العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٤٨ - السبت ١٧ نوفمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٩ ربيع الأول ١٤٤٠هـ

هوامش

عبدالله الأيوبي

ayoobi99@gmail.com

إلى أين يسير العراق؟

من المؤكد أن آفة الفساد والبيروقراطية واستئساد المصالح الفئوية والحزبية الضيقة تقف وراء مجمل الأوضاع المعيشية والخدمية التي تعاني منها جميع محافظات العراق، بغض النظر عن تفاوت درجات المعاناة بين هذه المحافظة أو تلك، وبأن العوز المادي ونقص الخدمات، وانعدامها في أحيان كثيرة، إلى جانب انتشار البطالة بين الشباب في مناطق العراق المختلفة، تقف وراء الاحتجاجات التي تفجرت في الآونة الأخيرة في محافظات العراق الجنوبية التي يبدو أنها حتى الآن متواصلة في نطاق المطالب المعيشية والحياتية الضرورية بالنسبة إلى المواطن العراقي، مع بعض الرشقات السياسية التي تظهر هنا وهناك، وهي رشقات طبيعية وحتمية أيضا، وقد تكون هي المقدمة المنطقية لما يمكن أن يأتي بعد المطالب المعيشية والخدمية، ذلك أن هناك أسبابا جوهرية تقف وراء ظهور هذه الأوضاع المعيشية الصعبة، وبالتالي فإن معالجة هذه الأوضاع لا يمكن أن تنجح من دون معالجة الأسباب. فهناك خلل كبير في تركيبة المنظومة السياسية العراقية التي تشكلت بعد جريمة الغزو الأمريكي للعراق عام 2003، والتي تسببت في الانهيار شبه الكامل للمنظومة الاقتصادية والمعيشية في العراق إلى جانب المشاكل الأمنية والصراعات السياسية والعرقية والمذهبية التي طفحت على سطح بلاد الرافدين، إلى جانب تنفيذ المشروع الأمريكي الخطير الذي استهدف الكيان السيادي العراقي برمته تنفيذا لنظرية «الفوضى الخلاقة» التي كشفت أهدافها وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كونداليزا رايس. كل هذه العوامل ساهمت مساهمة كبيرة في تعقيد الأوضاع السياسية والاقتصادية في العراق وأوصلته إلى الحالة التي أدت إلى هذه الانتفاضة المعيشية التي تشهدها بعض محافظات الجنوب.

صحيح أن الحراك الذي تشهده هذه المحافظات العراقية في الوقت الراهن، هو حراك مطلبي، اقتصادي ومعيشي وخدماتي، لكن الصحيح أيضا، بل والمؤكد أن هذه المطالب ليست سوى مقدمات لمطالب أخرى تستهدف بالدرجة الأولى اجتثاث الأسباب التي أدت وتسببت في ظهور هذه المشاكل الاقتصادية والمعيشية، أي الفساد السياسي المستشري في التركيبة العراقية الحالية، وانشغل قادة هذه التركيبة بترتيب أوضاعهم الداخلية بهدف عدم تضييع أو خسارة أي مكسب، سياسي أو مادي، حصلوا عليه بعد جريمة الغزو الأمريكي.

فالمطالب المعيشية الجماهيرية، عادة ما تتحول إلى مطالب سياسية، وفي أحيان كثيرة، مطالب جذرية، فتجارب التحركات المطلبية الجماهيرية في العديد من الدول تؤكد ذلك، والعراق لن يكون استثناء، فعندما تفتك آفة الفساد ببطون شريحة واسعة من الشعب، ويجري تبذير الثروة الوطنية، بواسطة العبث السياسي والحزبي، عندها لن تكون لقمة العيش هي وحدها التي يمكن أن تقنع أصحاب هذه البطون بالعودة إلى مساكنها، فإذا كان «تاريخ البشرية هو تاريخ البحث عن الطعام»، كما يقول كارل ماركس، فإن هذا البحث عندما تطول مدته ويتحول إلى بحث جماعي، كما هو حاصل في العراق الآن، فإنه لن ينحصر في مطلب الطعام فقط، وإنما سوف يتعداه إلى مطالب أخرى، سياسية بكل تأكيد.

فالعراق بحاجة ماسة إلى إعادة بناء سياسي واقتصادي واجتماعي كبيرة، فما أفرزته جريمة الغزو الأمريكي من خراب، وما تسببت في الحرب على الإرهاب من خسائر وشروخ مجتمعية خطيرة وكبيرة، إلى جانب الدور السلبي الذي لعبته الأحزاب السياسية بمختلف انتماءاتها، الدينية والمذهبية والعِرقية، كلها عوامل لعبت أدوارا مؤثرة وكبيرة في تأزم الوضع المعيشي الذي أدى إلى هذه الانتفاضة الجماهيرية التي لم يشهدها العراق من قبل من حيث طابعها المطلبي المعيشي والخدمي، فالمواطن العراقي الذي عانى كثيرا خلال السنوات التي تلت الغزو الأمريكي لم يعد قادرا على تحمل المزيد من الأعباء، وخاصة أنه يرى كيف تهدر ثروات الشعب الطبيعية، فيما الأحزاب السياسية مستمرة في صراعات المصالح الحزبية السياسية التي لا تمتّ بأي صلة إلى مصالح المواطن العراقي.

فالتحركات المطلبية العراقية مرشحة للتصاعد والاتساع، وخاصة بعد ورود أنباء عن سقوط قتلى وجرحى واعتقالات في صفوف المحتجين، فمثل هذه الخسائر البشرية يفترض ألا تقع أثناء التعامل مع مطالب معيشية وخدمية مشروعة، فحفظ الأمن وحماية الممتلكات العامة شيء، ومنع المواطنين من التعبير عن سخطهم ورفضهم لانتشار آفة الفساد والعبث بالثروة الوطنية وصرفها في غير مكانها المناسب  شيء آخر، فمثل هذه الأخطار التي وقعت فيها الأجهزة الرسمية المعنية، من شأنها أن تصب المزيد من الزيت على نار الاحتجاجات وتزيد ألسنتها اشتعالا.

لا أحد يتمنى للعراق أن ينزلق في صراعات داخلية عنيفة، فما عانى منه الشعب العراقي وما تعرض له خلال السنوات التي سبقت الغزو الأمريكي، والمتمثل في الحصار الخانق الذي تعرض له على مدى أكثر من ثلاثة عشر عاما متواصلة، وما واجهه بعد جريمة الغزو من بطش وأعمال إجرامية على أيدي الجماعات الإرهابية المختلقة، تكفي لأن يتعظ حكماء العراق وأبناؤه المخلصون لتجنيب بلدهم وشعبهم مزيدا من المآسي والخسائر البشرية والمادية، لكن ذلك بالدرجة الأولى يتوقف قبل كل شيء على مدى إدراك السلطات العراقية وتفهمها لمشروعية المطالب وأحقية المواطن العراقي في الاستفادة من ثرواته الوطنية، من خلال التصدي الجدي لآفة الفساد ووضع حد للمصالح الفئوية الضيقة، التي تسببت فيما آلت إليه الأوضاع في العراق من مصاعب ومشاكل كثيرة وكبيرة أيضا.

إقرأ أيضا لـ"عبدالله الأيوبي"

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news