العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

وسائل التواصل الاجتماعي.. التحديات والفرص

مركز الخليج للدراسات الإستراتيجية

الخميس ٠٩ ٢٠١٨ - 01:15

في ما يزيد قليلا على عقد من الزمان، تطورت «وسائل التواصل الاجتماعي»؛ لتصير عنصرا حاسما في حياة الناس اليومية في جميع أنحاء العالم، حتى أصبحت تمثل عاملا أساسيًا في أذهان صانعي السياسة، والأكاديميين، والمعلقين المعاصرين، ومكوّنًا مُشكلًا سياسيًا، واجتماعيًا، واقتصاديًا في عالم اليوم، لدرجة أن ذهب عدد من المحللين، بما في ذلك المؤلف، والأكاديمي، «باراج خانا» لاعتبارها في مجلة «فورين بوليسي»، بأنها «أكثر قوة من العديد من البلدان».

ويمكن تعريف وسائل التواصل بأنها «تقنيات موجودة على شبكة الإنترنت يستخدمها الناس للتواصل، والتفاعل مع بعضهم البعض». وفي بعض الأحيان، يشار إليها على أنها المحتوى الذي يتم إنشاؤه باستخدام مواقع التواصل الاجتماعي، والتي من أهمها «تويتر، وفيس بوك، وواتساب، ولينكد إن»، والتي تشجع على إنشاء وتبادل المحتوى، والذي يتراوح ما بين رسائل نصية، إلى صور ومقاطع فيديو.  

وقد تطور المصطلح؛ ليشمل كل أدوات التواصل الإلكتروني الموجودة خلال القرن الحادي والعشرين. ويستخدم بعض الأشخاص عبارة «وسائل الإعلام الاجتماعي» على نطاق أوسع، لوصف جميع أنواع الظواهر الثقافية التي تنطوي على التواصل. ومعظم أشكال هذه المواقع، إلكترونية، وتسمح للمستخدمين بالتفاعل باستخدام أجهزة الكمبيوتر، والهواتف الذكية، والإنترنت، وتعتبر بمثابة جزء من أو أحد أنواع وسائل الإعلام الاجتماعي. وعلى الرغم من ذلك، فإن مفهوم «مواقع التواصل»، عادة ما يشير إلى واحدة من الصفات الأكثر أهمية بين جميع وسائل الإعلام الموجودة على الإنترنت وهي: «القدرة على التبادل الحيوي للمعلومات بين الأفراد، أو المجموعات».

 وتاريخيا، كان أول ظهور لتلك المواقع في أواخر القرن العشرين، وكان أشهرها «فيس بوك» الذي ظهر في أواخر عام 2003، و«تويتر»، عام 2006. واليوم، هناك ثلاثة مليارات شخص حول العالم يستخدمون هذه المواقع؛ أي ما يعادل 40% من سكان العالم. فيما نقضي في المتوسط نحو ساعتين يوميا في تصفح هذه المواقع والتفاعل من خلالها، وهناك نحو نصف مليون تغريدة، وصورة تنشران على موقع مثل «سناب تشات» للمحادثة كل دقيقة.

وقد أدى العدد المُتزايد، من حيث العضوية والعائدات، والوصول العالمي إلى تلك المواقع، إلى حالة من الانقسام بين أوساط المحللين، حول أفضل طريقة للتعامل معها. فالبعض، يراها مصدر «قوة شريرة»، والبعض الأخر يرى عكس ذلك. 

ويستند أنصار «الفريق الأول» إلى إمكانية أن تمثل «تحديا للسيادة الوطنية والوحدة الاجتماعية والمسؤولية»، مع كون هذه المواقع فضاء مفتوحًا؛ ما يجعل من السهل على القوى الخبيثة الاستفادة من هذه المزايا والخصائص لزرع الشقاق ونشر الأكاذيب وتأجيج الأيديولوجيات الخطرة، وظهور حملات التضليل، أو الأخبار المُزيفة، ونشر الدعاية الإرهابية في جميع أنحاء العالم.

وربما تمكّنت كل هذه التأثيرات السلبية لوسائل التواصل من التطور بسبب خاصيتين هما: «افتقارها للمساءلة، وعدم الكشف عن هوية من يقف وراءها، كونها شبكات متاحة عالميا، حيث تسمح مواقع مثل «الفيس بوك»، لأي شخص بنشر المحتوى، سواء كان حقيقيًا أو خاطئًا. وفي كثير من الأحيان، يكون هذا المحتوى بعيدًا عن متناول الحكومات، على الرغم من التشريعات التي تم سنها لمراقبة السلوك غير المرغوب فيه عبر هذه الوسائل. فعلى سبيل المثال، سنت ألمانيا قانونًا لمكافحة التعليقات المحرضة على الكراهية المنشورة عبر الإنترنت في عام 2018، واستخدمت بريطانيا قانون الحماية من التحرش الإلكتروني والمضايقات لعام 1997 لملاحقة المتصيدين، أو «الترولز»، وهو شخص يساهم بتعليقات، أو كلام مثير للجدل عبر الإنترنت، والذين يصدرون تهديدات بالعنف؛  إلا أنه مع ذلك تمثل مواقع التواصل تهديدا ما لتلك الدول. 

وقد رصد موقع «بيزنس إنسايدر» الأمريكي 6 دول حول العالم، تحجب مواقع التواصل، هي: تركيا، وإيران، وباكستان، والصين، وكوريا الشمالية، وفيتنام، فيما لا تزال بعض الدول تفرض الرقابة السياسية، والقيود على شبكة الإنترنت، حيث وصفت «منظمة مراسلون بلا حدود» 19 دولة بـ «أعداء الإنترنت»؛ لاتخاذها إجراءات تتراوح بين الحرمان من الخدمة في بريطانيا، إلى قيام كوريا الشمالية ببناء شبكة الإنترنت الداخلية الخاصة بها. ومع ذلك، فإن الحجم الهائل للتفاعل الذي يحدث يوميًا يجعل عملية الرصد والتصدي لهذه القضايا أمرًا صعبًا من الناحية اللوجيستية، ومع متوسط 6000 تغريدة يتم إعدادها في الثانية؛ أي ما يعادل ما يقرب من 500 مليون يوميًا، على سبيل المثال، تواجه كل من الحكومات الوطنية، وشبكات التواصل الاجتماعي نفسها مهمة مستحيلة في تصفية تلك التفاعلات بشكل كامل. ووفقًا لـ «هانت ألكوت»، و«ماثيو جينتزكوف»، فإن «أكثر من 60% من الأمريكيين البالغين يحصلون على أخبارهم الأساسية عبر وسائل التواصل، والتي غالبا ما تكون مزورة ومفبركة، وهو ما حدث أثناء الانتخابات الرئاسية الأمريكية عام 2016». 

ولعل الهدف من هذه الأنشطة التخريبية، هو في كثير من الأحيان يتفق مع ما يصفه كل من الباحثين «مايكل دي ريتش»، و«جينيفر كافاناغ»، بمؤسسة «راند» الأمريكية بأنه «تشويه للحقيقة»، أو عملية تسعى من خلالها المجموعات، والأفراد لزيادة حالة «الارتباك والبارانويا» داخل المجتمعات الوطنية لخدمة أغراض أيديولوجية، أو سياسية معينة.

 وغالبا ما يستغل معدو هذه الأخبار المزورة مواضيع خلافية، مثل: الهجرة، والجريمة، والسياسة الخارجية، من أجل نشر الفتنة المجتمعية عبر تداول قصص، وسيناريوهات كاذبة تثير وتيرة الغضب، حيث تستخدم مثل تلك الأكاذيب على أنها «حقيقة»، كما يقول «ديفيد لازر» في تقريره لمركز «شورنشتاين» للإعلام والسياسة في جامعة هارفارد إنه «يتم ترسيخ هذه الأفكار المضللة، واستخدامها لتطبيع أفكار ما، أو لخلق حالة من التشدد داخل عقلياتنا تجاه قضايا بعينها، وذلك لتحفيز وتبرير العنف تحت أي صورة». وقد شوهد ذلك في الآونة الأخيرة من خلال المواد المضللة التي نُشرت خلال حملة «البريكست 2016» في بريطانيا، والانتخابات الرئاسية الفرنسية  2017. 

ومع ذلك، هناك العديد من الحالات الأكثر خطورة كونها تتعلق باستخدام جهات دولية لأخبار مزيفة ومعلومات مضللة لمهاجمة دول وخصوم لها للحصول على «مزايا جيواستراتيجية، وسياسية». وفي طليعة تلك الجهات كانت روسيا، التي ثبت أنها اخترقت عددًا من الدول من أجل تشويه الكثير من الحقائق والإحصاءات، بهدف إضعاف أعدائها. وفي هذا الصدد أشار «تود سي. هيلموس» وآخرون، بمؤسسة «راند» إلى ما قامت به من حملات في أوكرانيا ودول البلطيق، وذكروا أن الدعاية التي مارستها في المنطقتين، تهدف إلى «تلويث بيئة المعلومات المتوافرة لصانعي السياسات في لحظات الضغوط السياسية، أو بغرض تقويض الثقة في المؤسسات الوطنية».

 ولعل الحالة الأشهر، هي التدخل الروسي في الانتخابات الرئاسية الأمريكية من خلال نشر أكاذيب استفزازية وتضليلية في جميع أنحاء الولايات المتحدة على عدد من مواقع التواصل، مثلما أشار «ألكسندر بابوتا»، و«جيمس سوليفان»، بالمعهد الملكي للخدمات المتحدة بلندن، إلى أن «الفيس بوك أخبر الكونجرس بأن الجيش الجمهوري الأيرلندي قام بنشر حوالي 80 ألف محتوى وصلت إلى حوالي 29 مليون مستخدم أو ما يقرب من 10% من سكان الولايات المتحدة الأمريكية  في الفترة ما بين يناير 2015 وأغسطس 2017».  

وعلى العكس من ذلك، يشير أنصار «الفريق الثاني»، إلى الخصائص التي تميز وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تعنى بالتطورات الإيجابية المعنية بتعزيز التواصل بين المجتمعات، والأفراد في جميع أنحاء العالم. ولعل السرعة التي تسافر بها الأخبار تتيح للحكومات والمنظمات والأفراد الاستجابة للأزمات بشكل أكثر كفاءة، في حين أن شفافية هذه المواقع توفر للمواطنين إمكانية أكبر للوصول إلى المشاركة في العمليات السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، كما تعدّ وسيلة للتواصل بين الحكام، وصناع القرار، والجمهور، أو بمثابة «الإعلام البديل»، الذي يمارس فيه النقد، ويولد أفكارا وأساليب لها أهميتها، وأيضا طرقا جديدة للتنظيم والتعاون والتدريب بين أفراد المجتمع، فضلا عن أنها تسهم في إعلاء قيم المعرفة والنقد والمراجعة وحوار الذات، وتقوم بدور في عمليات التحشيد السياسي، وتوجيه الرأي نحو القضايا محل الاهتمام، وتساعد على تبادل الأفكار والآراء والمعلومات بين أطياف متعددة. 

فمثلا، نجحت مواقع مثل «تويتر»، و«فيس بوك»، في تقويض الحواجز القديمة أمام تبادل المعلومات التي كانت موجودة في الماضي. فاليوم، يُمكن لأي شخص لديه إمكانية الوصول إلى الإنترنت تحميل وقراءة ونشر الأخبار والآراء. ويتمثل أحد الآثار المترتبة على ذلك في جعل سكان العالم أكثر معرفة؛ نظرا لتوافر المعلومات. وعلاوة على ذلك، فهي تساعد في «تمكين الأفراد العاديين»، وهو ما أشارت إليه «إيلين جو» في تقريرها عام 2016 للمنتدى الاقتصادي العالمي،  من «أنها تسمح للمواطنين بأن يكونوا مصدر الأفكار والخطط والمبادرات بطريقة أسهل من أي وقت مضى، وتشجع على المزيد من الشفافية الحكومية ومشاركة المواطنين». وأحد الأمثلة على ذلك، استخدام هذه المواقع لتنظيم عمليات الإنقاذ استجابةً للكوارث الطبيعية، وتسهيل عملية الإغاثة، حيث  أشارت «هيثر ليزون»، خبيرة مواقع التواصل الاجتماعي إلى أنه يمكن «للمستجيبين الرقميين استخدام وقتهم ومهاراتهم التقنية، في المساعدة في فيما يخص قلة المعلومات عن المساعدات الإنسانية الرسمية في الميدان». 

غير أنه وفقا للعديد من المراقبين، فإنه من أجل تقديم فحص شامل لمزايا وسلبيات مواقع التواصل الاجتماعي، من المهم أولاً، إدراك طبيعتها ككيان اجتماعي وسياسي واقتصادي حديث. فعلى الرغم من انتشارها على مستوى العالم، فإن استخدامها يتصف في الواقع بكونه «ظاهرة طبقية»، حيث تختلف مستويات استخدامها في جميع أنحاء العالم، مع كونه أكثر شعبية في الدول النامية عن الدول المتقدمة. ويرصد ذلك «داريل ام. ويست» من معهد «بروكينجز»، في تقريره لعام 2017، من أن منطقة الشرق الأوسط، هي المنطقة الأعلى نسبة من مستخدمي مواقع التواصل، فهناك ما بين 86 – 88% من مستخدمي الإنترنت لديهم حسابات على أحد المواقع. مع حقيقة أن موقع «الفيس بوك» الأكثر استخدامًا على نطاق واسع. ويقابل هذا تقريبا، 82٪ من مستخدمي الإنترنت في أمريكا اللاتينية، و76% في إفريقيا. فيما معظم المناطق المتقدمة مثل: أمريكا الشمالية، والمحيط الهادئ، وأوروبا لديها مستويات أقل بكثير من المستخدمين، حيث بلغ عددهم 71%، و66%، و 65% على التوالي. 

وتشير الأبحاث التي أجرتها «منظمة التحليل الإحصائي»، «بيو» إلى أن هذا التفاوت بين العالمين المُتقدم والنامي يمكن أن يعزى إلى «تباهي الشباب» في مناطق مثل الشرق الأوسط. ففي كونها مفهومًا حديثًا لا يمكن فصله عن بداية التقدم التكنولوجي، أصبحت هذه المواقع أكثر شعبية بين الأشخاص الأصغر سنًا من كبار السن، الذين لا يفضلون أو لا يستطيعون التعامل مع تقنيات الحاسوب. ومن هنا فإن دول آسيا، وأمريكا الجنوبية، وإفريقيا التي لديها عدد كبير من السكان الأصغر سنا من تلك الموجودة في دول مثل ألمانيا، وبريطانيا، واليابان، وكندا، تعكس هذا الاتجاه. ففي تونس 64% من الذين تتراوح أعمارهم بين 18-36 سنة يستخدمون مواقع التواصل، على النقيض من 16% من أولئك الذين تزيد أعمارهم على37 سنة يستخدمونها، بينما في لبنان 90% من الشباب، مقارنة بـ 56% من كبار السن. 

على العموم، مهما كانت وجهات النظر المتباينة حول وسائل التواصل الاجتماعي، هناك نقطة لا جدال فيها، وهي أنها وجدت لتبقى. فالاتفاق السائد اليوم، يؤكّد أنها باتت ذات مكانة بارزة في بناء الرأي العام والتحكم فيه، من خلال نظم تسيير هذه المواقع، التي توجّه الرأي العام حسب ما تمليه الاحتياجات الخاصة بها، لكن يبقى لنا أن نقول إنّ عملية التوجيه، وبناء رأي عام من لدن مواقع التواصل الاجتماعي، ليست بالضرورة سلبية، بل هي بحاجة إلى ترشيد وتوجيه وضبط.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news