحيث شكلوا في كثير من مراحل التاريخ سُلطة يصعُب تجاوزها، ومن هنا جاء احتجاج إبراهيم على أبيه الذي كان أحد السدنة بقوله في سورة الأنبياء 52 «إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» يا حبذا لو تمعنا بكلمة «عاكفون».

لأجل انحراف واختلاط الأمور في الأذهان «الرجس» أمر الله خليله بأن يُطهر البيت... «وعهدنا إلى إبراهيم وإسماعيل أن طهرا بيتي للطائفين والعاكفين والركع السجود» وهذا ما فعله رسولنا الكريم بعد طول زمن بينه وبين جده إبراهيم عليهما السلام بأن طهر البيت الحرام من الأوثان والأصنام والتماثيل سواء منحوتة أو حجارة أو أي شكل مجسد «وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا» 81 من سورة الإسراء، والباطل تعني الوهم وهي أيضًا «رجس» مكانه العقل، فأي معنى يمكن أن نستنتجه من الحق في هذه الآية سوى إفراد الله بالعبادة، وأي باطل تقصده الآية سوى الحث على ترك عبادة مما لا تصح عبادته ولا هو أهل للعبادة.

التماثيل تعني من حيث اللغة مناظرة شيء لشيء آخر، وهي جمع تمثال وقد أوردها التنزيل الحكيم مرتين الأُولى في سورة الأنبياء الآية 52 «إذ قال لأبيه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون» وفي سورة سبأ الآية رقم 13 «يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجِفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داوود شكرًا وقليل من عبادي الشكور»، ففي الآية الأُولى من سورة الأنبياء ومن خلال الرجوع لمصادر التفسير والتاريخ نفهم منها أنه في حقبة سيدنا إبراهيم كان هناك نوع من التماثيل المصبوغة اكتسبت صفة الوثنية من خلال العكوف عليه تقديسًا وعبادة، ومن هنا سُمي التمثال تمثالا لأنه صُنع على مثال الإله المعبود بحسب زعم صانعه كأمثال تماثيل الفراعنة في مصر وتماثيل شيفا في الهند، ومن هنا مرة أُخرى جاء التحريم لعلة الاعتكاف بغرض العبادة، ومن البديهي أنه إذا انتفت العلة انتفى معها التحريم، وهذا ما لم يرتضيه ولم يقبل به بعض أو قل الكثير من رجال الدين حتى يومنا هذا مما خلّق في نفوس الناس توجسًا وخيفة من كل عمل فني فيه تجسيد وحتى النحت التجريدي لم يسلم من القصف العشوائي الذي خلّف أرضًا محروقة فنيا وثقافيًا، وكما أن غُبار التزمت أصاب القصة والرواية والشعر والمسرح والرسم والموسيقى، ويكاد لا يفلت منه أي فن من الفنون.

وحتى لا يكون الكلام مرسلا على عواهنه يُستحسن بعد إيراد الأدلة من الكتاب الكريم أن نعرض لبعض الأمثلة من واقع المسلمين الأقرب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن أبرز تلك الأمثلة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث فُتحت في خلافته مصر وهي التي تعج بالأصنام والتماثيل التي لم يكن لها غاية حين أُنشئت إلا العبادة لغير الله، ومع ذلك لم يسجل لنا التاريخ أي إشارة منه للولاة بتحطيم تلك الأوثان، لأنه رجل عالِم وليس مُتعالم وأدرك أن علة التحطيم غير موجودة فالتحطيم باطل وغير وارد وهذا ما حصل، وهذه اللفتة العُمرية ما هي إلا لتوجيه نظر من يتصدون للفتاوى بأن يتريثوا قبل التضييق على الناس، فلا هم أكثر تقوى من الفاروق، ولا أكثر عِلمًا منه وهو الموصوف بالعبقري من قِبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وما ينطبق على مصر أيضًا ينطبق على أرض العراق.

نحن الآن في القرن الواحد والعشرين ويفصل بيننا وبين من اتخذ من النحت والأصنام آلهة من دون الله في زمن إبراهيم ما يزيد على ستين قرنًا، وأربعة عشرة قرنًا تفصُلنا عمن كان يُقدس مناة الثالثة الكبرى، وعمن كان يتبرك باللات قبل السفر، وعمن كان يستجدي النصر من هُبل قبل خوض معاركه أُحد وغيرها من المعارك، فالعبادة التشخيصية برمتها انتهت إلى غير رجعة بنزول القرآن المُعتمد على التجريد، فاتحًا الباب على مصراعيه للعقل ليعمل وينظر ويتأمل بآيات الله التي مازالت وستظل نبعا فوّارا بالمعاني وتلك المعاني مخبوءة ولا تنكشف إلا لمن نذر نفسه للبحث والدرس والتدبر، ومن باب الرجاء الشخصي أن نردم الفجوة بين أقوالنا وأفعالنا ولو نسبيًا وذلك بأن تقديسنا للقرآن قيلت فيه خُطب وأشعار تسُر السامعين ولكن من دون إعطاء القرآن ما يستحق من جهود عملية... هذا فقط من التمني لا أكثر.

ونحن نشق طريقنا في قرن العلم والتكنولوجيا والانفجار المعرفي، القرن الحادي والعشرين لدينا من الهموم ما يكفي من أن نصرف جهودنا على فتاوى ناسبت أزمانا غابرة، ونتطاحن حولها، ألا يكفينا التطاحن المُر الذي أعدم الإنسان وأماته قبل موته؟ إن رعاية مصالح الإنسان لهي من أفضل القُربات إلى الله والقارئ المُستبصر للقرآن يستطيع أن يغرف منه عشرات الأمثلة على مكانة الإنسان عند بارئه، هذا فضلاً عن سُنة الرسول الكريم التي ما تركت أمرا يجلب الخير للإنسان إلا وحثت عليه، وشدد عليه الصلاة والسلام على تجنب كل ما يُسيء للإنسان بوصفه إنسانا حتى لو خالفه في المُعتقد.

Alsubahi65@yahoo.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news