العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٨ - الخميس ١٨ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين.. التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (37)

الجمعة ١٠ ٢٠١٨ - 10:37

بقلم: د. غريب جمعة

معركة الإمام مع كتاب يهذي في تأويل القرآن المجيد

ما كاد الإمام ينتهي من معركته مع كتاب «الفن القصصي في القرآن» حتى دخل معركة جديدة مع كتاب ظهر بعده لشخص يدعى محمد أبو زيد الدمنهوري الذي سولت له نفسه أن يخوض في آيات الله كالذين خاضوا فيها على عماية فكتب جملاً قصيرة قذف فيها شيئًا من وساوسه ووحي شيطانه سماها تفسيرًا بل تناهى في الغرور والافتتان بها فسماها:

«الهداية والعرفان في تفسير القرآن بالقرآن» ولو انصفت التسمية لكان اسمها «الضلالة والهذيان في ضرب القرآن بالقرآن».

يقول الإمام يرحمه الله:

ما زال القرآن يُدرس والراسخون في العلم لا يختلفون في شيء من آياته إلا آيات لا يمس الخلاف فيها أصلاً من أصول الدين وليس فيما يعتد به هذا الخلاف ما يخرج فيه الفهم عن أساليب اللغة العربية، حتى ظهر أشخاص قل في علم اللغة نصيبهم أو خف في علم الشريعة وزنهم فتناولوا القرآن بعقول لا تراعي في فهمه قوانين البلاغة ولا تدخل في تفسيره من باب السنة الصحيحة فأدخلوا في تفسير القرآن آراء سخيفة ومزاعم منبوذة، ووجدت هذه المزاعم عند العامة وأشباه العامة تقبلاً.

وشر من هؤلاء طائفة الباطنية الذين هم رهط من المجوس ائتمروا على أن يكيدوا للإسلام بتأويل القرآن على وجوه غير صحيحة ليصرفوا الناس عن محجته البيضاء ويأخذوهم إلى ما شاءوا من نحل خاسرة وأهواء وعلى الرغم من أن الله قيض لهم من يكشف سوءاتهم ويدفع كيدهم إلا أن شرهم لم ينقطع عن المكر بكتاب الله وتحريف كلمه عن مواضعه ليقضوا مآرب ويشفوا صدور قوم لا يؤمنون.

ثم قامت الفرقة البهائية منذ عهد غير بعيد لتقتفي أثر الباطنية، تجهد نفسها إجهادهم وتهذي في تأويل كتاب الله هذيانهم، وقد استهوت بعض النفوس الغافلة، يوم أن كان دعاتها يراؤون الناس ويضعون على ألسنتهم مسحة من الدين الحنيف، أما اليوم فقد غرهم الغرور فأعلنوا نحلتهم حتى أصبح الناس على بينة من باطن أمرهم فليس لهم إلا أن ينقض بناؤهم ويحذر المسلمون حبائل دعاتهم.

ويضاهي البهائية وأسلافهم الباطنية في العمل لتقويض أصول الإسلام، على طريقة التأويل نفر يضعون على رؤوسهم بياضًا ويحملون في صدورهم سوادًا، قد لعبت الغواية بقلوبهم يؤولون القرآن الكريم على ما يوافق شهواتهم ويقضي حاجات في نفوس سادتهم لا يرقبون في اللغة العربية ذمة ولا يَرْعُون لسنة أفضل الخليقة حرمة، وتراهم ينبذون ما يقرره أئمة العربية وأئمة الدين نبذا لا يتكئ على دليل بل يطلقون السنتهم فيهم وقد خدموا العلم والدين وإنما يعرف الفضل ذووه.

ومن هؤلاء النفر صاحب كتاب «الهداية والعرفان» الذي تقدم ذكره ومن يقرأ ما جاء في هذا الكتاب لا يرتاب أن صاحبه جامد على المحسوسات، جاحد لكثير مما أخبر به القرآن، منكر لأحكام قررها القرآن وبينتها السنة، وأجمع عليها الصحابة وأئمة الإسلام من بعدهم جيلاً بعد جيل ولكنه يريد أن يجد دليلاً لأفكاره بما يرتكب في الآيات من سوء التأويل.

ونحن نضع بين القراء أمثلة من هذا الكتاب ليعلموا أن رئاسة الأزهر الشريف قد قضت بسعيها في حجره وإتلافه واجبًا هو حماية العامة من أن يقرأوا إلحادًا في آيات الله غير مقرون بما يكشف القناع عن وجهه القبيح وضلاله البعيد.

تأويله لآيات المعجزات:

يقول الإمام - يرحمه الله -: ينكر ذلك المؤول المعجزات صراحة فقد قال - ممهدًا لضلاله البعيد - وإن آياتهم - أي الرسل - على صدق دعوتهم لا تخرج عن حسن سيرتهم وصلاح رسالتهم وأنهم لا يأتون بغير المعقول، ولا بما يبدل سنته ونظامه في الكون، وقد قال في ص (161): وبعد هذا تعلم أن الله ينادي الناس بأنهم لا ينبغي أن ينتظروا من الرسول آية على صدقه في دعوته غير ما في سيرته ورسالته.

وهو في هذا التأويل يجري وراء طائفة البهائية فإنهم ينكرون للرسل - عليهم الصلاة والسلام - معجزات صرح بإنكارها داعيتهم المسمى، أبا الفضل. فقد ذكر المعجزات في كتابه المسمى «بالدرر البهية» وقال:

وكثير من أهل الفضل وفرسان مضمار العلم اعتقدوا أن جميع ما ورد في الكتب والأخبار من هذا القبيل كلها استعارات عن الأمور المعقولة والحقائق الممكنة مما يجوزه العقل المستقيم.

وقد أخذ ذلك المؤول يتقصى الآيات الواردة في شأن المعجزات وينحو بها نحوا يخرجها أن يكون فيما تدل عليه خارق للعادة ولا يندى جبينه حياء أن يتعسف في التأويل، فيأتي به بعيدًا من مواقع حسن البيان، خارجًا عن المعقول من دلالة الألفاظ.

أمثلة من تعسفه في التأويل:

1- أنظر ما صنع في قوله تعالى: «وأوحينا إلى موسى أن ألق عصاك فإذا هي تلقف ما يأفكون». فقد ذهب بالعصا إلى معنى الحجة وقال: «يصور لنا كيف كشفت حجته تزييف حجتهم حتى سلموا به وآمنوا به» وقال في قوله تعالى: «وأن ألق عصاك» وقوله تعالى: «اسلك يدك في جيبك تخرج بيضاء من غير سوء» (القصص: 32) تفهم من تمثيل هذه الرواية أن الله أعد موسى وهيأه للدعوة وأراه كيف يتغلب على خصمه بالبرهان والحجة.

وقال عند قوله تعالى: «فألقى عصاه فإذا هي ثعبان مبين. ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين» (الأعراف 107. 108) أنظر كيف التمثيل في قوة الحجة والبرهان.

وهكذا سار هذا المؤول في تأويله خلف مهذار البهائية المسمى أبا الفضل حيث ذكر في صفحة 51 من كتابه المسمى الدرر البهية «إن أهل الفضل - فيما يزعم - فسروا العصا بأمر الله وحكمه وقال: إن موسى - عليه السلام - بهذه العصا غلب على فرعون وجنوده ومحا حبائل عتوه وجحوده» وذكر في (ص53) من ذلك الكتاب أن اليد البيضاء عبر بها عن الرسالة.

يقول في قوله تعالى: «أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير» (آل عمران/ 49) محرفًا قوله تعالى «أخلق لكم من الطين» عن حقيقته حيث قال: يفيدك التمثيل لإخراج الناس من ثقل الجهل وظلماته إلى خفة العلم ونوره، وتردد في معنى ابراء الأبرص فقال: فهل عيسى يبرئ بهذا المعنى: بمعنى أن يكمل التكوين الجسماني بالأعمال الطيبه، أم بمعنى أنه يكمل التكوين الروحي بالهداية الدينية؟.

ثم يوغل في التعسف في تأويله فيقول: «واعلم أن قصة موسى في العصا واليد كقصة عيسى في إحياء الموتى وشفاء المريض ، كلاهما يتشابه في معناه على الناس.

وهو في ضلاله هذا ما زال يمشي خلف ذلك البهائي سالف الذكر المسمى أبا الفضل حيث يقول في كتابه «الدرر البهية» (ص53) مبينًا معنى هذه المعجزة وهو يتحدث عن بني إسرائيل: «حتى إذا انتهت دورتهم وانقضت مدتهم وماتت قلوبهم وبرصت بالذل جباههم وجنوبهم فرجعوا من أسر الفراعنة إلى أسر القياصرة وعن عبادة المصريين إلى عبادة الرومانيين، حينئذ طلعت شمس الحقيقة عن أفق بلاد الجليل وارتفعت نغمات الانجيل فأحيا الله تعالى بأنفاس عيسى - عليه السلام - بعضًا من تلك النفوس الميتة وبرأ بيده المباركة جملة من الجباه المبروصة» أهـ

وهكذا يتوالى زخرف القول، يخفي جحودًا لمعجزات الرسل وصرفًا لآيات الله عن معانيها المفرغة في لفظها العربي المبين الذي نزل به الروح الأمين.

يقول تعالى «أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله» (آل عمران/ 49) والمعنى الذي يعقل من الآية: أني أصور لكم من الطين شيئًا على هيئة الطير فانفخ فيه فيكون طيرًا حيًا بأمر الله وأبرئ الأعمى والذي به وضح وأعيد الحياة إلى جسم من فقد الحياة، أفعل كل ذلك بأمر الله.

أما إخراج الناس من ثقل الجهل إلى خفة العلم وإبراء الجباه المبروصة - أي المصابة بالبرص - وهو في نظره برص الذل فلا يصح حمل الآية عليها لبراءة القرآن من مثل هذه الاستعارات التي بلغت غاية في التكلف والتعقيد تذهب عندها الفصاحة وحسن البيان ويضيع المعنى الذي يعقل من الآية.

(وإلى حلقة جديدة إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news