العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨١٦ - الثلاثاء ١٦ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

لجنة الـ 300.. وأذرعها الأخطبوطية! حقيقة دور مؤسسة راند الأمريكية (1)

بقلم: حسن علي البنفلاح

الأربعاء ٠٨ ٢٠١٨ - 01:15

تبلورت الفكرة الاولية لمشروع مؤسسة راند الأمريكية قبيل الحرب العالمية الثانية لدواعي إثبات أهمية البحث والتطور التكنولوجي من أجل النجاح العسكري في ساحات المعارك، وجاءت الفكرة نتيجة مجهودات مجموعة كبيرة من العلماء والأكاديميين خارج المجال العسكري. فعندما اقتربت الحرب العالمية الثانية من نهايتها تمت مباحثات بين البنتاجون ومكتب الأبحاث العلمية والتطوير ووزارة الصناعة، تبيّن بوضوح الحاجة إلى هيئة مستقلة تربط بين التخطيط العسكري ونتائج البحث العلمي والتطويري. فكانت بداية المشروع في شهر أكتوبر عام 1945م، عندما تم اجتماع عقده وزير الدفاع الأمريكي آنذاك أرنولد هاب، وأعطى أوامره بإنشاء مشروع للأبحاث والتطوير يعمل لصالح وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وكبداية يكون المشروع بصورة مؤقته وبعقد خاص يعمل مع شركة دوجلاس للملاحة الجوية في سانتا مونيكا بكاليفورنيا.

ظهر أول بحث لمشروع راند (مؤسسة راند) في مارس عام 1946م، تحت عنوان (النموذج التجريبي لسفينة فضاء تدور حول الكرة الأرضية)، حيث اعتنى هذا البحث بإعطاء وصف لتعميم محتمل لنموذج قمر صناعي مع شرح لطريقة أدائه المحتملة وامكانية استخدامه فعليا. وفي عام 1947م وفي مدينة نيويورك وكمرحلة من مراحل إنشاء مشروع راند أقيمت جلسات لتقييم العلماء في مجالات كثيرة كخطوة أولى لاختيارهم لينضموا إلى طاقم الخبراء في المشروع نفسه، حتى وصل عدد الخبراء العاملين في مشروع راند عام 1948م، إلى ما يقارب 200 خبير في شتى الحقول كالرياضيات والهندسة والديناميكا الهوائية والفيزياء والصيدلة والاقتصاد وعلم النفس. وفي شهر مايو عام 1948م استقل مشروع راند بذاته وبشكل نهائي منفصلا عن شركة دوجلاس للملاحة الجوية بعد مضي ثلاث سنوات بعقد خاص معها، ومنذ ذلك التاريخ أصبحت راند مشروعا عسكريا مستقلا يحمل اسم شركة راند أو مؤسسة راند بدلا من مشروع راند مع انها مازالت مؤسسة خاصة تابعة لوزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون). وتغيير الاسم جاء للتغطية والتمويه على نشاط هذه المؤسسة بعد ان تجاوز المرحلة التجريبية وأظهر المشروع كفاءة عالية في المهام التي أسندت إليه خلال عمله التجريبي. ولا يخفى ان الهدف الأساسي من إنشاء مشروع راند أو مؤسسة راند هو القيام بالدراسات الدقيقة والأبحاث العلمية الشاملة لتحسين أو تشكيل السياسات الأمريكية وعمليات صنع القرار السياسي والعسكري، وإعطاء تشكيلة واسعة من وجهات النظر والخيارات السياسية والآيديولوجية والعسكرية وتقديمها على طاولة أصحاب القرار في الحكومة الأمريكية. وهذا يتضح من منهج عمل المؤسسة، حيث يكون مرهونا بالأولويات التي تحددها الحكومة الأمريكية كبحوث لمشاريع تصب في النهاية في المصالح الأمريكية ومن يتحالف معها.

فعلى سبيل المثال ففي أثناء الحرب الباردة مع الاتحاد السوفيتي (سابقا) وفي خضم الأبحاث المتعلقة بالدفاع المبكر وأبحاث الفضاء وشؤون السياسة الخارجية اتجه قسم ابحاث المؤسسة للإحاطة المباشرة بالمشاكل الاجتماعية والاقتصادية التي تفاقمت داخل المجتمع الأمريكي آنذاك. وللعلم فإن مؤسسة راند (RAND-Corporation) اشتقت اسمها من اختصار كلمتي Research and Development والتي تعنى بالأبحاث والتطوير نحو جمع أكبر قدر ممكن من المعلومات بقصد تحليلها وإعداد التقارير والأبحاث التي تركز بالدرجة الأولى على قضايا الأمن القومي الأمريكي في الداخل والخارج، وتسهم في تطوير الكفاءات البشرية والتقنية العسكرية لوزارة الدفاع الأمريكية. كما تعمل مؤسسة راند على مواجهة التحديات التي تهدد المصالح الأمريكية في جميع بقاع العالم، بل إنها في بعض الظروف تقوم بصياغة التوصيات السياسية أو تأييدها. ولديها عهدا ثابتا هو إبلاغ نتائج بحوثها ودراساتها وتوصياتها التي تتوصل إليها كخدمة حكومية تتمثل في شهادات يدلي بها خبراء من المؤسسة أمام الكونجرس الأمريكي.

ومؤسسة راند دائما ما تواجه التحديات في جميع أنحاء العالم من خلال العمل ضمن ثلاثة محاور هي: توقع القضايا المحتملة، والبحث عن طرق جديدة لجمع المعلومات، وتقسيم خريطة العالم إلى أقاليم لتحديد ردة الفعل المناسبة لكل منها.

ولا يوجد مجال أو موضوع يؤثر في المستقبل أو يمس المصالح الأمريكية في الداخل أو الخارج إلاّ ويكون مدرجا ضمن جدول أعمال مؤسسة راند. وللمثال على ذلك انه بينما تتجه بعض أبحاث المؤسسة نحو رسم الخطوط الدقيقة المستقبلية لتطوير صناعة الطائرات العسكرية، يتجه قسم آخر من الأبحاث للتعريف بالأخطار القادمة لوباء السمنة الذي استشرى في المجتمع الأمريكي. وبينما تصدر المؤسسة أبحاثا تحذر فيها من انتشار الجريمة والفساد الأخلاقي بين طلاب الثانويات العامة، نجد أبحاثا لتطوير ردة فعل الأفراد لحماية أنفسهم عند وقوع الهجمات الإرهابية في المستقبل.

من يطلع على التاريخ ومحتوى أنشطة هذه المؤسسة وعلى بعض خدماتها لمصلحة الحكومة الأمريكية، يتضح له بسهولة ما هي إلا مؤسسة استخباراتية مستقلة تعمل بصورة مدنية كخط خلفي للقيادات السياسية والعسكرية الأمريكية في الداخل والخارج، حيث تقوم بتوفير كل المعلومات وتجري الأبحاث والدراسات الاستراتيجية والعسكرية اللازمة لعمليات صنع القرار الأمريكي، أو المحافظة عليه في الحاضر والمستقبل.

فمثلا كان من ضمن إصدارات هذه المؤسسة كتاب (العالم الإسلامي بعد 11/9.

 ( The Muslim world after 11 / 9) ومضمون الكتاب انه بحث تفصيلي يهدف إلى التعرف على الحركات والمذاهب الدينية القادرة على التغيير والتأثير في المشهد الديني والسياسي في العالم الإسلامي، واستكشاف أهم الاختلافات في العالم الإسلامي، وتحديد منابع الراديكالية الإسلامية. وكان من ضمن الفريق الرئيسي لإعداد هذا التقرير شيريل بينارد (Cheryl Benard) زوجة السفير الأمريكي في العراق آنذاك زلماي خليل زاده، والتقرير أعد أساسا بتمويل من القوات الجوية الأمريكية، ويبلغ حجم الكتاب ما يقارب 567 صفحة. ومضمونه الأساسي انه بعد الهجمات الإرهابية في 11 سبتمبر 2001م وما أعقبها من الهجوم الأمريكي على افغانستان والعراق، فإنه من السهل ان ينظر الى الآلة العسكرية كطريقة فعّالة للقضاء على الإرهاب.

ولكن في الوقت نفسه ظهرت دراسة أعدها أحد كبار الباحثين في مؤسسة راند اسمه آنجل رباسا ومعه باحثون آخرون رأوا ان أمريكا وحلفاءها يستطيعون تكوين نوع من العلاقات مع العالم الإسلامي عن طريق الاستفادة من الصراع الآيديولوجي بين التيارات والجماعات الإسلامية للقضاء على مصادر الإسلام الراديكالي والإرهاب بواسطة دعم وتقوية التيارات الليبرالية والوسطية الحليفة في العالم الإسلامي. ومن وجهة نظرهم، فإنه للتمكن من ذلك يجب اتباع استراتيجية معيّنة لفهم أفضل للبيئة السياسية داخل مجتمعات العالم الإسلامي.

وهذا التقرير أو البحث الذي أعده آنجل رباسا وفريق عمله من وجهة نظر مؤسسة راند يساعد على تطوير هذا الفهم للعالم الإسلامي، وكجزء من هذا البحث قام فريق العمل بإعداد دراسة دقيقة عن العالم الإسلامي بحيث تم تقسيمه وفقا للتوجهات الآيديولوجية الرئيسية لشتى مناطق العالم الإسلامي وشملت بذلك حتى الأقليات المسلمة المغتربة، ودراسة الاختلافات بين الجماعات الإسلامية والتعرف على الأسباب الحقيقية لانتشار الإسلام الراديكالي.

 

https://halbinfalah.wordpress.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news