العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٧٨٨ - الثلاثاء ١٨ سبتمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٨ محرّم ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

صحوة كردية في الأزمة السورية

لا يختلف اثنان على حق جميع المكونات العرقية والدينية وغيرها من مكونات المجتمع السوري، في التمتع بحقوق مواطنة متساوية، فإرساء العدالة في المجتمع وإحساس المواطن، بغض النظر عن معتقده وانتمائه العرقي أو الديني، واقتناعه بوجود نظام للمساواة بين جميع المواطنين، من شأن ذلك كله أن يعزز ويوثق قواعد الوحدة الوطنية ويسد كافة أشكال الثغرات التي تحاول بعض القوى الإقليمية أو الدولية النفاذ منها للعبث في الشأن الداخلي بما يحقق مطامعها الجيوسياسية والاقتصادية وغيرها من المطامع التي، بكل تأكيد، لن تصب ولن تخدم مصالح الشعب السوري الشقيق بغض النظر عن الاختلافات والصراعات بين جميع القوى السياسية داخل المجتمع، وهذا ما حدث بالضبط بعد تفجر الأحداث في سوريا مع ما سمي موجات «الربيع العربي» عام 2011 حتى الآن.

تعتبر أحداث «الربيع العربي» السورية أكثر الأحداث دموية فيما شهدتها وتشهدها بعض الدول العربية، فهي لم تتسبب فقط في إزهاق أرواح مئات الآلاف من المواطنين السوريين والتسبب في أكبر موجة نزوح جماعي بعد الحرب العالمية الثانية في أربعينيات القرن الماضي فحسب، وإنما تسببت أيضا في إضعاف السيادة الوطنية السورية وفتحت أبواب سوريا على مصاريعها أمام مختلف القوى الإقليمية والدولية، من دون أن يسجل أي من أطراف الصراع أي مكسب حقيقي لصالح الوطن والشعب السوري، فهذا الشعب من دون غيره هو الذي دفع الأثمان الباهظة جراء هذا الصراع العبثي، ورغم انخفاض أعمال العنف وتقلص قوة المنظمات الإرهابية، فإن الاقتتال والتدخلات الإقليمية والدولية لم تضع أوزارها حتى الآن.

في الآونة الأخيرة بدأت بعض القوى السورية تدرك عبثية استمرار الصراع المسلح؛ لأن من شأن ذلك أن يضعف الجميع ويقضي على أي أمل في الحفاظ على الدولة السورية وما تبقى من روابط في النسيج الوطني والاجتماعي السوري. في هذا الاتجاه أظهرت بعض القوى الكردية السورية انفتاحا سياسيا وأمنيا مع الحكومة السورية، حيث احتضنت العاصمة السورية دمشق مؤخرا لقاء جمع ممثلين عن مجلس سوريا الديمقراطية، الذراع السياسية لقوات سوريا الديمقراطية المدعومة من واشنطن، مع ممثلين عن الحكومة السورية، حيث تشير المعلومات إلى اتفاق الطرفين على تشكيل لجان بينهما لتطوير المفاوضات بهدف وضع خريطة طريق تقود إلى حكم «لا مركزي» في البلاد.

الأكراد هم مكون أساسي من مكونات الشعب السوري المتعدد الأعراق والأديان والطوائف، والحقيقة ان هذا المكون العرقي السوري لم يتمتع بكامل حقوق المواطنة أسوة بباقي المكونات، وتحديدا المكون العربي، وهذا خطأ فادح ارتكبه النظام السوري وأسهم هذا الخطأ في دفع قسم كبير من القوى الكردية في الارتماء في أحضان القوى الإقليمية والدولية، فالتمييز بين المواطنين على أساس العرق أو الدين أو غيرها من التمايزات لا يخدم المصلحة الوطنية السورية، كما أنه لا يخدم أي مكون من مكونات المجتمع السوري، بل على العكس من ذلك فإن مثل هذه الممارسة تضعف من التلاحم الوطني.

ليس هناك أدنى شك في أن الخطوة السياسية التي أقدمت عليها القوى الكردية بفتح صفحة للحوار الجدي مع الحكومة السورية ومناقشة القضية الوطنية السورية بعد سنوات عجاف من الصراع الدموي، من شأن مثل هذه الخطوة أن تقدم دعما للجهود المخلصة التي تسعى الكثير من الأطراف لإنجاحها بهدف وضع حد للصراع الدموي السوري وتمكين جميع القوى السياسية في سوريا من المشاركة في بناء دولة المواطنة الحقيقية التي يتمتع فيها الجميع بحقوق متساوية، بعيدا عن العقلية الشمولية والتسلط السياسي الذي أضعف بنيان الدولة السورية وأسهم في تفجر الأحداث واستمرارها.

بعيدا عن الأسباب التي دفعت بالقوى السياسية الكردية إلى فتح صفحة الحوار السياسي مع دمشق، وما إذا كان الموقف الأمريكي المتأرجح بين مصالح واشنطن مع تركيا وبين التمسك بدعم الأكراد رغم الغضب وعدم الرضا التركي، فإن الأكراد اختاروا الطريق الصحيح والأنجع أيضا، فالقوى الخارجية، ومهما أظهرت من مواقف «الدعم» وتقديم أي شكل من أشكال «المساعدة»، فإن هذه القوى إنما تستخدم الأطراف المحلية لخدمة مصالحها السياسية والاقتصادية وغيرها من المصالح، فهي لا تضع أي اعتبار لمصالح الشعب السوري، أو غيره من الشعوب، وربما تطور الأحداث في المناطق الكردية السورية، وخاصة بعد الاجتياح التركي لجزء من هذه المناطق رغم «التحالف» الأمريكي الكردي، يؤكد هذه الحقيقة.

لا أحد سيلوم الأكراد إذا تمسكوا بحقهم في الحصول على حقوق متساوية مع أشقائهم السوريين من مختلف الانتماءات العرقية أو الدينية، ولن يقف أحد مع النظام السوري عندما يمارس تمييزا بين مواطنيه أو يحرم هذا المكون من حقوق ويعطيها لمكون آخر، لكن اللوم سيقع على كل من يصر على استمرار المأساة السورية والإمعان في تدمير الوطن، فالدولة السورية ومؤسساتها المختلفة ليست ملكا لحزب البعث الحاكم ولا لغيره من الأحزاب أو المكونات، وإنما هي ملك لجميع مكونات الشعب السوري، وان أي انهيار أو تضرر لمرتكزات الدولة وانهيارها سيلحق الضرر بجميع مكونات الشعب السوري وليس بالأحزاب، سواء الحاكم منها أو من هي خارج الحكم، لذلك نقول إن من مصلحة جميع أفرقة الصراع السوري أن يتمعنوا قليلا في مدى وحجم الأضرار التي لحقت بالوطن السوري جراء هذا العبث، وأن يضعوا مصلحة وطنهم في مقدمة الأولويات، فهناك ما زال متسع للحركة وإعادة قراءة المواقف، وليس عيبا أن يراجع الإنسان مواقفه وآراءه.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news