العدد : ١٤٧٥٦ - الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٦ - الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

حقوق الشعب الفلسطيني بين الأمس واليوم

بقلم: د. جيمس زغبي {

الثلاثاء ٠٧ ٢٠١٨ - 01:15

قبل أربعين سنة تخليت عن وظيفتي كمدرس وانتقلت إلى العاصمة واشنطن حتى أتولى إدارة المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. لم يكن في تلك الفترة من السهل القيام بعمل باسم فلسطين في الولايات المتحدة الأمريكية وخاصة أن العاصمة واشنطن لم تكن المدينة الملائمة التي يمكن أن ترحب بمثل هذا العمل. 

لا يزال الدفاع عن الحقوق الفلسطينية صعبا حتى اليوم، غير أن أشياء كثيرة قد تغيرت خلال العقود الأربعة الماضية، لذلك فقد ارتأيت أنه يمكن من المفيد أن نستعرض الأوضاع التي كنا نواجهها في فترة السبعينيات من القرن العشرين الماضي والحقبة الراهنة من العمل الفلسطيني. 

في تلك الفترة التاريخية كانت كبرى المنظمات المؤيدة لإسرائيل والجماعات اليهودية الأمريكية تلقى دعما لتلك المساعي الرامية إلى عرقلة وإفشال العمل الذي كنا نقوم به في الولايات المتحدة الأمريكية. فقد كانوا ينددون بنا ويشوهون صورتنا ويعملون على عزلنا لأننا كنا نتولى الدفاع عن الحقوق الفلسطينية -بما في ذلك حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره. 

كانت تلك المنظمات والجماعات المؤيدة لإسرائيل تستخدم في حملتها ضدنا لغة عنيفة وتكيل لنا الاتهامات النارية والتحريضية والتي تركت أثرها الوخيم علينا. لقد وصلتنا تهديدات بالقتل ورسائل كراهية بالبريد ليتطور الأمر بعد ذلك إلى هجمات عنيفة، وقد انتهى بعضها بالقتل. 

لقد كانت تلك المنظمات والجماعات اليهودية المؤيدة لإسرائيل تريد أن تجعل أي عمل مؤيد لفلسطين من باب المحرمات، وقد انعكس ذلك سلبا علينا وأثر على قدرتنا في بناء تحالفات. قلة فقط من أعضاء الكونجرس الأمريكي عبّروا عن دعمهم لنا وهبّوا للدفاع عن الفلسطينيين -ضحايا التعذيب والحبس الإداري من دون محاكمة والعقوبات الجماعية والطرد التعسفي من وطنهم. 

وبالمقابل فإن أغلب أعضاء الكونجرس الأمريكي، بما ذلك النواب المعروفون بسجلهم الناصع في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، فضلوا عدم مساندتنا خوفا من أن يتسبب دفاعهم عن حقوق الفلسطينيين في تدمير مستقبلهم السياسي برمته. 

لقد وصل بنا الأمر في وقت من الأوقات إلى حد أننا لم نعد ندلي بشهاداتنا أمام لجان الكونجرس الأمريكي لأن تلك العملية أشعرتنا أكثر من مرة بكثير من الإحباط، كما أنها غير مجدية. فتلك اللجان لم تسمح لنا بعرض قضيتنا بل أعطت الفرصة للنواب المؤيدين لإسرائيل، في كل مرة ندلي فيها بشهاداتنا، كي يكيلوا لنا الشتائم ويوجهوا لنا شتى التهم ويلصقوا بنا بعض الأمور الخاطئة من قبيل «أليس صحيحا أنكم تدعمون الإرهابيين؟»، وغير ذلك من اتهامات واهية لا معنى لها. 

كانت الجماعات التقدمية المهتمة بالسياسة الخارجية تتعرض في تلك الفترة للتهديد والوعيد من أجل إسكاتها. فقد سحبت منا الدعوة في مناسبتين للحضور في ائتلاف يساري مهتم بالسياسة الخارجية رغم أننا استطعنا الانضمام قبل ذلك إلى ذلك التحالف ذي التوجهات اليسارية بأغلبية ساحقة من الأصوات. 

لقد قيل لنا آنذاك إن الدعوة سحبت منا لأن بعض الجماعات اليهودية الأخرى قد هددت بالانسحاب من الائتلاف إذا سمح لنا بالانضمام، وهو ما زاد من الخوف بأن هذا الائتلاف قد يفقد الدعم الذي يحصل عليه من الأعضاء الليبراليين في الكونجرس الأمريكي ويخسر المساعدات المالية التي يقدمها له بعض المانحين الليبراليين. 

لم تكن الصورة بأكملها قاتمة في الحقيقة في تلك الفترة. فرغم الصعوبات والتحديات الكبيرة التي كانت تواجهنا في تلك الحقبة فقد استطعنا الحصول على دعم متزايد للعمل الذي كنا نقوم به. فقد قدمت لنا بعض الكنائس المسيحية المعروفة بتمسكها بمبادئها بعض المساعدات، وكذلك فعل أغلب قادة الحقوق المدنية والذين كانوا ضمن الحلقة التي تعمل مع الدكتور مارتن لوثر كنغ. 

أما نشطاء السلام البارزون والذين عرفوا بتزعمهم للحركة المناهضة للحرب في فيتنام فقد شاركوا بدورهم في حملاتنا وبرامجنا. بفضل ذلك التأييد المتزايد استطعنا الوقوف في وجه العواصف ومواجهة التحديات وواصلنا بالتالي جهودنا الرامية إلى تقوية دورنا. 

حدثت عدة تطورات في الفترة ما بين أواخر السبعينيات وبداية التسعينيات وقد ساهمت تلك التطورات في تعزيز قدرتنا على تسليط الأضواء على الحقوق الفلسطينية. من أهم تلك التطورات إصدار بيانين منفصلين يدينان عمليات التعذيب التي تقوم بها إسرائيل ضد الفلسطينيين. فقد نشرت صحيفة الواشنطن بوست برقيات صادرة عن القنصلية الأمريكية وهي توثق عمليات التعذيب الممنهجة التي ترتكبها إسرائيل، مثل اللجوء إلى التعذيب من أجل إجبار السجناء على الاعتراف بجرائم لم يرتكبوها. بعد ذلك نشرت صحيفة التايمز اللندنية دراسة شاملة ومستفيضة عن عمليات التعذيب التي ترتكبها إسرائيل في حق السجناء الفلسطينيين. عقب صدور تلك التقارير التي تتضمن معطيات صادمة أصبح من الصعب على بعض قيادات حقوق الإنسان الصمت عما يحدث. 

في سنة 1979 كانت هناك «قضية آندرو يونغ» حيث اتضح أن المسؤول الأمريكي، الذي كان آنذاك سفيرا للولايات المتحدة الأمريكية لدى منظمة الأمم المتحدة، قد التقى ممثل منظمة التحرير الفلسطينية. لقد تخطى آندور يونغ آنذاك ما كان يعتبر خطا أحمر يمنع المسؤولين الأمريكيين من إجراء أي اتصالات مع منظمة التحرير الفلسطينية.

فقد آندرو يونغ وظيفته كسفير للولايات المتحدة الأمريكية لدى منظمة الأمم المتحدة غير أن الأمريكيين من أصل إفريقي عبروا عن شدة سخطهم وغضبهم، الأمر الذي دفع الكثير من قيادات حقوق الإنسان المحترمين إلى السفر إلى بيروت والاجتماع مباشرة بياسر عرفات في تحد مباشر لتلك السياسة المجنونة التي كانت تمارس بعنوان «سياسة اللا محادثات». لدى عودتهم من بيروت التحق أولئك الزعماء بالمركز الفلسطيني لحقوق الإنسان. 

خلال فترة الثمانينيات من القرن العشرين الماضي، صدم العديد من الأمريكيين من عمليات القصف المدمرة والعشوائية التي نفذتها إسرائيل في بيروت واحتلالها للعاصمة اللبنانية، كما صدموا بلأساليب التكتيكية الوحشية والعنيفة التي استخدمتها إسرائيل سعيا لإخماد الانتفاضة الفلسطينية الأولى – التي واجه خلالها الأطفال الفلسطينيون بحجارتهم قوات الاحتلال الإسرائيلية المدججة بالسلاح. لقد صدم الأمريكيون عندما رأوا تلك المشاهد الوحشية وقرؤوا التقارير، الأمر الذي جعل العديد منهم أكثر تعاطفا مع الفلسطينيين، كما أصبحوا يقبلون أكثر على دعم ما كنا نقوم به من عمل لصالح الحقوق الفلسطينية.

شهدت تلك الفترة أيضا حدثين مهمين ساهما في تسليط الأضواء على القضية الفلسطينية في الوعي الجمعي والساحة السياسية في الولايات المتحدة الأمريكية. ففي سنة 1988 ترشح جيسي جاكسون للانتخابات الرئاسية وقد ساهمت حملته الانتخابية في تعبئة صفوف العرب الأمريكيين واليهود التقدميين والأمريكيين من أصل إفريقي ودعاة ونشطاء السلام من أجل دعم الحقوق الفلسطينية وحل «الدولتين» كصيغة لإنهاء الصراع بين إسرائيل والفلسطينيين. 

لقد استفدنا كثيرا من الخصال القيادية لجيسي جاكسون وتنامي الوعي بأوضاع الفلسطينيين حتى أننا أصبحنا قادرين على توسيع نشاطنا في عشر ولايات أمريكية من خلال الحزب الديمقراطي، كما استطعنا تنظيم أول نقاش علني للحقوق الفلسطينية في مؤتمر الحزب الديمقراطي. 

أسهمت اتفاقيات أوسلو التي أبرمت ما بين إسرائيل والفلسطينيين سنة 1993 في تغيير المشهد الأمريكي، كما أسهمت في تغيير الوضعية من صيغة «يهود ضد العرب» إلى صيغة «طرف يؤيد السلام العادل ضد طرف آخر مناهض لذلك». رغم نقاط الضعف العديدة والثغرات الكبيرة التي شابت اتفاقيات أوسلو فقد فتحت الباب لمناقشة الحقوق الفلسطينية وأضفت الشرعية للمؤيدين للفلسطينيين والذين عانوا طويلا بسبب طبيعة العمل الذي يقومون به. لعبت تلك التطورات التي حدثت في تلك الفترة في تشكيل البيئة السياسية التي أصبحنا نعمل في إطارها الآن.

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد. يجب أن ننوه أيضا إلى عدة عوامل أخرى أسهمت في إحداث تغيير أكثر أهمية. يجب أن نؤكد أولا تزايد الشرخ الديمغرافي والحزبي حول السياسات الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين. فالأمريكيون من أصل إفريقي والذين ولدوا مع مطلع الألفية الجديدة وكذلك أبناء «الأقليات» الأخرى يعبرون حتى اليوم عن الصدمة التي أصيبوا بها بسبب السياسات الوحشية التي تتعامل بها إسرائيل، إضافة إلى ازدياد تشدد وعنصرية الحكومة الإسرائيلية.

لعل ما زاد في تفاقم ذلك الشرخ الديمغرافي والحزبي وتعميقه أكثر من ذي قبل العلاقة القائمة بين إسرائيل ودونالد ترامب (مع حلفائه من الجناح المسيحي اليميني المحافظ). على الجانب الآخر نجد التحالف الآخر القائم من خلال الحركة المتنامية التي تضم في صلبها اليهود التقدميين والعرب الأمريكيين والأمريكيين من أصل إفريقي. 

لقد تجلى هذا الائتلاف الآخر وعبر عن نفسه من خلال حملة الانتخابات الرئاسية التي قادها المرشح بيرني ساندرز مثلما تجلت وعبرت عن نفسها في عدة حملات سياسية أخرى مبادرة مؤيدة للفلسطينيين في الجامعات والكليات وحتى من خلال الجهود المحمودة التي يقوم بها بعض أعضاء الكونجرس الأمريكي. 

خلال الأعوام الماضية ساء الواقع الذي يعيش فيه الفلسطينيون سواء تحت نير الاحتلال الإسرائيلي أو في المنفى، وهو ما كان له عواقب وخيمة على حياة الفلسطينيين، طموحاتهم وتطلعاتهم الوطنية. قد يشعر السياسيون الأمريكيون بالارتياح وهم يعبرون عن دعمهم لصيغة «حل الدولتين»، لكن يصعب التفكير في الكيفية التي يمكن بها تنفيذ مثل هذا الحل اليوم على أرض الواقع. 

يقول نفس هؤلاء المسؤولين المنتخبين أنهم يؤيدون حل الدولتين لكن يستبعد أن يتخذوا القرارات والمواقف الصعبة التي تجبر إسرائيل على إنهاء الاحتلال حتى يتمكن الفلسطينيون من إقامة دولة قابلة للحياة، لذلك فإن دعمهم المزعوم لحل الدولتين يظل عديم المعنى وهم بالتالي يرددون هذه المزاعم حتى يتنصلوا من مسؤوليتهم في وقف الانتهاكات التي ترتكبها إسرائيل في حق الشعب الفلسطيني. 

رغم كل هذه التحديات والمصاعب فإنني أكثر تفاؤلا مما كنت عليه قبل أربعين سنة من الآن، ذلك لأن التطورات التي حدثت قد تركت أثرا عميقا. قد يكون الوضع صعبا غير أن الحركة المؤيدة للحقوق الفلسطينية تزداد قوة وتنوعا التزاما بالعدالة. هناك طاقة جديدة وأمل متجدد بأننا سنصبح قادرين على تحقيق العدالة للفلسطينيين.

 

‭{‬ رئيس المعهد العربي الأمريكي

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news