العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الإمام محمد الخضر حسين التونسي الذي رفعه علمه وخلقه وجهاده إلى مشيخة الأزهر (36)

بقلم: د. غريب جمعة

الجمعة ٠٣ ٢٠١٨ - 11:11

المرحلة المصرية (16):

معركة الشيخ مع كتاب الفن القصصي في القرآن (تكملة)

قال كاتب الرسالة: «القصة هي العمل الأدبي الذي يكون نتيجة تخيل القاص (مؤلف القصة) لحوادث وقعت من بطل لا وجود له أو لبطل له وجود ولكن الحوادث التي ألمت به لم تقع أصلاً أو وقعت ولكنها نظمت على أساس فني» إذ قدم بعضها وحذف بعضها، وأضيف إلى الباقي بعض آخر أو بولغ في تصويرها إلى حد يخرج بالشخصية التاريخية عن أن تكون حقيقية إلى ما يجعلها في عداد الأشخاص الخيالية وهذا قصدنا في هذا البحث من الدراسة القرآنية ص81».

رد الشيخ: هذا الذي يقوله الكاتب إنما ينطبق على القصص الذي يقصد من تصنيفها إظهار البراعة في صناعة الإنشاء أو في إجالة الخيال أو بعض الارتياح والمتعة في نفوس القارئين مثل: مقامات بديع الزمان الهمذاني أو مقامات الحريري أو القصص التي تنشر اليوم في بعض الصحف السائرة. أما قصص القرآن فهو كلام رب العزة أوحى به إلى الرسول الأكرم ليكون مأخذ عبرة أو موضع قدوة أو مجلاة حكمة، وإيمان الناس بأنه صادر من ذلك المقام الأسنى يجعل له في قلوبهم مكانة محفوفة بالإجلال ويمنعهم من أن يدرسوه كما تدرس تلك القصص الصادرة من نفوس بشرية تجعل أمامها أهدافًا خاصة ثم لا تبالي أن تستمد ما تقوله من خيال غير صادق أو تخرج من جد إلى هزل وتضع بجانب الحق باطلاً.

قال كاتب الرسالة: «أخطأ الأقدمون في عد القصص تأريخًا ص83»

رد الشيخ: لم يخطئ المتقدمون ولا المتأخرون في عد القصص تأريخًا، بل هم على بينة من أمرهم إذ يعدون القرآن أصح مصدر لما يقص من شؤون الأمم الغابرة والأمم التي كانت تعيش وقت نزوله، ذلك أن الدليل القائم على أن القرآن وحي إلهي هو الدليل الذي يشهد بأن قصصه تاريخ حق لازم للإيمان بأنه وحي سماوي ومن يزعم أنه يوجد هذا الإيمان من دون ذلك الاعتقاد فهو كمن يزعم أن الشمس طالعة والنهار غير موجود.

قال كاتب الرسالة «منهجه – أي القرآن- هو معالجة القصة من حيث هي أدب ويعني بذلك خلق الصور والابتكار والاختراع (ص84) ولذلك لا مانع من اختلاف تصور الشخصية الواحدة في القرآن ص85».

رد الشيخ: لم يعالج القرآن القصة من حيث هي أدب وإنما يوردها من حيث أنها مطلع حكمة ومأخذ عبرة وحيث كان لبلاغة القول بعد حكمة المعنى وقوة الحجة – أثر زائد في توجيه النفوس إلى الصراط السوي أنزل الله القرآن كله في أفصح الألفاظ وأبدع الأساليب حتى بلغ بحسن بيانه أن كان المعجزة الخالدة.

وقد أشار الأستاذ أحمد أمين في تقريره إلى أن كاتب الرسالة يسمي القصة في القرآن أسطورة حيث يقول: «وجود القصة الأسطورية في القرآن ص89».

رد الإمام: من المفسرين من يفسر الأسطورة بما سطره الأولون وكتبوه من أخبار الأمم وهذا لا ينافي ما قاله آخرون من أنها الأباطيل والخرافات قال صاحب «الكشاف» عند تفسير قوله تعالى «إن هذا إلا أساطير الأولين» فيجعلون كلام الله وأصدق الحديث خرافات وأكاذيب وهو الغاية من التكذيب، قال الألوسي في تفسير «أساطير الأولين» من هذه الآية: «أي أحاديثهم المسطورة التي لا يعوَّل عليها» ونقل عن قتادة أنه قال في تفسيرها «أكاذيبهم وأباطيلهم».

وإذا رجعنا إلى كتب اللغة نجد صاحب «المصباح» يقول: والأساطير الأباطيل. وصاحب لسان العرب يقول: «الأساطير: الأباطيل» وقال صاحب القاموس «والأساطير: أحاديث لا نظام لها»، وفي اللسان أيضًا» يقال: سطَّر فلان علينا: إذا أتى بأحاديث تشبه الباطل».

وهذه النصوص وحدها كافية لأن تمنع كاتب الرسالة من أن يسمي القصة في القرآن: أسطورة.

قال كاتب الرسالة «ولعل قصة موسى في الكهف لم تعتمد على أصل من واقع الحياة بل ابتدعت على غير أساس من التاريخ !! ص89».

رد الشيخ: الذي يتصدى لأن يحكم على قصة نبي في القرآن بأنها لم تعتمد على أصل من واقع الحياة شأنه أن يعرف تاريخ ذلك النبي من طريق غير القرآن ويملأ يده من روايات بالغة في الصحة درجة تكسبه الجزم بأن ما حكاه القرآن غير واقع فله أن يقول حينئذ: إن هذه القصة مبتدعة على غير أساس من التاريخ، فهل دخل الكاتب على هذا الحكم المصدر بـ«لعل» من طريق هو أرجح دلالة على الواقع من نصوص القرآن المجيد؟!

قال كاتب الرسالة: «والقرآن عمد إلى بعض التاريخ الشعبي للعرب وأبطال أهل الكتاب ونشره نشرًا يدعم غرضه كقصة ذي القرنين (ص93)».

رد الشيخ: أما قصة ذي القرنين فقد ذكر القرآن أن الكفار وجهوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم سؤالاً عن ذي القرنين فقال تعالى: «ويسألونك عن ذي القرنين» (الكهف: 83) ولا يخطر على بال أحد فَهِمَ مساق القصة وعرف ما يقصده أولئك المتعنتون من أسئلتهم، أن يكون قصدهم من هذا السؤال أن تصور لهم قصة ذي القرنين في صورة فنية، وإن كانت غير مطابقة للواقع التاريخي، فيكون غرضهم إذا اختبار حال المسؤول من جهة حسن البيان وذلك ما لا يحتمله لفظ الآية ولا يساعد عليه مساقها.

نزل الوحي بالجواب عن هذا السؤال قال تعالى «قل سأتلو عليكم منه ذكرا، إنا مكنا له في الأرض» (الكهف: 83. 84).. إلخ القصة. وقد اختلف الكاتبون فيمن هو ذو القرنين الذي تحدث عنه القرآن في هذه القصة؟

وأخذوا يتحدثون عن الإسكندر الرومي، والإسكندر اليوناني وغيره ونحن نطرح كل حديث عن شخص لا ينطبق عليه ما وصف به القرآن ذا القرنين ونقطع ببطلان أن يكون ذلك الشخص هو المسمى في هذه القصة: ذا القرنين ونقول إن القصة الواردة في القرآن موافقة للواقع التاريخي ما دام المؤرخون لا يستطيعون أن يقيموا دليلاً مقبولاً على أنه لم يوجد في العصور الخالية شخص صدرت منه الأعمال التي نسبت إلى ذي القرنين في القصة.

قال كاتب الرسالة: «وما تمسك به الباحثون من المستشرقين ليس سببه جهل محمد بالتاريخ بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي، ولا الحرص على الصدق العقلي، وإنما ينتج عمله ويبرز صوره بما ملك من الموهبة الفنية والقدرة على الابتكار والاختراع ص136».

رد الشيخ: إدعى المستشرقون أن في القرآن قصصًا غير موافقة للواقع التاريخي وكذلك زعم كاتب الرسالة: أن القصص في القرآن لوحظ فيه التصوير الفني دون الواقع التاريخي والصدق العقلي فكاتب الرسالة يوافق المستشرقين في أن بين قصص القرآن ما لا يوافق الواقع التاريخي غير أن المستشرقين يعللون هذه المخالفة بعدم معرفة محمد للتاريخ وكاتب الرسالة يعللها بأنه عليه الصلاة والسلام – يسوق القصة غير مَعْنى بالواقع التاريخي ولا حريص على صدقها العقلي، وإنما كانت وجهته التصوير الفني والاختراع والتغيير والتبديل.

وانظر ماذا نرى في قوله: «ليس سببه جهل محمد بالتاريخ بل قد يكون من عمل الفنان الذي لا يعنيه الواقع التاريخي» فهل كاتب الرسالة أطلق اسم الفنان على محمد صلوات الله عليه، فيكون قد حاكى المستشرقين في زعمهم: أن القرآن من صنع النبي محمد أو أطلقه – بصفته مسلمًا – على منزل القرآن، ووصفه بأنه لا يعنيه الواقع التاريخي ولا الصدق العقلي؟ وفي كلا الأمرين زهد في الاحتفاظ بالعقيدة السليمة! والمسلم الحق من يؤمن بأن القرآن منزل من عند الله لا من صنع محمد – عليه الصلاة والسلام، وينزه القرآن عن ذلك التصوير الفني الذي لا يعنى بالواقع التاريخي وليس قصص القرآن إلا الحقائق التاريخية تصاغ في صورة بديعة من الألفاظ المنتقاة، والأساليب الرائعة.

قال كاتب الرسالة: «تتدرج القصص في القرآن كما يتدرج أدب كل أديب، فالأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم، ثم يتقدمون خطوة فيبغون الاستمتاع واللذة بالمحاولات الأولى التي تقوم على التقليد والمحاكاة، ثم يكون التخلف شيئًا فشيئًا والدخول في ميدان التجارب الخاصة ومظاهر ذلك، النسخ والتدرج بالتشريع ص169 إلخ».

رد الشيخ: جعل الكاتب القصص القرآني يتدرج كما يتدرج أدب كل أديب وقال: إن الأدباء يلتمسون المتعة واللذة في كل أمر فني يعرض لهم. والواقع أن القرآن لم ينزل ليجاري الأدباء في أدبهم ويذهب في المبالغات مذهبهم، ويستخف بحرمة بعض الحقائق استخفافهم وإنما نزل القرآن ليهدي الأدباء وغير الأدباء إلى ما يلائم الفطرة السليمة من عقائد وآداب وأعمال، فوجهته الدعوة إلى الإصلاح الشامل وليست هذه الدعوة الإصلاحية وليدة الدخول في ميدان التجارب الخاصة، ولا النسخ والتدرج بالتشريع من مظاهر الدخول في تجارب بل الدعوة هداية من خالق التجارب والمجربين والنسخ والتدرج بالتشريع من مظاهر علمه القديم كما هو مفصل في أصول الشريعة.

هذا ما تيسر لنا – أخي القارئ – من تسجيل رد الإمام الجليل على هذه الرسالة المليئة بالمفتريات حتى اعتبرها البعض من قبيل الإلحاد في آيات الله.

(وإلى اللقاء في معركة جديدة للشيخ مع كتاب آخر إن شاء الله)

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news