العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

النتائج الحتمية لأساليبنا التربوية

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ١٠ ٢٠١٨ - 10:34

التربية هي العملية الموجهة نحو تغيير السلوك على المستوى الفردي والجماعي بهدف أن يكون الفرد والمجتمع دائمًا أحسن حالا، وتستخدم في ذلك مختلف الوسائل المعينة على تحقيق هذه المهمة (الفكر التربوي الحديث، سيد اسماعيل علي (بتصرف) نقلا عن: بناء الشخصية الإسلامية في السيرة النبوية، نظمي خليل أبو العطا موسى، دار السلام للطباعة والنشر، القاهرة: مصر (ط1) (ص29) (2013م).

وتقوم المؤسسات التربوية وفي مقدمتها البيت والمدرسة والمؤسسات الدينية بدور رئيس في عملية التربية، فإن كانت عملية التربية عملية شورية تتم في بيئة تسودها الحرية، والتعلم الجماعي والتعاوني والإبداعي تعلم المتعلم كيف يعمل بحرية في وسط جماعي تعاوني، والأخذ بالشورى وإبداء الرأي في حرية منضبطة ومنظمة والنزول على رأي المجموعة حتى لو خالف رأيه، وإذا كانت عملية التربية عملية استبدادية تخضع لسلطة تربوية عليا خضوعا تامًا وسلبيًا تطبع المتعلم على قبول الاستبداد والرضا به، وعدم الشعور بالظلم واستكان لطاعة الأوامر والتنفيذ دون نقاش ثم إبداء الرأي إن سمحت الفرصة بذلك.

وعندما يلتحق المتعلم بالصف الأول الابتدائي تقوم المدرسة في البداية بعملية تقليم وتنجير (من النجارة) لقولبة المتعلمين داخل القوالب الاستبدادية، والمتعلم المطيع الهادئ الذي يجلس من السابعة صباحًا حتى الثانية ظهرًا دون خروج عن النظام التقليدي أو الضجر منه، هذا المتعلم في نظر المعلمين والمعلمات والإدارة المدرسية هو التلميذ المطيع والمؤدب، أما المتعلم المتحرك، والطارح للأسئلة المناقش لما يطرح عليه فهو تلميذ لا يطاق ولا يمكن القبول به، لأنه يعطل المدرس أو المدرسة عن تنفيذ المنهاج وفق الخطة العليا وعليه أن يجلس هادئًا ويردد ما يملى عليه وإلا تم النفور منه واستدعاء ولي أمره فالحل الوحيد أمام المدرسة هو التخلص من هذا التلميذ الشاذ عن القطيع بأي طريقة ممكنة خوفًا من انتقال عدواه إلى زملائه في الصندوق الأسود (الصف).

هذا النظام التعليمي يقوم بعملية قولبة وصب وطربشة (من الطربوش) وعملية تنجير للزوائد والخصوصيات الفردية ليتحول المتعلمون إلى أزلام متماثلة تجلس على المقاعد وكأنها مقيدة بقيود المناهج الحديدية البادية العيان للعارفين التربويين والغائبة عن عيون المعلمين والمعلمات والمربين التقليدين الخاضعين للسلطة التربوية العليا، وتلقي الأوامر والتعليمات وتطبيق النشرات دون حوار أو نقاش وفهم أو إدراك، ثم تأتي الاختبارات النهائية ونظم التقويم لتقيس مدى التطبيق للمنهاج والخضوع لسلطة الكتاب المدرسي الذي يعد المعلم العدة للانقياد لما فيه، ويتابع الإشراف التربوي مدى الالتزام الحرفي والوقتي وإعداد المعلم للخطة الدراسية وتنفيذ المنهاج المؤكد على عمليات الحفظ والاستظهار والشحيح في الأنشطة الحرة في البيئة المحيطة بالمدرسة.

وتأتي الاختبارات المؤكدة على مدى الانصياع للمنهاج الفوقي، والتصحيح لإجابات المتعلمين وفق إجابة نموذجية معدة سلفًا للتصحيح المركزي، وأي حيود عن الإجابة النموذجية خروج عن المطلوب حتى ولو كانت الإجابة إبداعية وصحيحة وعلمية ومتميزة وفريدة.

وتأتي التربية الأسرية لتؤكد لابنها أهمية الانصياع الحرفي لما في الكتاب وما سيأتي في الامتحانات وما يؤدي إلى الحفظ والصم، ويأتي دور المدرس الخصوصي الذي يؤكد تلك الاتجاهات وعلى الابن أن يكون هادئًا مستسلمًا مطيعًا حافظًا لما يملى عليه حتى ولو كان مغايرًا لما يرى وكل هذا يصب في اتجاه القابلية للاستبداد والانصياع الأعمى للمطلوب، والتأكيد على الفردية وتكون النتيجة هذه القطعان من المتعلمين المتقبلين للعبودية.

وتقوم المؤسسات الدينية بشرعنة السلطة الأبوية والطاعة العمياء للنائب عن الله سبحانه وتعالى في الأرض وتفتح غرف الاعتراف، وكشف العيوب ويباح التشريع (اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُواْ إِلاَّ لِيَعْبُدُواْ إِلَـهًا وَاحِدًا لاَّ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة (31)، وقد بين المعلم الأول للبشرية صلى الله عليه وسلم أن العبادة المقصودة في الآية السابقة هي اتباع ما يشرع الأحبار والرهبان خلافًا لمنهاج الخالق سبحانه وتعالى، فالله سبحانه وتعالى شرع تحرير العباد من العبودية للعباد، وهم أبوا إلا العبودية لهم، وكذلك الطاعة العمياء للفقيه والبحث عن المفتي المتساهل والمفرط في الشرع والأدهى وأمر استشعار المفتي لما يريده المستفتي والإفتاء به، وطاعة الناس لهم رغم المخالفة الواضحة لشرع الله وهذا نوع من العبادة يماثل عبادة الأحبار والرهبان، وكذلك دعاء الأموات والتبرك بقبورهم ومن يفعل ذلك تصبح عنده القابلية للعبودية للعباد، وقد استغل بعض رجال الدين هذه القابلية واستعبدوا الناس وخدروهم باسم الدين والطاعة لهم، والأصل في الدين كما قال ربعي بن عامر رضي الله عنه لرستم قائد الفرس قال: (الله ابتعثنا لإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد) والله تعالى يقول: (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أصحاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (البقرة 257).

والحرية نور والاستعباد ظلمات ومن رضي بالاستعباد وطابت نفسه لذلك فقد خرج من دائرة النور إلى سراديب العبودية والظلام.

والسؤال المطروح الآن بشدة ماذا جنينا من التربية الاستبدادية؟!

جنينا من التربية الاستبدادية في البيت والمدرسة والمؤسسات الدينية هذا السلوك الجماعي لغياب التفكير والإبداع والمراقبة الذاتية (اتق الله حيثما كنت) مع القابلية لقبول الطائفية المقيتة وما يترتب عليها من فتن، ورفض الآخرين والعمل على إدخالهم في كهف الطائفية أو الوصم بالخروج من الملة، واللجوء إلى العنف لإرغام الآخرين على القبول بما تمليه السلطة الدينية الاستبدادية مع القبول للأفكار والسلوكيات الشاذة ورفض التعايش والتعاون والتآخي الوطني والعمل بالمواطنة التي تجمع الجميع تحت مظلة الحرية في الرأي، والحرية في الحوار والنقاش والاعتقاد كما قال تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‭{‬256‭}‬ اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إلى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إلى الظُّلُمَاتِ أُوْلَـئِكَ أصحاب النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‭{‬257‭}‬) (سورة البقرة 256 – 257).

 فعندما يتعلم الإنسان التعليم الصحيح الفعال بالطرائق التربوية الصحيحة تحدث له عملية تعلم فعال فيستطيع التمييز بين الرشد والغي وتمحيص الصحيح من السقيم والتخلص من تسلط الطغاة ولا يتهم على عقله وتفكيره وسلوكه وهنا تترك له حرية الدخول في الدين عن قناعة وعلم كما قال تعالى (وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا) الكهف (29)، وعلى العبد تحمل نتائج اختياره، فلكل عبد حرية الاختيار، فإن رضي بالحرية وآمن على علم وبصيرة نال جزاء الإيمان والعمل الصالح، ومن كفر عن تفكير واختيار حر أصابته نتيجة عمله.

التربية الخلقية العقلية الشرعية الصحيحة هي الطريق للسعادة في الدنيا والآخرة والتربية الاستبدادية والاستذلالية هي طريق القبول بالذل في الدنيا والآخرة.

علينا إن نتقي الله في تربية أبنائنا وإخراجهم من الصندوق الأسود في التربية والتعليم (الصف) الخروج بهم إلى الحرية والتعليم المتميز والتعلم الفعال والاختبارات التي تقيس مدى استخدامه لنعم القدرات العليا في عقله، ونحن شركاء إن أصلحنا في تربية أجيالنا، وشركاء لهم في العذاب إن أسأنا تربيتهم وحرمانهم من إعمال القدرات العقلية العليا قال تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا‭{‬9‭}‬) النساء (9). 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news