العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٢١ - الأحد ٢١ أكتوبر ٢٠١٨ م، الموافق ١٢ صفر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

الـسـعـادة الـحـقـيـقـيــة (4)

بقلم: د. علي أبو هاشم

الجمعة ٠٣ ٢٠١٨ - 11:06

 

إن السعادة التي يرجوها كل مؤمن ويبحث عنها هي السعادة الدائمة والباقية بعد فناء الدنيا، وسعادة المؤمن في الدنيا لا تتحقق إلا بالإيمان الخالص والعمل الصادق، وهذه السعادة لا تتم إلا بالاستقامة على منهج الإيمان بالله ورسوله، ولعظم الاستقامة على الإيمان جعلها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصيته لمن جاء يسأله عن أعظم ما يوصيه به في الإسلام من قول وعمل، حتى يستغني بوصية الرسول وقوله عن كل قول بعده، وكان السائل هو الصحابي الجليل سفيان بن عبدالله الثقفي، فكانت الإجابة أن أمره الرسول بالاستقامة، أخرج الإمام أحمد في مسنده. عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سفيان بن عبدالله الثقفي قال قلت: يا رسول الله قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك؟ قال: قل: آمنت بالله ثم استقم. إسناده صحيح على شرط الشيخين، فالسعيد حقا من آمن بالله ورسوله قولا وعملا، واستقام على ذلك، وهؤلاء لا خوف عليهم في الدنيا ولا هم يحزنون عند فراقهم لها، لأن الله وعدهم الجنات ورفيع الدرجات. وفيهم يقول تعالى: «إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. أُولَئِكَ أصحاب الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ». الأحقاف: 13-14. ويقول تعالى: «وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالأرْضُ إِلاَّ ما شاءَ رَبُّكَ عَطاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ». هود: 108. وتوضح السنة المطهرة هذه السعادة الأبدية، وهذا النعيم المقيم الذي لا يفنى، وما أعده الله لأهل الجنة، كما جاء في صحيح مسلم من رواية أبي سعيد الخدري وأبي هريرة: فيقال يا أهل الجنة، إن لكم أن تعيشوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهْرَموا أبدا، وإن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبَأسوا أبدا. حقا إنها السعادة الحقيقية التي يرجوها كل مؤمن وكل موحد، لأنها السعادة الدائمة التي لا يعقبها كدر، ولا يُخالطها خوف، ولا يعتريها الفناء والنقصان، وهؤلاء هم أولياء الله الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، لأن سعادتهم في إيمانهم، وفي قربهم من ربهم، في مناجاتهم لله وفي طاعتهم له، وكل خوفهم من معصية الله ومخالفة أمره، فاستحقوا البشرى بالمغفرة ورفيع الدرجات، واستحقوا السعادة الدائمة والأمن من جميع الآفات في جنة عرضها الأرض والسماوات. يقول تعالى: «ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ. لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ». يونس:62-64. وورد في السنة المطهرة بيان وتفسير هذه البشرى التي وعدهم الله بها في الدنيا والآخرة. قال ابن جرير في جامع البيان: حدثني أبو حميد الحِمْصيّ، حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عمر بن عمرو بن عبدالأحْمُوسي، عن حميد بن عبدالله المزني قال: أتى رجل عبادة بن الصامت فقال: آية في كتاب الله أسألك عنها، قول الله تعالى: لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا؟ فقال عبادة: ما سألني عنها أحد قبلك، سألت عنها نبي الله فقال مثل ذلك: ما سألني عنها أحد قبلك، الرؤيا الصالحة، يراها العبد المؤمن في المنام أو تُرَى له، لأن الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة، وهي المبشرات التي بقيت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم يُبشر بها المؤمن، كما بينه رسول الله فيما أخرجه الترمذي وغيره عن أنس بن مالك. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرسالة والنبوة قد انقطعت، فلا رسول بعدي ولا نبي، قال: فشق ذلك على الناس، فقال: لكن المبشرات، قالوا يا رسول الله وما المبشرات؟ قال: رؤيا المسلم وهي جزء من أجزاء النبوة. وأخرج مسلم في صحيحه، عَنْ إبراهيم بْنِ عبداللَّهِ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عبداللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَشَفَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم السِّتْرَ وَرَأْسُهُ مَعْصُوبٌ فِي مَرَضِهِ الَّذِى مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ. ثَلاَثَ مَرَّات: إِنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إِلاَّ الرُّؤْيَا، يَرَاهَا الْعَبْدُ الصَّالِحُ أو تُرَى لَهُ. وفي رواية أبي ذر. رضي الله عنه. التي أخرجها الإمام مسلم في صحيحه، أن رسول الله فسر البشرى بثناء الناس على عمل المؤمن في الدنيا مع أنه يعمل لله لا يريد ثناء ولا رياء ولا سمعة، عن أبي ذر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، الرجل يعمل العمل فيحمده الناس عليه، ويثنون عليه به، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تلك عاجل بشرى المؤمن. رواه مسلم. أي عاجل بشرى له في الدنيا بسعادته وفوزه في الآخرة، وهذا ثمرة الإخلاص في العمل، وحُسن النية، ولكن هل يُشترط حتى يكون المؤمن سعيدا في الآخرة ألا يكون سعيدا في الدنيا؟ أو يحرم نفسه مما أحله الله له من متاع الدنيا؟ نقول والله أعلم: إن المؤمن يطلب سعادة الآخرة بسعادة الدنيا حينما تكون في طاعة الله وعلى منهج الإسلام، كما يستطيع المؤمن أن يتمتع بما أحله الله له من الطيبات، من دون إسراف أو غلو، ومن دون أن تشغله زينة الدنيا عن عمل الآخرة، فهو يتمثل قول الله تعالى: «ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك». القصص: 77، ويقول تعالى: «تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يُريدون عُلُوًّا في الأرض ولا فسادا والعاقبة للمتقين». القصص: 83. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news