العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

أثر الاستبداد على طاقة العمل الخيري

الجمعة ١٠ ٢٠١٨ - 10:39

بقلم: السفير د. عبدالله الاشعل

أثبتنا في مقال سابق أن المستبد هو الذي يجمع في يده وبيده الأمر والنهي، وانه يمنع عمن لا يسبحون بحمده ويغدق على عباده المختارين المحظوظين ولا يعترف بقانون أو دستور، فكلمته هي القانون بل هي القضاء والقدر، ويغلف أعماله بقوانين وقضاء يغطي نزواته، فإذا غضب على أحد يعبد الها دونه سلط عليه أجهزته وانتهى الأمر بحكم قضائي بإعدامه بتهم ملفقة ومن خلال أجهزة تلبس لبوس الجهوة وتتصرف تصرف العصابة في زي رجال الدولة.

أكدنا أن الحاكم المستبد فاسد بطبعه لأن الفساد أعلى مراتب الاستبداد، كما أنه بحاجة إلى أنصار من المؤلفة قلوبهم بأموال الوطن وبقانون يضعه زبانيته المتسترين بأردية البرلمان وطقوسه.

وكان هتلر ينفرد بخاصية أخرى بين زملائه المستبدين، في أنه صار مستبدا برغم البرلمان المنتخب تباركه دعوات الناس الذين وضعوا آمالهم فيه للخلاص من الذل الأوروبي والقهر المالي والسياسي والجرح الغائر في النفس الألمانية الأبية والخلاقة.

ويبدو أن هتلر كان مخلصا جدا ولكنه لم يميز في استخدام وظيفة المستبد، وكان قطعا يريد ألمانيا فوق الجميع بعد أن كانت تحت أقدام الجميع أو بلغة الفيلسوف المصري هيكل «هزمت ألمانيا هزيمة لا تستحقها وانتصرت فرنسا انتصارا لا تستحقه».

وكنت قد حللت في مقال سابق العلاقة بين الاستبداد والوطنية وأوضحت أن الوطنية استخدمت مبررا للاستبداد حتى صار الحاكم المستبد هو نبع الوطنية وهو الذي يحكم على وطنية الآخرين، وخدمتهم للوطن باعتباره المواطن الأول والأوحد هكذا كان حكام مصر منذ 1952 وزعماء العروبة النشامى في العراق واليمن وليبيا وسوريا، ولاشك أن بقية الحكام العرب يشاطرون زملاءهم النشامى بأقدار متفاوتة من هذه الوطنية التي يحتكرها الحاكم مع احتكار السلطات والدنيا والآخرة وحياة الشعوب وحرياتها وأكدنا أن الحاكم العربي يتفضل ولا يلتزم ويتطوع بالإحسان ولا يخضع لقانون سوى ضميره الوطني المثقوب عادة.

في مقالة سابقة عن الإلحاد والاستبداد انطلقنا من نظرية مستقرة وهي أن الإنسان طاقة خير تصل إلى الميل الفطري للبحث عن معبود أوصلته إلى الأوثان، ثم استبدلها في الحكم المستبد بوثن واحد هو الحاكم المستبد الذي لا يقبل أن يشرك المواطن أحدا لو كان الله سبحانه.

ولا يزال حكام مصر الجمهوريين الذين استبدلوا الحكم الأجنبي بنسخة أسوأ من الاستبداد الوطني دفعت الشعوب العربية إلى الحنين إلى عصور الاستعمار الذي كان أكثر حنانا وإنسانية عليهم من بني جلدتهم.

وقد لاحظ ذلك الأستاذ المزروعي فكتب كثيرا عن الحنين إلى الاستعمار، ولم تكن كتابات مالك بن نبي عن القابلية للاستعمار إلا وجها آخر من وجوه تمني الاستعمار الذي رغم كل مساوئه لم يأكل الحرث والنسل والكرامة وبأموال الوطن يجلد أبناء الوطن ويقامر بها لإرضاء نفسه المريضة دون رقيب.

هذه الطاقة الإيمانية والخيرية الكامنة في النفس البشرية يستغلها الحاكم المستبد، بعد أن يجفف مصادر الخير في البلاد، يريد أن تخلص هذه الطاقة له، فلا عبادة إلا لصنمه ولا إنفاق إلا لوجهه الذي تحدث عنه القرآن بوضوح «وجوه يومئذ عليها غبرة ترهقها قترة», ومطلوب من الناس أن تتصدق على ضحايا الحاكم الذين أفقرهم وأمرضهم واستولى على ما كان يخصص لهم بل وفرض الضرائب عليهم وأوقف الإنتاج وشجع الاستيراد عن طريق زبانيته وأطلق اليد للعبث بالقوة الشرائية للعملة وقدرة الناس على البقاء.

فالحاكم المستبد يستثير مشاعر الخير عند الناس حتى يتبرعوا للجمعيات التي يرأسها أتباعه أو يفرض عليها الإتاوات وتعج بالفساد، ويريد أن تذهب الزكاة وكل التبرعات إليها بعد أن يغلق المنشآت الخيرية التابعة لجمعيات دينية حتى لا تستغل في الرعاية السياسية لهذه الجماعات لتزوير إرادة المواطن رغم أن الحاكم في مثل هذه البلاد يلجأ إلى نفس الأساليب مع الفارق أنه ينفق على التزوير من أموال الدولة والجماعات تنفق عليها من أموال التبرع وكلاهما مذموم لأن الجماعة الدينية التي تعمل في مجال الدعوة والأعمال الخيرية يجب ألا تطلب المقابل من الناس، وإلا كانت تجارتها مع الناس وليس مع الله، ثم أنها هي الأخرى تستغل طاقة العمل الخيري والنفوس وتوظفها في أعمال الخير ولكنها تحصل على المقابل السياسي غير المباشر في نهاية المطاف.

الأصل أن الأعمال الخيرية والأهلية وأعمال المجتمع المدني عموما أي غير الرسمي تستجيب لنوازع خيرية وأن يتم تشجيعها بخصم ما يدفعه المواطن من ضرائب، أي تتحمل الدولة قسطا من إجمالي التبرع بقيمة الضريبة التي تتوجه إلى العمل الرسمي العام. فلا يجوز أن يعوض المواطن وتستغل طاقة الخير عنده لتعويض ضحايا سوء الإدارة الحكومية وسرقة الأقوات تحت عناوين مختلفة.

وقد قرأت إعلانات مؤثرة ونداءات بليغة لبعض شيوخ السلطان الذين يروجون للتبرع بل حتى وللشراء من بعض المؤسسات مثل إعلان فراخ الوطنية الشهيرة الذي روج له الداعية عمرو خالد والذي اعتذر بعد ذلك عن عمله بعد أن نال هذا العمل غير الخيري من الثقة في دعوته.

ورغم العلاقة الوثيقة بين المناخ الذي يشيعه الاستبداد وبين استغلال وتحفيز مشاعر الخير عند غيره حتى يقوموا بالدور الذي يفترض أن يقوم به حكمة، إلا أنني أعتقد أن سياسة الإفقار العامة في مصر أضعفت قدرة الناس على توفير ما يزيد عن الحاجة من أجل التبرع وصاروا يطبقون المثل الشائع غير المريح «اللي يلزم البيت يحرم على الجامع»، فقد تآكلت قيمة العملة، وصار لزاما أن تزيد مبالغ التبرع من ميزانية منهارة أصلا ونفوس مفعمة بالخير، ولكن تكثر حاجات الحياة وارتفاع تكاليفها أشعرها بالعجز عن التجاوب والتعبير عن عاطفة الخير وشحنته الهائلة في النفوس.

والغريب أن طاقة الأيمان التي يستولى عليها الحاكم المستبد لصالحه تتحاور في النفس مع طاقة العمل الخيري الذي من مصلحته استثارته وتحريضه وربما تطرأ الحاكم المستبد إلى هذا الباب طلبا للمزيد من استنزاف قدرة المواطن على البقاء وليس قطعا عطفا على البائس المطلوب التبرع له، لأن الاستبداد السياسي يؤدي إلى التكفير الديني أي توجيه طاقة الإيمان بالله إلى المستبد بحجج وأعذار دينية جاهزة ينشط بها مشايخه ممن غرتهم الحياة الدنيا وغرهم بالله الغرور.

والخلاصة أن الاستبداد يشجع على الإنفاق سبيله هو سبيل المحتاجين الذين صنع المستبد حاجتهم كما يدفع إلى عدم القدرة على التبرع وعدم الرغبة فيه حتى لا يحل محل المستبد والوفاء باحتياجات الناس فيخفف سخطهم ويعبث بعلاقة الإنسان بالخالق ويشوه فضيلة الإنفاق ويشكك في طهارة الإنفاق ونقاء مقصده، خاصة أن الإعلام المصري يركز على فتاوى ومقولات بأن حالة الإفقار عقاب للناس على عدم إنفاقهم وعدم إيمانهم، كما أن حالة العوز التي يعانيها المصريون قضاء وقدر، بل ان هذه الحالة سببها زيادة السكان مع افتراض ان الإدارة سليمة وفعالة ومخلصة وتكافح الفساد ولا أحد فوق القانون كما يردد بعضهم.

ان طاقة الخير تتدفق بعد أن تخلص الجهود في إصلاح ما تلف ويتولى الأمر خيار أهله في التخصص والعلم ثم يكون هناك معايير عادلة للثواب والعقاب، وأن يكون الوطن لكل أبنائه وثرواته لصالحهم جميعا دون تمييز لسبب القرب من السلطة أو نقدها وأن يسود العلاقة الشفافية بعد ذلك فقط يصبح للعمل الخيري طعم ولذة وتقربا إلى الله وراحة للضمير في الوفاء بحق غير القادر على القادر وتنفتح آفاق التميز للمبدعين، وحق البقاء لمن أقعدته الحياة عن السباق فيها، ولا دخل لتخلى السلطة في محنته.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news