العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

قضايا و آراء

الـذكــاء الـعـاطـفــي وســـر الإداري الـنـاجـح

بقلم: د. زكريا خنجي

الأحد ٠٥ ٢٠١٨ - 01:15

ذات يوم وأنا أتدرب على التحليل الميكروبيولوجي في مختبرات الصحة العامة في مدينة بريستول البريطانية في شهر مارس 1992 جاءتني سكرتيرة المختبر تحمل بين يديها بطاقة تهنئة وقالت لي: اكتب هنا تهنئة بمناسبة عيد ميلاد فلانة (وهي واحدة من الموظفات اللاتي يعملن في المختبر)، فقلت: لم أفهم، لماذا عليّ أن أكتب تهنئة وأن أوقع. 

قالت: نحن هناك في المختبر نحتفل بعيد ميلاد كل موظف، نشتري باسمه بطاقة تهنئة ويقوم جميع العاملين في المختبر بكتابة جملة لطيفة للشخص المعني بمناسبة عيد ميلاده ويوقع، وفي اليوم المنشود نحضر كعكة صغيرة ونحتفل في فترة الاستراحة، إنها مناسبة لطيفة وذكرى جميلة.

قلت: ولماذا تفعلون ذلك؟

قالت: هذا تقليد اقترحه قبل سنوات أحد الموظفين، ووافق عليه الجميع، ومنذ ذلك الحين ونحن نقوم بذلك، وهو تقليد اجتماعي لطيف يزيد من علاقاتنا الشخصية، وحتى إن كان بين أحدنا والآخر موقف فإن مثل هذه الموضوعات تخفف من حدة الخلافات نوعًا ما. 

ثم أردفت وقالت: وأنتم في بلادكم ماذا تفعلون لتنمية العلاقات الاجتماعية بين الموظفين؟

تصرفت وكأني لم أسمع ماذا قالت، فأخذت البطاقة من بين يديها، وكتبت لها جملتين، واحدة باللغة العربية والأخرى بالإنجليزية، وشكرتها مع ابتسامة كبيرة، وانصرفت.

وظلت هذه الفكرة تراودني منذ ذلك الحين، وربما قمت بتطبيقها بين الحين والآخر بطريقة أو بأخرى مع الذين عملت معهم طوال فترة إدارتي، ولكن للأسف ليست بصورة منظمة ومستمرة، وهذا قصور لا ألقيه على الظروف أو على أحد وإنما عليّ أنا شخصيًا.

وذات مرة وأنا أزور أحد أقاربي في المستشفى، إذا أنا أمام أحد الإخوة المسؤولين في إحدى الوزارات، وبعد التحية سألته: خير، عسى ما شر. فأجاب: لا شر وإنما أحد موظفي القسم وهو كبير في السن أصيب بتوعك وهو ينام حاليًا في المستشفى وجئت لعيادته.

فقلت متسائلاً: تزور موظفا في المستشفى؟

قال: نعم، ولماذا لا؟ فهو موظف زميل، يعمل معي طوال اليوم، فلماذا لا أزوره؟

فقلت له: سوف آتي معك إن لم يكن لديك مانع.

فأجاب: تفضل.

وبالفعل صعدنا إلى الجناح الذي ينام فيه الموظف، وكان هناك بالإضافة إلى الموظف زوجته وعياله وعدد من أهله، فاستأذن المسؤول وسمح له، وكان المنظر غريبا، فحاول الموظف النائم أن يقوم من على السرير ولكن المسؤول لم يسمح له، وقام المسؤول بتقبيل رأس الموظف، وكأنه والده أو ما شابه ذلك، وجلسنا لمدة ربع ساعة تقريبًا، وكان الجو حميميا رائعًا، وكانت ابتسامة الموظف مرسومة على محياه طوال الوقت وكذلك رأيت الرضا والسرور على وجه الأهل والعيال بطريقة غريبة، ثم غادرنا بنفس الترحيب الذي تم استقبالنا به.

فقلت له ونحن في المصعد: هل هذا موظف استثنائي لديك، أم أنت تتعامل مع الجميع بنفس الطريقة؟

فابتسم وقال: أنا مع الجميع بنفس الطريقة، أعامل كبار السن كأنهم آباؤنا، والأصغر سنًّا كأنهم أصدقاء، وأشعر الجميع أن العمل ومكان العمل هو بيتهم الثاني، لذلك لدى الجميع رضا للعمل بطريقة رائعة.

وفي المقابل فقد وجدنا بعض المسؤولين الذين ما إن يجلس على كرسي السلطة إلا ويترفع عن كل علاقاته القديمة، ويغير رقم هاتفه، ويغلق على نفسه الأبواب، ولا يتحدث مع الموظفين، وينسى أسماءهم، هذا إن كان يعرف أسماءهم من قبل، ولا يعرف من الذي يعمل معه ومن الذي لا يعمل معه، وجملته المعهودة «لن أتنازل عن هذا الكرسي مهما كان الثمن أو أنا ومن ورائي الطوفان».

وربما يمكننا أن نفرق بين المسؤول المرتبط بالموظفين والمسؤول الذي لا يعرف أحدا بما ذكره الباحث غولمان في كتابه القيادة الأساسية حيث ذكر ما جرى في إحدى الشركات العالمية، إذ إنها عيّنت في أحد فروعها مديرًا تنفيذيا يتمتّع بذكاء باهر، فأحدث تغييرات استراتيجية مميّزة، لكن، على الرغم من ذلك، انهالت عليه الشكاوى بغية فصله من العمل، ذلك لأنّه لم يستطع إقناع الموظفين والتأثير فيهم لدفعهم إلى العمل بمقتضى خططه.

وعندما تم تدارس هذا التناقض تبين أن أفكار المسؤول صائبة واستراتيجيته دقيقة، إلا أنها لا قيمة لها لأنه كان يفتقد الذكاء العاطفي الذي من خلاله يمكنه أن يحرك مشاعر الآخرين ويتحكّم بها ويوجههم نحو تنفيذ المهمات المطلوبة.

وفي هذا المجال أيضًا، وضع غولمان مفهوما ما يعرف بـ«عدوى المشاعر» عبر القاعدة التي تقول: «المزاج الجيّد يؤدّي إلى عمل جيّد»، فحالة المسؤول العاطفيّة لها الأثر الأكبر على أداء العاملين معه، فإذا كان مثلاً، متفائلاً، منفتحًا، متعاونًا وصريحًا، نقل هذه الأجواء إلى جماعته، والعكس صحيح. فالمسؤول هو المحور الأساسي للجماعة ومثالها، يعكس عليها صفاته وذكاءه ليحوّلها بالتالي إلى خليّة متناغمة ومتماسكة، تعمل منسجمة ومجتمعة لتحقيق الأهداف المنشودة، بعيدًا عن أجواء القلق والتوتر.

وترى الباحثة نهى عبدالرحمن توفيق حمد في رسالتها الماجستير الموسوم بعنوان (علاقة الذكاء العاطفي بجودة القرارات الإدارية) «أن الذكاء العاطفي والذكاء الاجتماعي مهمان لبيئة العمل في عصرنا الحالي حيث الانفتاح على العالم، فالعالم اليوم أصبح قرية صغيرة؛ بسبب الانتشار الواسع لوسائل التكنولوجيا حيث وسائل التواصل الاجتماعي وحدت العالم كله، فأصبح هناك تبادل للأفكار والثقافات، بالإضافة إلى انتشار المنظمات الدولية التي تحتوي على أعداد كبيرة من الموظفين مختلفي الجنسيات واللغات والثقافات، وهذا يدعو ويتطلب من الموظفين أن يتمتعوا بمهارات الذكاء العاطفي والاجتماعي؛ وذلك لتسهيل التواصل بين الأفراد وتسهيل العمل حيث السيطرة على النفس وإدارة النفس، وفي الآخرين وتحفيزهم، كما أن مهارات الذكاء العاطفي والاجتماعي تقلل التنافر بين الأفراد، وتزيد العمل بفاعلية، وتعزز العمل الجماعي وتؤدي إلى الارتياح في العمل، مما يؤدي إلى الإتقان في العمل والنجاح فيه».

وبالعودة إلى العديد من الدراسات والأدبيات أظهرت أن هناك علاقة بين الذكاء العاطفي وجودة القرارات الإدارية وأن الذكاء العاطفي يمكن استخدامه في تحسين جودة القرارات الإدارية، ويرجع ذلك إلى عدة أسباب منها:

‭{‬ إن الذكاء العاطفي يلعب دورًا مهمًّا في جوانب متعددة بالنسبة إلى المسؤولين من أهمها: اتخاذ القرارات الفعّالة في الحياة اليومية في المؤسسة، فالعواطف القوية تساعد المسؤول على اتخاذ القرارات الفعالة، وبالإضافة إلى ضرورة توافر المكونات المعرفية والعاطفية في جميع مواقع صنع القرار وفي جميع القرارات على حد سواء.

‭{‬ إن التمييز بين خصائص الأشخاص المميزة منها والعادية يعتمد على الذكاء العاطفي، فالذكاء العاطفي يثمن للمعلومات ويساعده على اتخاذ القرارات، وأنه عندما لا يكون هناك اتصال بين العاطفة والعقل يكون الفرد غير قادر على اتخاذ القرار، وإذ إن الأشخاص حينئذ لا يكونون قادرين على اتخاذ قرارات معقولة، وذلك عند الاستفادة من المعلومات فحسب وعدم توازن ذلك مع العواطف، وأما إن كان الذكاء العاطفي هو المسيطر على السلوك فإن ذلك يساعد على الخروج من المشكلات الاجتماعية، وعلى اتخاذ القرارات مع نتائج إيجابية.

‭{‬ إن المسؤولين الذين لا يتمتعون بمهارات الذكاء العاطفي يواجهون صعوبة كبيرة في إقامة علاقات اجتماعية جيدة بينهم وبين أقرانهم، وبينهم وبين موظفيهم ومعاونيهم وعملائهم، ومن ثم يتعذر عليهم اتخاذ القرارات الصائبة تجاه المشكلات التي يواجهونها، فالمسؤول الناجح يتميز عن غيره بقدرته على الإحاطة بمختلف جوانب المشكلة.

‭{‬ إن فاعلية اتخاذ القرار تتوقف على الخريطة العقلية والانفعالية للفرد؛ حيث إن القدرات العقلية تتفاعل مع القدرات العاطفية والاجتماعية عند اتخاذ الفرد للقرار، ويحتاج المسؤول إلى مستوى عال من الذكاء العاطفي؛ لأنه يمثل المؤسسة ويتعامل مع أعداد كبيرة من الأفراد خلال ساعات العمل، فالمسؤول الذي يتسم بقدرات عاطفية عالية يستطيع تنمية القدرات العاطفية والاجتماعية لمرؤوسيه وتطويرها.

ويمكن أن نستخلص من كل تلك الدراسات السابقة والكثير من الأدبيات المتعلقة بجودة القرارات الإدارية والذكاء العاطفي أن هناك ارتباطًا بين أبعاد الذكاء العاطفي وجودة القرارات الإدارية داخل المؤسسات، حيث يتم الاستفادة من مهارات الذكاء العاطفي في تطوير مهارات القوى البشرية داخل المؤسسات وتحسينها، وهذا بدوره يحسن من جودة القرارات الإدارية، ويمثل العنصر البشري أهم مدخلات النظام الإنتاجي، وأعظم القوى المؤثرة في تحديد هوية المؤسسة ورسم معالم مستقبلها، كما أنه يُعد بمثابة الضابط لإيقاع حركة المجتمع والمحدد لمكانته بين الدول، فالموارد البشرية تمثل الغاية من عملية التنمية وأداتها الرئيسة في ذات الوقت، فقصور القدرات البشرية بمعناها الواسع إنما يُعد السبب الرئيس لإخفاق برامج التنمية وعرقلة مسيرة التقدم، ومهما بلغت المؤسسة من التطور في تصميمها للهيكل التنظيمي، وخطوط الإنتاج ونظم الرقابة، فإن المؤسسة قد تفشل بسبب تعيينها لأفراد غير مناسبين ولا يتمتعون بقدرات كافية والتي تجعل من الموظفين غير قادرين على العمل الإيجابي لصالح المؤسسة.

إن الأشخاص الذين يتمتعون بالذكاء العاطفي المتطور هم أكثر من غيرهم إحساسًا بالرضا عن أنفسهم، والتميز بالكفاءة في حياتهم، وبقدرتهم على السيطرة على بنيتهم العقلية بما يدفع إنتاجهم قدمًا إلى الأمام.

حسنٌ، هل يمكن تنمية الذكاء العاطفي، وكيف؟ هذا حديث آخر.

Zkhunji@hotmail.com

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news