العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

قضايا و آراء

اليابان من وجهة نظر عربية
اقتصاد الهيدروجين

بقلم: د. خليل حسن

السبت ٠٤ ٢٠١٨ - 01:15

يتوقع المختصون في مجال الطاقة أن المخزون العالمي للنفط سينفذ عام 2100, والسؤال المخيف كيف سيتصرف العالم بعد ذلك؟ هل سيكتشف العلماء حلولا مبدعة؟ وما هي هذه الحلول الممكنة؟ فهل من الممكن أن يستبدل النفط بماء المحيطات؟ لمناقشة هذا السؤال ليأذن لي عزيزي القارئ بمقدمة علمية بسيطة.

لو تعمقنا في دراسة العلوم الطبيعية سنجد أن الكون الفيزيائي يتكون من وحدات صغيرة جدا تسمى بالذرة، والتي تشبه في شكلها مجرات المجموعة الشمسية. فتتكون الذرة من جسم مركزي ايجابي الشحنة ويسمى النيوترون (ويرافقه البروتون)، وتدور حوله في طبقات مختلفة إلكترونات سلبية الشحنات. وتختلف العناصر في وزن النيوترون وعدد الإلكترونات، كما تندمج ذرات العناصر المختلفة لتكون المواد. فمثلا لو تفحصنا مادة الماء لوجدنا بأنها مكونة من اندماج عنصرين وهما الأوكسيجين والهيدروجين. وتحتوي ذرة الأوكسيجين على ثمانية إلكترونات، بينما تحتوي ذرة الهيدروجين على إلكترون واحد. ويمكن فصل الأوكسيجين عن الهيدروجين بتمرير تيار كهربائي في الماء، فيتجمع الأوكسيجين في القطب الموجب من التيار، والهيدروجين في القطب السالب. 

والهيدروجين مادة سريعة الاشتعال، وغير ملوثة للبيئة، لذلك تعتبر من أهم مصادر الطاقة المستقبلية النظيفة. فلو اخترع العلماء طريقة جديدة للاستفادة من ماء البحار في إنتاج الهيدروجين، من دون الحاجة الى الطاقة الكهربائية، ستكون هناك كميات هائلة من موارد الطاقة النظيفة. والسؤال لعزيزي القارئ هل من الممكن أن نستبدل الطاقة الكهربائية باستخدام الجراثيم لفصل الهيدروجين من أوكسيجين الماء؟

تتكون الكائنات الحية من وحدات صغيرة جدا تسمى بالخلايا. وتجتمع هذه الخلايا مع بعضها لتكون الأعضاء. وتكون مجموعة من الأعضاء المختلفة الكائنات الحية. فمثلا يبدأ تكون جسم الإنسان من التقاء خليتين هما النطفة والبويضة. وباندماج هاتين الخليتين يبدأ تشكل المضغة بالانقسام المتكرر لهذه الخلايا، وبهذا الانقسام المتكرر تتكون أعضاء الجسم كالجلد والعضلات والعظام والجهاز العصبي والهضمي. ويتراوح تكون الكائنات الحية من كائنات تحتوي خلية واحدة إلى كائنات تحتوي على التريليونات من الخلايا. وأصغر الكائنات الحية التي تتكون من خلية واحدة هي الجرثومة.

والخلية الحية هي عبارة عن مصنع بيولوجي صغير جدا، تقوم بأخذ الغذاء الذي تأكله الكائنات الحية وتمزجه مع الأوكسيجين الذي تستنشقه من الهواء، ثم تركبه لعدة مواد كالسكريات والدهون والبروتينات، وهذه المواد مسؤولة عن تكوين العضلات والعظام والجهاز العصبي والأعضاء الأخرى. وهناك جهاز إدارة وسيطرة في داخل الخلية ويسمى بالنواة، والنواة تأخذ عادة شكل الكرة الصغيرة وتكون بداخلها مجموعة من المورثات تشبه العصيات. وتحتوي المورثات على أقراص إلكترونية بيولوجية صغيرة تسمى بالجينات، وتعتبر هذه الجينات برامج التشغيل للخلية وهي التي تسيطر على وظائفها وتقرر ما يمكن أن تنتجه الخلية من المواد. 

ومن المواد المهمة التي تنتجها الخلايا الحية هي مواد كيماوية تسمى بالإنزيمات. ووظيفة هذه الإنزيمات هي تسهيل العمليات الكيماوية، وإحدى هذه الإنزيمات مسؤولة عن فصل الهيدروجين عن أوكسيجين الماء. وقد استطاع العلماء الاستفادة من هذه الإنزيمات في إنتاج كمية من الهيدروجين، من دون الحاجة الى استهلاك الطاقة الكهربائية. والسؤال لعزيزي القارئ كيف يمكن إنتاج كمية كبيرة من هذه الإنزيمات للاستفادة منها في صناعة الهيدروجين بشكل اقتصادي واسع؟

لقد قام العلماء اليابانيون بالاستفادة من الجراثيم لإنتاج كميات كبيرة من الإنزيمات اللازمة لفصل الهيدروجين من أوكسيجين الماء. وقد يتساءل القارئ العزيز كيف من الممكن السيطرة على ما تصنعه هذه الجراثيم من المواد؟ لقد قام العلماء بزرع مورثة، تحتوي على جينات مسؤولة عن إنتاج الإنزيمات اللازمة لإنتاج الهيدروجين من الماء، في داخل جرثومة للسيطرة على نوعية المواد التي تنتجها. وبذلك يستطيع العلماء تحديد نوعية المواد التي يمكن أن تصنعها هذه الجراثيم، بالسيطرة على نوعية الجينات الموجهة للجراثيم لصناعة الإنزيمات المطلوبة.

وقد توصل العلماء فعلا إلى صناعة جينات جديدة، وذلك بتركيب المادة الكيماوية التي تكون الجينات، والتي تسمى بالحمض النووي ألريبي الغير المؤكسج (دي إن إيه)، وستكون هذه المورثات الصناعية ثورة في عالم التكنولوجيا البيولوجية، وثورة الألفية الثالثة لصناعة أدوية بيولوجية دقيقة التأثير، وسيدخل العالم بعصر الأدوية الذكية التي يكون تأثيرها محددا ودقيقا، وبنتائج فائقة الدقة وبقلة المضاعفات الجانبية. كما سيسهل صناعة المورثات الطريق لصناعة الخلية الحية، فلن نتعجب إذا أعلن قريبا عن صناعة نطفة وبويضة صناعية. وبتلقيح الحيوان المنوي الصناعي للبويضة الاصطناعية سيفتح الطريق لصناعة الأجنة والإنسان الصناعي. فهل ممكن أن نتصور عظمة الخالق، جل شأنه، في خلق العقل الإنساني المبدع في صنع معجزات تكنولوجية الألفية الثالثة. وقد نشر البروفيسور فنتر غريغ في عام 2007 بحثه عن صنع أول خلية، بحقن المورثة التي صنعها، والمكونة من حوالي مائتي وثلاثة وثمانين جينة وراثية، في داخل غشاء جرثومة. 

وباختصار شديد يمكن أن تنتج كمية كبيرة من هيدروجين الصناعي بإضافة ميكروبات مصنعة في الماء لتقوم هذه الميكروبات بفصل الهيدروجين عن أكسيجين الماء، وإنتاج كميات هائلة من الهيدروجين الذي تحتاجه الصناعة لتوليد الكهرباء، وتشغيل المحركات الصناعية والسيارات. وستكون هذه الطاقة الهيدروجينية نظيفة تماما فلا تنتج من حرقها أية مواد كربونية، بل ينتج ماء نقي جدا ممكن الاستفادة منه مرة ثانية. 

ويعتبر غاز الهيدروجين حلم رجال الاقتصاد لبناء اقتصاد الألفية الثالثة المعتمد على مصادر للطاقة النظيفة. وسيؤدي توفر مادة الهيدروجين كمصدر جديد للطاقة للمحافظة على النفط الخام والغاز الطبيعي والفحم الحجري للاستفادة منها في إنتاج مواد صناعية جديدة بدل حرقها. ومن المواد الجديدة المكونة من ذرة الكربون هي الألياف الكربونية المستخدمة في صناعات عدة، والتي تتميز بأنها خفيفة وقوية جدا، بل أقوى من مادة الحديد، لذلك تستعمل في صناعة أجسام الطائرات، والتي ستكون أقوى، وأخف، وستستهلك كمية قليلة من الطاقة. كما أن التطورات الجديدة في علوم النانوتكنولوجي الذرية ستهيئ الفرصة لإنتاج مواد جديدة للعقول الإلكترونية المستقبلية لتؤدي لصغر حجمها وزيادة طاقة تشغيلها لآلاف المرات عما هي عليه كومبيوترات اليوم. والسؤال المحير لعزيزي القارئ: متى سيبدأ وطننا العربي الاستفادة من التجربة اليابانية للمشاركة بهذه الاختراعات العلمية لبناء حضارة الألفية الثالثة؟ وهل سيساعد التعليم بتحويل العقول المستسلمة، لعقول متسائلة ومحللة ومتحدية لمعضلات الطبيعة؟ ولنا لقاء.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news