العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٦ - السبت ١٥ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

مقال رئيس التحرير

أنـــور عبدالرحمــــــن

خطاب مفتوح إلى رئيس وزراء كندا جاستن ترودو

عزيزي رئيس الوزراء..

لقد فكرت مليًّا قبل أن أكتب إليك هذا الخطاب، وقد شجعني على كتابته ما هو معروف عنك من أنك ليبرالي رائد فيما يتعلق بشؤون بلادك. شجعني هذا على أن أعبر عن آرائي وأفكاري بصراحة ووضوح.

الليبرالية كما تعلم تقوم في جوهرها على الانفتاح العقلي، وعدم التعصب، وتأييد الإصلاحات السياسية والاجتماعية المعتدلة في أي مجتمع.

ولعلمك الخاص، نحن أيضا ليبراليون ونتبنى هذه القيم العامة لليبرالية.

الكلُّ يعلم أن تقَدُّم أي أمة هو عملية لا يمكن أن تتحقق فجأة دفعةً واحدةً، وإنما تتطور بالضرورة بالتدريج بحسب ظروف وأوضاع المجتمع. وأنت بالتأكيد على عِلم تامٍّ بالإصلاحات العامة التي أقدمت عليها السعودية في العامين الماضيين، وخصوصًا الإصلاحات المتعلقة بالنساء.. هذه الإصلاحات تعتبر بشهادة الجميع تاريخيةً بكل معنى الكلمة. والكل يعلم أن هذه الإصلاحات هي بداية لعملية تغيير حسَّاسة وبعيدة المدى.

الأمر الغريب الذي فاجأنا هو أنكم من أجل سيدة واحدة تسمي نفسها «ناشطة سياسية» لا تتحلى بأي قدر من المسؤولية وتجري محاكمتها، ولا يهمها سوى أمور شخصية بعيدةٍ عن المصلحة العامة، لم تترددوا في تعريض علاقات قوية وقيِّمة مع السعودية للخطر، وبدا أنكم مستعدون للتضحية بهذه العلاقات.

لقد كان أمرًا غريبًا ومستهجنًا أن تبادر حكومتك بسرعة بإصدار بيان مضلل ويعد تدخلا سافرًا في شؤون داخلية.

عليك أن تعلم أن حكومات دول غربية كبرى كان لديها من الحكمة لأن تدرك أن السياسات التي تتبعها المملكة العربية السعودية فيما يتعلق بحقوق النساء تسير في الاتجاه الصحيح، لكنها تحتاج إلى الوقت حتى يتقبلها المجتمع السعودي نفسه بالكامل؛ ذلك أن هذه السياسات تهدف إلى تحقيق إصلاحات واسعة بعيدة المدى. والحقيقة التي يعلمها كثيرون أن أعدادا كبيرة من النساء السعوديات المحافظات منزعجات من الإقدام على كل هذه الإصلاحات وبهذه السرعة.

إن الملوك ليسوا حكاما دكتاتوريين، لكنهم فيما يُقدِمون عليه من سياسات وإصلاحات يأخذون بعين الاعتبار معتقدات المجتمع وتقاليده الاجتماعية والنفسية.

ونحن في الصحافة الوطنية، بغض النظر عن تقديرنا لليبرالية وقيمها، نؤمن إيمانًا راسخًا بأن أي تغييرات أو إصلاحات يجب أن تحظى بالرضا والقبول، ليس فقط من جانب الجيل الشاب الجديد في السعودية، ولكن أيضا من جانب أمهاتهم وجداتهم.

نحن نؤمن بهذا لأننا، ولنكن صرحاء هنا، لا نريد أن ينتهي بنا الأمر إلى الغرق في الفساد الأخلاقي مثل كثير من الدول الغربية.

لقد تشكل نمط حياتنا وطبيعتها كما هي اليوم عبر عملية تعليمية وتربوية لم تنفصل يومًا أو تنحرف عن جوهر الدين. وفي السعودية، توجد آلاف من النساء يتولين مناصب مهمة، تلقَّين التعليم في أفضل الجامعات الغربية، والجامعات السعودية أيضًا.

وعليك أن تعلم أيضا أننا في دولنا نرفض بشدةٍ سلوكيات كثير من النساء في الغرب ونعتبرها لا أخلاقية وتؤذي المجتمع، وهذه السلوكيات موضع استهجان حتى من كثير من الأمهات وقوى المجتمع في الغرب.

بعبارة أخرى، فإن الغرب بقيمه وتقاليده ليس دائمًا مثالا جيدًا يمكن أن يُحتذى بالنسبة إلى الدول الآسيوية التي لديها معتقدات دينية وقيم وتقاليد مختلفة.

دعنا ننظر إلى الهند كمثال، وهي بلد يعيش فيه أتباع عديد من الديانات.. المسيحيون في الهند يفكرون ويعيشون ويتصرفون بشكل مختلف عن المسيحيين في الدول الغربية. وعلى الرغم من أن الهند تحتضن الهندوسية والإسلام والمسيحية، فإن الثقافة والتقاليد الهندية هي التي تسيطر على المجتمع وتحكم تفكيره وتصرفاته.

المعنى الواضح هنا هو أن ما يناسب كندا، وما هو مقبول فيها، ليس بالضرورة محل قبول من الآخرين أو مناسبًا لهم.

قبل أن أكتب هذا الخطاب، ناقشت الأمر مع عديد من الشابات البحرينيات على أعلى درجة من التعليم، ولديهن نظرة متحررة.. وقد اتفقن جميعًا في الرأي على أننا يجب أن نحافظ على هويتنا وعلى تقاليدنا لأنها مُستمدة من قيم دينية وثقافية عميقة الجذور، ولا يمكن أبدا أن نُضَحي بها تقليدًا للغرب أو سيرًا في ركابه. قُلن بوضوح إن الغرب بقيمه وتقاليده ليس دينًا، والدول الغربية نفسها تعاني من مشاكل وأمراض وأزمات اجتماعية أصبحت تمثل كارثة بالنسبة إلى عديد من المجتمعات الغربية، وهي كارثة من صنع الإنسان.

والحقيقة أن الدين في الغرب، باستثناء الولايات المتحدة، أصبح شيئًا من الماضي، ويتم النظر إليه على اعتبار أنه أمرٌ متخلفٌ يُعبِّر عن التحجر ولا يتماشى مع العصر.

على العكس من هذا، فإن الدين في الدول الآسيوية هو الرابطة التي تجمع كل قوى المجتمع وتعطيها القوة.

وبالإضافة إلى كل هذا، من المعروف أن أي شخص يقول أو يدعي أنه ليبراليٌّ لا يجوز أبدا أن يسعى إلى فرض قيمه على الآخرين، وليس مقبولا أبدًا أن يحاول تحقير قيم الآخرين أو التقليل من شأنها.

السيد رئيس الوزراء..

قبل أن أنهي خطابي، دعني أروي لك هذه الحكاية الشخصية عن صديق إنجليزي على درجة عالية من التعليم، ابنته متزوجة من بحريني. هذا الصديق الإنجليزي حين رأى حفيدتيه وقد نشأتا وتربيتا في مجتمعنا البحريني المحافظ، قال لي يوما: «إنني سعيد سعادة غامرة بأن أرى حفيدتَيَّ تتربيان وتنشآن بشكل شريف ونقي، وتعيشان في كنف وحماية مجتمع يتحلى بالفضائل والقيم النبيلة، ويُكنُّ احترامًا كبيرًا للنساء. وللأسف، فإن كثيرًا من الأطفال في الغرب يفقدون براءتهم في سنٍّ مبكرة جدًّا».

أمر أخير عليك أن تدركه جيدا..

السعوديون يعلمون أكثر من حكومتك بكثير جدًّا كيف يحترمون ويقدِّرون ويحمون زوجاتهم، وبناتهم، وأمهاتهم، وأخواتهم.

أنور عبدالرحمن

إقرأ أيضا لـ"أنـــور عبدالرحمــــــن"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news