العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٩ - الاثنين ٢٠ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

الانعتاق من دوامة التخلف العربي!!!

بقلم: د. نظمي خليل أبوالعطا

الجمعة ٠٣ ٢٠١٨ - 11:03

احتار المصلحون في بيان أسباب تخلفنا في الصناعة والزراعة والتقنية والبحث العلمي، وفشلنا في حل مشكلاتنا على أسس علمية صحيحة، فمنهم من أرجع السبب إلى الاستعمار، ومنهم من أرجع السبب إلى التركيب الوراثي الجيني العربي، وذهب العلمانيون (بفتح العين) إلى أن الإسلام هو السبب الرئيس لتخلفنا، وأردفوا قائلين إن ما نتمسك به من أخلاق لا يتوافق مع المدنية الحديثة والتقدم العلمي، وهكذا احتار المصلحون في بيان الأسباب الحقيقية لتخلفنا.

وفي اعتقادي، من خلال علمي وتخصصي في التربية والتعليم والعلوم، فإن السبب الرئيس لتخلفنا العلمي والتقني والصناعي والزراعي هو النظام التعليمي المتخلف الذي أسس له المعتمد البريطاني دنلوب، حيث جعل التعليم لتخريج موظفين حكوميين للعمل في الأعمال الكتابية والحسابية في دواوين الحكومة، وقد ترتب على هذه السياسة الدنلوبية الاستعمارية التركيز على الحفظ والصم والاستظهار، وجاء نظام التقييم التعليمي على نفس المنهاج الدنلوبي، فكانت النتيجة المأساوية هذه المظاهر التخلفية البادية في حياتنا في جميع مناحي الحياة، وخاصة في البحث العلمي ووضع الحلول العلمية لخروجنا من مأساتنا التعليمية التعلمية الحالية واعتمادنا على عدونا وغيرنا في غذائنا وكسائنا ودوائنا.

مظاهر تخلفنا التعليمي:

 مع أن مظاهر تخلفنا التعليمي التعلمي بادية للعيان ولكن البعض يحاول انكار وجودها في ظل انتشار التعليم العام والجامعي في ديارنا العربية، لذلك وجب علينا في البداية ابراز هذه المظاهر، ومنها:

- لم تحصل جامعة عربية واحدة على درجة تؤهلها لاحتلال مراكز تصنيفية في جامعات العالم المتقدمة.

- المستوى المتدني لخريجي التعليم العام والتعليم الجامعي وعدم صلاحيتهم وتأهيلهم لتحمل المسؤولية العلمية في مجالات تخصصاتهم.

- اللجوء إلى الخبراء والمختصين غير العرب في حل ودراسة ما نواجهه من مشكلات في جميع مناحي الحياة.

- العشوائية في التخطيط للمشاريع المختلفة والفشل في تنفيذ هذه المشاريع.

- هروب المتعلمين من كليات العلوم وعزوفهم عن الالتحاق بها وإهمال الدول العربية لخريجي كليات العلوم وإلحاقهم بجيش التدريس في التعليم العام مع وضعهم في الدرجة الثانية للمتعلمين.

- التخلف التقني وغياب المؤسسات التقنية المحلية المنوط بها حل مشكلاتنا على أسس علمية وبحثية.

- تحول البحث العلمي والدراسات العليا إلى وسيلة للترقي الوظيفي لأساتذة الجامعة وغياب المشاريع البحثية الجادة المكلفة بحل المشكلات التي نعاني منها.

- اهمال مصادر التعلم والبحث العلمي العربية وغيابها عن الحياة العلمية.

- تفشي الجامعات الخاصة في مجال العلوم غير الأساسية والتركيز على كليات الآداب والحقوق والتجارة.

- غياب الوقف التعليمي وتدمير ما كان موجودا في هذا المجال، واختفاء مساهمة الأغنياء في دعم وتعليم الشعب (التعليم الأهلي).

الأسباب التي أدت إلى تخلفنا التعليمي:

لعبت عديد من الأسباب الدور الرئيس في تخلفنا التعليمي، ومنها:

- السياسة الدنلوبية الاستعمارية في المجال التعليمي وفصل التعليم إلى تعليم ديني وتعليم مدني، وتصنيف العلوم إلى العلوم المدنية الحضارية والعلوم الدينية الأخروية.

- الحرص على الاستمرار في سياسة تجهيل الشعوب العربية ليسهل قيادتها بالخرافة والشائعات والدجل.

- إهمال الأخذ بالأسباب العلمية في حل المشكلات واللجوء إلى الجهلاء لحل المشكلات التي نعاني منها.

- الاعلام الداعم لتحقير العلم والعلماء ورفع شأن السياسيين والإعلاميين والفنانين.

- تدني دخول العلميين والباحثين والمبدعين.

- الإهمال المتعمد للمبدعين والمتفوقين في العلوم البحثية. 

- الاعتماد على خريجي المدارس الشرعية في حصر الدين في الشعائر وتأكيد أن الشعائر هي المدخل الوحيد لرضى الله والجنة، مع رفع شأن الدارسين الشرعيين وإهمال شأن دارسي العلوم الكونية وإبعادهم عن مراكز الاعلام وتوسد المكانة المرموقة في المجتمع.

- التقليل من شأن المعلم ووضع مهنة التدريس في الدرجات المالية والوظيفية المتدنية مقارنة بموظفي البنوك والطب والتسويق والإعلام والفن والمحاماة وغير ذلك من الوظائف الخادمة للقائمين على شأن البناء الحضاري العلمي.

- الإهمال الواضح لمدارس التعليم العام بمناهجها وأساليب تنفيذ وتقويم المتعلمين فيها.

- اهمال القدرات العقلية العليا في تنفيذ المناهج وتقويمها والتركيز على المكرورات والمحفوظات والمصمومات.

خطورة سيادة التخلف التعليمي:

- التخلف التعليمي يؤدي إلى متعلمين يقدسون المحفوظ ويخافون من التغيير والحوار والنقاش العلمي، لذلك يلعبون دورا رئيسيا في تخلفنا.

- العداء الدائم بين العلماء والمتنفذين ومحاولة رفع كلمة العلماء عن علماء العلوم الكونية والتقليل من شأنهم.

- الاستمرار في التخلف والتلذذ به.

- إهمال الأسباب الحقيقية للتطوير والمدنية وحصر التقدم والمدنية في المباني والمؤتمرات والندوات الكلامية.

- الاستغراق في الجدل، وكلما كان الفرد متكلما ومتحدثا بارعا كان عالي الشأن، ولذلك تحولنا إلى أمة الكلام.

- توطيد الأمر للجهلاء وأصحاب الشهادات العليا الورقية والمعادين لأصحاب التعليم الإبداعي والحقيقي.

المنهاج السليم للخروج من مأساتنا التعليمية:

أولى خطوات الخروج من مأساتنا التخلفية العامة التي نحن فيها الاهتمام بالتعليم وتطويره ليصبح تعليما فاعلا يعد الفرد العلمي والمجتمع العلمي القادر على قيادة الأمة علميا وخلقيا وإبداعيا ويضعنا في مصاف الدول المتقدمة والقيادية، وقد كنا كذلك عندما اهتممنا بالتربية والتعليم، فقدنا العالم سنوات طويلة، فالموضوع ليس علينا بالجديد ونحن قادرون على ذلك.

خطوات الخروج من مأساتنا التعليمية الحالية:

- الإقرار بأننا متخلفون تخلفا كبيرا في عملية التربية والتعليم للفرد والمجتمع.

- توعية الناس بأهمية البدء بإصلاح التعليم وأن هذا هو المدخل الرئيس لتقدمنا ولا حل من دون الإصلاح الحقيقي للتعليم.

- تشكيل هيئة عربية للنهوض بالتعليم في الديار العربية من المختصين العلميين والتربويين والاجتماعيين والاقتصاديين لوضع الخطوات المطلوبة لإصلاح التعليم.

- إصلاح مناهج وبرامج كليات التربية والعلوم للتوافق مع النظام التعليمي الجديد.

- وضع اللوائح والقوانين المنظمة للتعليم العام والجامعي الفعال.

- اعداد المعلمين وأساتذة الجامعة القادرين على تنفيذ المناهج الجديدة.

- وضع خطة إعلامية لتهيئة الشعوب العربية لتقبل الخطط الجديدة الرامية إلى إصلاح التعليم.

- وضع المناهج المتوافقة مع السياسة التعليمية الجديدة.

- البدء في تنفيذ تلك المناهج من مرحلة الحضانة والتعليم الأولي.

- التقويم الدائم والمستمر لمراحل تنفيذ المناهج الجديدة.

- البدء في اعداد مناهج المرحلة المتوسطة والمرحلة الثانوية والمناهج الجامعية.

مواصفات التعليم المطلوب:

- تعليم فعال متطور يعمل على تفعيل القدرات العقلية العليا للمتعلمين.

- التعويل على الحوار والنقاش والتفكير الحر والعصف الذهني في تنفيذ المناهج.

- التقويم الفعال المؤدي إلى تحقيق الأهداف من عملية التعليم والتعلم.

- أن يكون التعليم العالي لمن يرغب في المساهمة الحقيقية في نهضة الأمة.

- الاهتمام بالتعليم الفني والتقني والتطبيقي.

- الاهتمام بالبحث العلمي ورصد الميزانية الملائمة للمحافظة على تفعيله وتحمله حل المشكلات التربوية والعلمية والزراعية والصناعية والتجارية والثقافية في المجتمعات العربية.

 هذه رؤية أولية لإصلاح التعليم ونهضة الأمة العربية التعليمية والتعلمية، وهي قابلة للنقاش والحوار والتعديل والتطور، المهم أن نتأكد أنه لا حل للتخلص من تخلفنا إلا بإصلاح التعليم الإصلاح الحقيقي.

صدقوني يا إخوتي أنه لا فائدة من كل المباني والمؤسسات والندوات والمؤتمرات والمراكز العلمية والأنشطة العلمية والثقافية والاجتماعية من دون إعادة ترتيب العقلية للفرد العربي والمجتمعات العربية لتتخلص من العقلية الخرافية والعشوائية والاتكالية ولتصبح مجتمعاتنا قادرة وأفرادنا قادرين على التفكير العلمي الصحيح والبحث عن الأسباب الحقيقية لتخلفنا والعوامل الحقيقية للنهوض بأمتنا العربية، ولن نصل إلى ذلك إلا بالتعليم الفعال والتربية الفاعلة، وأن نعمل جميعا على تغيير واقعنا المأساوي إلى واقع قادر على تعمير الكون بنواميس الله في الخلق، كما قال تعالى: «إِنَّ اللّهَ لاَ يغَيرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يغَيرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ» (الرعد: 11). فالحلول في أيدينا وعلينا العزم على العمل على الخروج من مأساتنا التعليمية التعلمية الحالية. 

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news