العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٩٣ - الأحد ٢٣ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٣ محرّم ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

تبقى مصر رئة لفلسطين

مرت العلاقات المصرية مع حركة المقاومة الإسلامية (حماس) بحالة تأرجح بين التهدئة تارة والتصعيد السياسي تارة أخرى، هذه الحالة من العلاقة بدأت بعد استيلاء الحركة على السلطة في قطاع غزة بعد الانقلاب الذي قادته ضد السلطة الوطنية الفلسطينية في عام 2007، والذي تمكنت الحركة بعده من السيطرة الكاملة على القطاع ووضعه تحت إدارتها السياسية والأمنية المباشرة، لكن العلاقة بين الجانبين (المصري والحمساوي)، خلقت منعطفا أكثر حدة بعد الأحداث التي شهدتها مصر عام 2011 وأدت إلى إزاحة الرئيس المصري السابق محمد حسني مبارك ووصول جماعة الإخوان المسلمين برئاسة الرئيس المخلوع محمد مرسي إلى سدة الحكم بعد الانتخابات الرئاسية التي أجريت في مصر، حيث وقفت «حماس» بقوة إلى جانب حكم الإخوان بحكم العلاقة الأيديولوجية التي تربط بين الطرفين.

حكم الإخوان المسلمين لمصر لم يدم طويلا، حيث جرى اعتقال محمد مرسي بعد أحداث الثلاثين من يونيو عام 2013 وما أعقبها من تطورات سياسية وأمنية قادت إلى وضع جماعة الإخوان على لائحة الإرهاب في مصر، حيث دخلت علاقات «حماس» مع السلطة المصرية في منحى جديد وخطير أيضا، ذلك أن الحكومة المصرية اتهمت حركة «حماس» بدعم ما تسميه محاولة «الإخوان» القيام بانقلاب على السلطة المصرية، بل والمشاركة مباشرة في الأحداث الأمنية التي شهدتها مصر بعد الصدام مع «الإخوان»، الأمر الذي أضفى تعقيدا جديدا على العلاقات بين الجانبين.

رغم التعرجات المعقدة لهذه العلاقات التي وصلت في فترة من الفترات على حافة الصدام المباشر بعد أن اتهمت الأجهزة العسكرية والأمنية المصرية حركة «حماس» بالتغاضي عن تسلل الإرهابيين من قطاع غزة إلى شبه جزيرة سيناء للقيام بعمليات إرهابية ضد المؤسسة العسكرية والأمنية المصرية واستهداف منتسبيها ومنشآتها، رغم كل هذه التطورات، فإن رابطة الحبل السري بقيت ثابتة وبقيت مصر عند موقفها القومي تجاه الشعب الفلسطيني في القطاع، حيث لم تنزلق مصر إلى الموقف المتطرف الذي يستهدف سكان القطاع، بل فرقت بين ممارسة حركة «حماس» وبين أهل القطاع الذين يعانون ويلات الحصار الظالم الذي يفرضه الكيان الصهيوني عليهم منذ عدة سنوات.

لا بد من استمرار العلاقة المصرية الفلسطينية رغم كل الظروف والعقبات التي قد تنشأ بين الفينة والأخرى، هذا بالضبط ما ينطبق على علاقة قطاع غزة، أيا كان من الأطراف الفلسطينية مهيمنا على شؤونه، مصر بالنسبة الى قطاع غزة تمثل الرئة السليمة التي يمكن لأهالي القطاع أن يتنفسوا عبرها، فالطرف الآخر الذي يتحكم في مصير وشؤون أهالي القطاع، أي الكيان الصهيوني، أثبت بما لا يدع أي مجال للشك أنه يفتقد أي شعور إنساني تجاه السكان المدنيين، بل يذهب أبعد من ذلك حين يلجأ إلى سياسة التجويع الجماعي من خلال الحصار الخانق الذي يفرضه على سكان قطاع غزة، وبالتالي تبقى الرئة المصرية هي الرئة المضمونة التي يمكن لأهالي القطاع الاعتماد عليها.

ما يؤكد ذلك أن مصر أبقت على شريان الحياة مفتوحا أمام أهالي القطاع وكذلك منعت أي انقطاع لخيوط الاتصال السياسي مع حركة «حماس»، هذا ما تؤكده الزيارات المستمرة لقادة الحركة إلى مصر وكذلك استعانتهم، إن لم نقل اعتمادهم، على الجهود المصرية من أجل رأب الصدع في البيت الفلسطيني والمساعدة على إتمام المصالحة بين حركتي «حماس» و«فتح»، حيث تسبب الخصام بين الحركتين الرئيسيتين في الشارع الفلسطيني إلى تصدع الجبهة الداخلية الوطنية الفلسطينية واسهم مساهمة كبيرة جدا في تمكين الكيان الصهيوني من الانفراد بطرف فلسطيني دون آخر وفي الوقت نفسه مواصلة سياسة التهويد في أراضي الضفة الغربية المحتلة وقضم ما تبقى من أراضٍ وإقامة المزيد من المستوطنات الصهيونية فوقها.

موقف مصر المعتدل من الخلافات داخل البيت الفلسطيني، وبقاء مصر على مسافة واحدة من أطراف هذه الخلافات، رغم امتلاكها علاقة مميزة مع حركة «فتح» تختلف اختلافا جذريا عن علاقتها مع حركة «حماس»، جعل من مصر، إن صح التعبير، قبلة لجميع الأطراف الفلسطينية، الأمر الذي يوفر لمصر القدرة، من دون غيرها، على لعب دور المحكم والوسيط النزيه والمحايد بين جميع القوى الفلسطينية، وساعد ذلك أيضا على كسب ثقة هذه الأطراف، بما في ذلك حركة «حماس» نفسها، إذ لم يتحدث أحد عن عدم حيادية مصرية من الخلافات الفلسطينية الفلسطينية، أو أي محاولة مصرية للتدخل في الخلافات لصالح هذا الطرف أو ذاك.

فالأطراف الفلسطينية المختلفة، وخاصة خلال العقود التي تلت نكسة الخامس من حزيران عام 1967، دخلت في علاقات سياسية مع كثير من الدول العربية واكتسبت خلال هذه العلاقة تجربة في غاية الأهمية، وخاصة أن هناك دولا عربية عملت على استغلال بعض الأطراف الفلسطينية لصالح خلافاتها مع أطراف عربية أخرى، وهذا ما لم تقدم عليه مصر طوال علاقاتها مع الأطراف الفلسطينية، سواء في حقبة الزعيم الراحل جمال عبدالناصر أو خلال السنوات التي تلت رحيل الزعيم ناصر، لذلك نعتقد أن الأطراف الفلسطينية المختلفة لا بد أنها تكرر في قرارة نفسها أنه لا بد من مصر وإن طال الفراق. 

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news