العدد : ١٤٨٧٢ - الثلاثاء ١١ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٢ - الثلاثاء ١١ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٤ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

ظاهرة سكن العمال العزاب الأجانب في الأحياء السكنية للمواطنين.. لماذا تصعب معالجتها؟ (2)

بقلم: د. أسعد حمود السعدون *

الاثنين ٠٦ ٢٠١٨ - 01:15

 لعبت العوامل الاقتصادية دورا مهمًّا في اسكان العمال العزاب الاجانب في الاحياء السكنية للمواطنين، إذ ان قسما من المواطنين مستعدون لتأجير مساكنهم القديمة للعمال العزاب الاجانب أو إضافه غرف أو تحوير مساكنهم القائمة لتأجيرها عليهم لتحسين أوضاعهم المعيشية وتحقيق دخل اضافي لمواجهة متطلبات الحياة، لا بل وصل الجشع بالبعض إلى تفضيل تسكين العمال العزاب الاجانب في ممتلكاتهم عن تأجيرها لتسكين المواطنين، حيث إن ذلك يحقق عائدا أعلى بغض النظر عن عدد الساكنين في الدار، كما انه من السهولة بمكان اخراج الأجنبي من المسكن عند إعساره عن دفع الإيجار أو لأي أسباب أخرى، بينما يصعب انطباق ذلك على المواطن، كما ان رخص الايجارات نسبيا، حيث يبلغ متوسط الايجار الذي يدفعه العامل الواحد أو صاحب العمل عنه نحو (20) دينارا شهريا، فضلا عن ان القرب من موقع العمل يدفع أصحاب المشروعات ولا سيما الصغيرة والمتوسطة إلى اسكان مكفوليهم في الفرجان والاحياء السكنية التي تتواجد بها تلكم المشروعات التي يعملون فيها، اذ إن هناك علاقة طردية بين عدد المشروعات الصغيرة والمتوسطة والمتناهية الصغر المتوطنة في حي سكني معين وعدد العمالة الاجنبية التي تسكن في ذلك الحي، فمثلا قلما يخلو شارع من وجود محلات بيع المواد الغذائية (البرادات) والتي تشغل (2-4) عمال اسيويين كمتوسط، والتي غالبا ما تعمل بأسلوب التستر التجاري (مسجلة باسماء بحرينيين ويملكها ويديرها وافدون)، وكذلك محلات كي وغسيل الملابس (2-3) عمال، والخبازون (3-4) عمال، والحلاقون (2-3) عمال، وباعة الخضار والفواكه (2-3) عمال، ومحلات بيع اللحوم (1-2) عامل، والمطاعم الصغيرة (2-4) عمال، والخياطون (2-3) عمال، باعة وخياطو العباءات النسائية (2-3) عمال، المكاتب العقارية (1-2) عامل، قرطاسية (2-3) عمال، فضلا عن صالونات التجميل (3-4) عاملات، وغيرها من الخدمات التي يديرها آسيويون اغلبهم من العمال العزاب ذوي الدخل المنخفض، وهذه النشاطات لا يمكن ان تعمل بشكل اقتصادي وسلس إلا بوجود مساكن العمال الأجانب بالقرب منها، حيث إن سكنهم في مناطق بعيدة نسبيا يترتب علية كلفة نقل، وقد يترتب عليه تأخر قسم من العمال عن الوصول إلى اعمالهم، وهذا مالا يرغبه أصحاب تلك المشروعات، كما أن الأجور المحدودة التي يحصل عليها العمال الأجانب في هذه المشروعات لا تتيح لهم القدرة على دفع أجور النقل فيما لو كانت مساكنهم بعيدة نسبيا عن الاحياء السكنية التي تنتشر بها. يضاف إلى ذلك ان العمال العزاب الاجانب الساكنين في الاحياء السكنية للمواطنين قرب محال عملهم يجذبون معهم اخرين ممن يرتبطون معهم بصلات عائلية أو دينية أو قومية أو صداقة، وخاصة أولئك الذين لا يرتبطون بكفالة عمل محدد (فري فيزا) أو أولئك الهاربين من كفلائهم. علاوة على ان المملكة تفتقر إلى مجمعات خاصة بإسكان العمالة الاجنبية خارج المدن أو قرب أماكن عملهم في المناطق الصناعية خاصة، الا في حدود ضيقة جدا، وان التزام الكفلاء من أصحاب المشروعات الصغيرة والمتوسطة بتوفير مساكن مناسبة للعمالة الاجنبية في المناطق التجارية والأسواق خارج نطاق سكن المواطنين، لايزال غير مقنن ومتروكا لاجتهادات الكفلاء، كما ان تفتيش الاجهزة الرسمية ورقابتها على مساكن وتجمعات العمال الاجانب في الاحياء السكنية للمواطنين لا ترقى الى مستوى خطورة هذه الظاهرة. فكان حصيلة تفاعل كل هذه العوامل وغيرها ان انتشرت مساكن العمال العزاب الاجانب في الفرجان والاحياء السكنية للمواطنين وانها ستواصل الاتساع والتمدد بما قد يؤدي إلى تغيير هوية تلك الفرجان وموروثها التاريخي ان لم يتم التصدي لها بحزمة من الإجراءات. وتلكم الإجراءات لن تنفذ بيسر لأنها تصطدم بعوامل موضوعية متداخلة ومؤثرات اجتماعية كابحة للتغيير، فمثلا هل يمكن احلال العمالة الوطنية بدلا من العمالة الوافدة في المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر التي تنتشر في الاحياء السكنية؟ أم سيتم نقل تلك المشروعات خارج الاحياء السكنية وحصرها في الاسواق والمناطق التجارية من دون تداخل مع الاحياء السكنية؟ هل يقبل ملاك البيوت اخراج العمال الاجانب من مساكنهم وتأجيرها لعائلات وبالتالي سيكون ريعهم الشهري اقل من نصف ما يحصلون عليه من العمالة الاجنبية العازبة؟ وخاصة أن قسما غير قليل من الملاك من المتنفذين اجتماعيا، كما ان أصحاب الدخول المنخفضة الذين يفصلون جزءا من مساكنهم مضيقين على انفسهم، لتأجيرها على العمالة الوافدة والحصول على دخل اضافي ييسر متطلبات حياتهم المعيشية، هل سنعوضهم عن الدخل المفقود فيما لو قرروا إخراج العمالة الوافدة؟ لذا، فإننا نعتقد أنه من الصعب حل مشكلة سكن العمالة الوافدة في الفرجان والأحياء السكنية للمواطنين الا باعتماد خطة وطنية شاملة تنفذ على مراحل متتابعة، وهذا ما سنتعرض له في مقال قادم بعون الله وتوفيقه.

* أكاديمي وخبير اقتصادي. 

 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news