العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الجدل حول التفويض التشريعي للرسول في القرآن الكريم

بقلم: السفير د. عبدالله الأشعل

الجمعة ٠٣ ٢٠١٨ - 11:13

 

أثبتنا في كتابنا حول الإعجاز القانوني والتشريعي في القرآن الكريم أن الرسول (صلى الله عليه وسلم) قد منح التفويض من الله لكي يشرح وأن يكون حديثه وتعليقاته وإقراراته وأفعاله وتشريعاته؛ وقلنا إن الرسول هو الوحيد بين جميع الأنبياء والرسل الذين منحوا هذا الحق لسببين فيما نعتقد:

السبب الأول: هو انه آخر الأنبياء والمرسلين وانه يضع النقاط فوق الحروف في هذا الدين الذي أكمله الله برسالة محمد (صلى الله عليه وسلم) 

والسبب الثاني: هو أنه تقرر أن القرآن الكريم مفتوح لكل العقول وان سنة الرسول مكملة للقرآن الكريم وليست بديلا له.

وقلنا أيضا أن رسالة محمد (عليه الصلاة والسلام) هي الرسالة الوحيدة التي حثت المسلمين على الدعوة ولذلك ليست هناك تكليفات بالدعوة في الرسالات السابقة وأن ما تقوم به الكنيسة تحت عنوان التبشير لا يعد من قبيل الدعوة؛ ولكن لا بد أن نفهم معنى الدعوة في التشريع القرآني، فالدعوة ليست هي الأسلمة والدعوة ليست دعوة الناس للدخول في الإسلام لأن هذه المرحلة انتهت من زمن الرسول (صلى الله عليه وسلم) وإنما للدعوة معنى محدد في القرآن الكريم وآداب وقواعد على أساس أن التكليف بالدعوة أصلا صدر للرسول الكريم في قوله تعالى «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن»، وقد أجمع الشراح والمفسرون على أن هذه الآداب يجب أن يلتزم بها الدعاة في كل العصور وهو منهج نفسي راق وضعه من يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، ثم أن أفضل صور الدعوة هي الفهم الصحيح لمقاصد الدين ووظيفته في المجتمع وكذلك القدوة الصالحة التي تدفع الناس إلى أن تأخذ الدين بالجدية الواجبة ولذلك فإن انحراف رجال الدين يسيء إلى الدين. ورجال الدين مصطلح ليس له معنى في القرآن لأنه ليس للدين رجال والإشارة الوحيدة إلى كلمة الرجال هي في الآية الكريمة «من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه»، ولذلك فإن مصطلح رجال الدين مصطلح دخيل وأدى إلى احتكارهم للدين فتملكهم السلطان حتى يتمكن من الشعب من خلالهم كما يستفيد من اتباعهم وهم الذين أطلق عليهم مشايخ السلطان. 

ولكن المعنى الموضوعي لمصطلح رجال الدين هو أنهم الذين تخصصوا في دراسة الدين ووقفوا حياتهم عليه تعليما وتدريسا ودعوة؛ وكذلك كان مصطلح العلماء ينصرف في الماضي إلى هؤلاء ولا يزال المصطلح يستخدم بشكل خاطئ عندما تشير الإذاعات المتخصصة إلى أن فلانا من علماء الأزهر الشريف أو من علماء وزارة الأوقاف، هذا السياق أدى إلى تضيق تعريف علوم الدين وعلوم القرآن وهو الأمر الذي تصدينا لدراسته في أول مطبوع في برنامج الدراسات القرآنية القانونية والذي صدر عام 2003 تحت عنوان المصطلح القانوني في القرآن الكريم وقد جادلني بعض المتخصصين في الشريعة الإسلامية رغم أن الآيات الدالة على تفويض الرسول بالتشريع قاطعة لا تحتمل الكثير من الجدل مثل قوله تعالى «ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا» وقوله تعالى «أفلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما». 

وقوله تعالى في مواضع كثيرة «وأطيعوا الله والرسول» تارة، وكذلك «وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول» وتدل الإشارات السابقة وغيرها على تفويض الرسول بالتشريع ولكن محدثي اثار قضيه خطيرة بقوله: وهل القرآن ناقص حتى يكمله الرسول فاستدعى ذلك مني أن أرد على ملاحظته، مؤكدا أن القرآن لم يفرط في شيء وأن الإيمان بالقرآن يتطلب الإيمان بمكانة الرسول بالنسبة إليه، فالقرآن هو الدستور الجامع وأما ما سنه الرسول الكريم فهو التشريع المكمل على أساس النص القرآني أيضا وإذا كان الحديث القدسي من عند الله فإن القرآن الكريم نص محفوظ في اللوح أنزل بقدر في حينه على محمد الأمين ونقله الروح الأمين وأما الحديث النبوي فلا يمكن أن يكون علما ولغة وفكرا صادرا عن أمي ولا بد أن يكون علما لدنيا ولنا في سورة البقرة درس وعبرة لقوله تعالى «وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبؤوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين» وذلك في إطار الإيضاح وليس الجدل بين الله والملائكة في صدد إخباره عن أنه «جاعل في الأرض خليفة» فإن العلم الذي منحه الله لآدم لكي يميزه عن الملائكة هو نفس العلم الذي منحه لمحمد لكي يميزه على سائر الأنبياء والرسل حيث لا سنة ولا أقوال لرسول غيره وهذا من صور التكريم الخاص الذي وضعه الله سبحانه في آخر أنبيائه بحيث تنقطع الصلة بين السماء والأرض على النص القرآني والسنة النبوية؛ فإذا اجتهد الفقهاء فهو فقه بشري يساعد على استيضاح ما غمض من أحكام كتاب الله وسنة رسوله ولكنه مصدر من مصادر التشريع البشري فهناك فرق بين أن الفقه قراءة للنص القرآني والسنة وليس مصدرا للشريعة وبين أن يكون الفقه مصدرا للتشريع البشري وبهذا المعنى اختارت مصر مثلا أن تكون أرجح الأقوال في مذهب أبي حنيفة هي الضابط لقانون الأسرة والأحوال الشخصية للمسلمين. فالقرآن دستور والسنة مكملة ومنفذة وشارحة ومجسدة للنص الدستوري ولذلك فالعلاقة بين القرآن والسنة علاقة عضوية وهما - أي القرآن والسنة - كانا دائما هدفا للهجوم من جانب أعداء الدين. بل أن الشهادتين للدخول في الدين متلازمتان ولا يمكن قبول الفصل بينهما كما اقترح احد رجال الأزهر الشريف. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news