العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٦ - الخميس ١٥ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٧ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

ذكرى الغزو... عِبَر ونتائج كارثية

مرت قبل أيام ذكرى الغزو العراقي لدولة الكويت الشقيقة في الثاني من أغسطس عام 1990، والذي شكل أخطر سابقة في تاريخ العلاقات العربية العربية إذ لم يسبق أن أقدمت أي دولة عربية، على الرغم من مستوى الخلافات التي تحدث في علاقاتها مع بعضها بعضا، لم يسبق أن أقدمت على غزو دولة شقيقة جارة وشطبت وجودها السيادي بين ليلة وضحاها واعتبرتها واحدة من محافظاتها، من دون أي اعتبار لعلاقات الأخوة والجيرة، من جهة، وللقوانين والأعراف الدولية التي تحكم سيادة الدول وتقرر استقلاليتها من جهة أخرى، فكان الغزو بمثابة واحدة من رصاصات الرحمة التي أطلقت على جسم «التضامن» العربي، إذ أحدث شرخا عميقا في العلاقات العربية العربية بعد أن تجزأت المواقف من هذه الجريمة فأخضعها البعض لحساباته السياسية التي أثبتت الأحداث وتطوراتها خطأ هذه الحسابات وقصر الرؤية بشأنها.

كل المبررات التي ساقها النظام العراقي السابق لتبرير غزوه لدولة الكويت، كانت كلها مبررات واهية وتنم عن سوء إدراك سياسي وتكشف عن مدى ما تعانيه القيادة العراقية من ضعف في قراءة المشهد الإقليمي وتداخل العلاقات الإقليمية والدولية وعلاقة الدول الكبرى ومصالحها مع كل ما يحدث في الإقليم من تطورات، وخاصة تلك التطورات والأحداث التي تحمل في طياتها تأثيرات استراتيجية على مصالح العديد من الأطراف، وخاصة ذات الثقل الدولي، وهذا ما تأكد من أول يوم وطئت فيه أقدام الجنود العراقيين ارض دولة الكويت حيث سارعت جميع دول العالم إلى إدانة هذا العمل وسارعت إلى احتواء تداعياته والتحضير لإنهاء نتائجه بأقصى ما يمكن من سرعة.

إن كانت القيادة العراقية وقعت في فخ نصبه البعض لها، فأقدمت على هذه الخطوة الخطيرة، فإنها بذلك تثبت وبمحض إرادتها أنها قيادة غير مؤهلة على الإطلاق لقيادة بلد بحجم وبأهمية العراق، وخاصة أن جريمة غزو الكويت جاءت بعد عامين بالتمام والكمال من خروج العراق من الحرب التي خاضها مع إيران على مدى ثماني سنوات وكلفته، إلى جانب الطرف الآخر بالطبع، مئات المليارات من الدولارات وعطلت الكثير من المشاريع التنموية، ناهيك عن الخسائر البشرية الهائلة التي لحقت بالجانبين، من دون أن تسفر هذه الحرب عن اي نتيجة يمكن أن تكون قد خدمت أي هدف من أهداف إشعالها.

فجريمة غزو الكويت، علاوة على ما سببته من تصدع في العلاقات العربية العربية وأثرت على علاقة الشعب العراقي بأشقائه في العديد من الدول العربية، وخاصة دول الخليج، ورغم ما أحدثته من خسائر مادية وبشرية بدولة الكويت وشعبها، فإن ما لحق بالعراق جراء هذه الحماقة السياسية والعسكرية كان كبيرا جدا، بل يمكن القول بأن غزو الكويت، كان بداية النهاية للعراق كبلد مستقر ومتماسك، حيث وفرت هذه الجريمة المبررات للبدء في محاصرة العراق في المجالات كافة، الأمر الذي أوصله على حالة الانهيار التام انتهى بغزوه وتحويله إلى مسلخ بشري، إن كان بسبب جيوش الغزو أم جراء انتشار العصابات الإرهابية التي عاثت في ارضه قتلا وتدميرا وسفكا لدماء أبنائه.

بعد احتلال عراقي دام ما يقارب الأشهر السبعة، عادت دولة الكويت إلى وضعها ما قبل الغزو، أي دولة تمارس حكومتها الشرعية سيادتها على جميع حدودها وتديرها، كما كانت قبل الثاني من أغسطس عام 1990. أما العراق فلم يعد إلى الوضع الذي كان عليه قبل هذا التاريخ بعد مرور ثمانية وعشرين عاما على هذه الكارثة التاريخية التي تسببت فيها قيادته آنذاك، ولا تبدو في الأفق اي مؤشرات تدل على قرب عودته إلى وضعه الطبيعي بعد التطورات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية التي أعقبت عملية تحرير دولة الكويت من الاحتلال وإدخال العراق في النفق المظلم.

قلنا منذ اليوم الأول للغزو العراقي إن هذه الجريمة لن تغير من خريطة المنطقة الجغرافية والسياسية، وان ضم العراق لدولة الكويت كواحدة من محافظاته، لن يطول أمده وأن الكويت لن تكون أبدا جزءا من العراق، لكن الأخطر، وهذه كانت قناعة لدينا، أن العراق لن يكون هو عراق ما قبل الغزو، وهذا ما أكدته النتائج والخطوات التي أعقبت عملية تحرير دولة الكويت، فأصدقاء الكويت، وبغض النظر عن الأهداف من وراء هذه الصداقة، ما كانوا ليسمحوا للقيادة العراقية بأن تحتفظ بدولة الكويت وأن تشطبها من على الخريطة السياسية للمنطقة، وخاصة ان هذه منطقة مصالح حيوية بالنسبة الى بعض القوى العالمية الكبرى وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية التي قادت حروب تحرير الكويت وتجويع العراق ومن ثم غزوه.

لا يمكن تحت أي مبرر كان أن نفصل الأوضاع التي يعيشها العراق في الوقت الراهن عن التداعيات التي ترتبت على جريمة غزوه لدولة الكويت، حيث كانت هذه الجريمة مدخلا لجميع الخطوات التي أقدمت عليها بعض القوى الدولية لوضع حد للطموحات العراقية، وخاصة ذات الصلة ببناء دولة قوية قادرة على مسايرة القوى الإقليمية الأخرى، وكان العراق حينها يمتلك جميع مقومات بناء هذه الدولة، نظرًا إلى ما يتمتع به من ثروات طبيعية وبشرية هائلة، لكن قيادته في ذك الوقت بدلا من أن تسخر هذه الإمكانيات ناحية هذا الهدف وجهتها الاتجاه الخاطئ، الأمر الذي ترتب عليه ما يحدث الآن لبلد الرافدين وما يعيشه شعبه من مآسٍ لا تعد ولا تحصى، يجب أن تكون جريمة غزو الكويت عِبرةً ودرسًا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news