العدد : ١٤٧٥٦ - الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

العدد : ١٤٧٥٦ - الجمعة ١٧ أغسطس ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ذو الحجة ١٤٣٩هـ

الاسلامي

حــيــرتــنـــي الــنــفــس (2)

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:20

بقلم/ أ. د. أمين عبداللطيف المليجي

مازالت مع النفس لانها محيرة فعلا، ففي مقالتي الأولى تحدثت عن النفس وقلت إنها تحمل الخير والشر، والإنسان إما يزكيها وتكون خيره وإما يدسها فتكون شريرة وهذا مصداقا لقول الحق في سورة الشمس «وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَ (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8)، قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا(9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (10)»، ولكن الامر لا يقف عند هذا الحد، لأن للنفس شؤون كثيرة مع الانسان، حتى انني اكاد اجزم بأن النفس جزء منفصل عن الانسان، واضرب مثالا على ذلك، الانسان في حياته يفعل أشياء أو ينوي فعل أشياء بطريقة معينة، كأن ينوي مثلا بإخراج صدقة أو ما شابه من اعمال الخير، فتأتي النفس وتحاول توجيه الانسان، وتجعله يغير وجهته أو تجعله يفعل ما لا يحب فعله، فتقول له النفس لا تعطي فلانا ولا تعطي الجهة هذه أو تقول له هذا كثير أو تقول له لا تعطي على الإطلاق، اَي إنها توسوس للإنسان وتأخذه في طرق متعددة تجعله في حيرة من أمره، وتجعله يتساءل هل ما يفعله صحيح أم خطأ، اَي إننا امام شيء يكاد يكون منفصلا عن الانسان، لأن الانسان خُلق على الفطرة، ودائما ما يكون الخير في الإنسان هو الأساس، ومقدم على للشر، ولكن تأتي النفس وتبدل حال الانسان، صحيح ان هناك شياطين الانس والجن، ولكن الحق أكد لنا وقوله الحق بان كيد الشيطان ضعيف، ولكن النفس تكون هي المحرك الرئيس للإنسان، فالحق يقول: «وَمَا أُبَرِّئ نَفْسِي إِنَّ النَّفْس لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُور رَحِيم»( يوسف- 53). وقد جاء في الحديث ان الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم قال: «رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر» فتساءل الصحابة ويحق لنا ان نسأل، اَي جهاد اكبر من القتال وانت ذاهب بنفسك ولا تدري أراجع أم لا، ثم يفاجئ الرسول الصحابة ونحن أيضا بأن يقول: «الجهاد الأكبر هو جهاد النفس»، يا سبحان الله كأن الرسول قد أطلعه الله على الغيب، لأن النفس من الغيب الذي لا نراه فوصف لنا حال النفس ومصارعتها للإنسان طوال حياته، وهذا ما يحدث فعلا، فإذا راجع الانسان أعماله لوجد جُلّها مُصارعة ومُجاهدة للنفس في افعل ولا تفعل، اعمل كذا ولا تعمل، اكره فلانا ولا تكره فلانا، الا قليلا من الاعمال التي لا تقدر على تغييرها النفس إذا كان الانسان ثابت اليقين والإيمان، فإنها لا يمكن ان تمنع الانسان عن الصلاة، ولكن يمكنها ان تجعله يؤخر الصلاة أو يسهو في الصلاة، وهكذا فإن حال الإنسان تتقلب وتتبدل بين الخير والشر، وذلك مرتبط بحال النفس، فإن كانت نفس الإنسان أمارة بالسوء دائما، فإن حال الإنسان سيكون من سيء إلى أسوأ، ولن يهنأ بشيء، حتى ان أوتي كنوز الدنيا كلها، وهذا الصنف نعوذ بالله منه ونسأله ألا نكون ممن تأمرهم أنفسهم بالسوء، ثم يأتي الصنف الثاني، وهو أقل ضررا، لأن النفس هنا تكون نفسا لوامة، ويمكن القول بأن حال هذه النفس يتساوى فيه قدر الخير والشر، فقدر الشر يأمر الإنسان بالسوء، ثم يأتي قدر الخير وينهاه عن فعل السوء، فلا يفعله، وربما يلومه بعد فعل السوء لوما شديدا، لم فعلت كذا وكذا؟ لم أذيت فلان؟ لم أكلت حق الناس؟ وتظل مع الإنسان تلومه حتى يرجع عن ما فعله، فيرد الحق إلى أصحابه، وأظن حال النفس اللوامة يحملها كثير من الناس، على عكس النفس الأمارة بالسوء والشر دائما، أعتقد أنها لا توجد عند كثير من الناس، لأن أشرار الناس عددهم قليل، ويعرفهم المجتمع، ويتجنبهم أو يعاقبهم، ويكون العقاب غالبا من أولي الأمر حتى لا تحدث الفوضى في المجتمع ويسود قانون الغاب، والذي يأكل فيه القوي الضعيف من دون رحمة ولا وازع من ضمير، ثم نأتي إلى حال النفس الطيبة الخيرة المطمئنة، وهذه النفس كلنا يحب أن يكون عليها، وأعتقد أن كثيرا من الناس يحملها ايضا، وربما تكون هي الغالبة بين البشر، وهذا من رحمة الله، حتى لو كان الشر موجودا وساد في المجتمع بعض الوقت، فلا يسود كل الوقت، لأن الخير دائما موجود وبكثرة، وهذه النفس المطمئنة كرمها الحق وخاطبها بقوله في كتابه الكريم في سورة الفجر «يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إلى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً (28) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنَّتِي (30)»، فنسأل الله أن نكون ممن يحملون نفسا طيبة خيرة مطمئنة، وأن يسود الخير والسلام والمحبة في كل ربوع الأرض.

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news