العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

العدد : ١٤٨٧٤ - الخميس ١٣ ديسمبر ٢٠١٨ م، الموافق ٠٦ ربيع الآخر ١٤٤٠هـ

الاسلامي

«من وحي الإسلام» .. الفنون الإسلامية: الجداريات والفسيفساء والزخارف الجصية (8)

بقلم: يوسف الملا

الجمعة ٢٧ يوليو ٢٠١٨ - 10:18

* الزخارف الجصية في المحاريب:

ومن الزخارف الرائعة ما نراها متمثلة في بعض المشاهد وخاصة المحاريب سيان داخل الإطار أو خارجه كمحراب مشهد الجيوشي (478هـ) ومشهد عاتكة الجعفري (514هـ) ومشهد اخوة يوسف أوائل القرن (السادس الهجري 12 الميلادي) ومشهد السيدة رقية رضي الله عنها (527 هـ) ومشهد يحيى الشبيه (545هـ).

وهذه المحاريب نجد فيها تنوعًا واضحًا في زخرفة الجص بين النباتية والهندسية والأشرطة الكتابية بالخط الكوفي البسيط أو المزهر إلى جانب الأشكال المحارية والاشعاعية المنبثقة من مركز واحد، ومن المحاريب الجميلة الموجود في الجامع الطولوني الذي أمر بتنفيذه الأفضل بن بدر الجمالي عام (487هـ - 1094م) وهو مسطح الشكل غير مجوف بنص كوفي يحيط به غاية في الروعة والجمال باسم الخليفة المستنصر ووزيره الأفضل، وبوسطة زخرفة نباتية وآيات قرآنية كريمة.

* تشابك الوحدات الزخرفية الجصية:

ومن الجدير بالذكران الوحدات الزخرفية الجصية والكتابة من فوقها هو المثال الأول لظهور الزخارف في العصر الأيوبي والمملوكي ولا سيما التحف المعدنية، ويعتبر التطور الجصي في العصر الفاطمي بأنها تجلت فيها مهارة الفنان المسلم واضحة من حيث التكنيك الصناعي والثراء الزخرفي، وهو يعتبر تطورًا يفصح عن خيال الصانع والتشبع بروح الجمال والاسلوب الذى ينم عن طريقة التعبير الفني. ولقد انتشرت الزخارف الجصية التي تزين المحاريب والواجهات والابواب في الجوامع وأجملها هنا على الاطلاق «باب جامع الحاكم بأمر الله الفاطمي» الذي يمثل رمزًا للابداع والجمال والتنسيق للفن الإسلامي البديع!

* الزخارف الجصية في العصر الأيوبي:

يذكر أستاذنا الدكتور عبدالرحيم إبراهيم أحمد في بحثه الشائق (عن العمارة وزخرفتها) الإسلامية بأن الأيوبيين اتبعوا في عصرهم الأساليب الفاطمية في الزخارف الجصية، ولكن الزخارف الأيوبية بدت أنها إتخذت منحى آخر يتسم بالرقة في مظهرها واشد تعقيدًا وخاصة الزخارف الجصية النباتية.

ومن أجمل الأمثلة التي نشاهدها الزخارف في ضريح الإمام الشافعي رضي الله عنه عام (608 هـ - 1211م) الذي تشرفنا بزيارته مع شيخنا عبداللطيف المحمود في السبعينيات ونرى في الواجهة الخارجية التي تتكون من ثلاث طوابق رأسية حيث القبة في الطابق العلوي، ويتراجع الطابق الأوسط إلى الداخل بمقدار ثلاثة أرباع المتر عن الطابق الأدنى وتمتد حوله الطاقات على شكل محاريب متقاربة.

أما الطابق الأدنى قد فتحت من جهاته الأربع نافذة وسطى تحيط بها طاقتان من كل جانب، وتعلو شرفة من اربع لوحات مستطيلة حليت بالزخارف الجصية المخرمة المضفرة، ويفصل بين اللوحات خمس لوحات أخرى صماء كأنها دعامات ممتدة على الزخارف تارة وأخرى كتابية معشقة خطت على أرضية نباتية على شكل فروع نباتية مخرمة وشبه مخرمة نسقت تنسيقًا متوازيًا بديعًا.. ولهذه الزخارف أهمية خاصة عن مثيلاتها حيث إنها مستمدة من الأسلوب المغربي الأندلسي.

* تأثيرات أندلسية:

وهذه التأثيرات الأندلسية استمرت خلال العصر الأيوبي من الزخارف الجصية التي تكسو الإطارات التي تحيط بنوافذ المدرسة الكاملية (بشارع المعز لدين الله الفاطمي) عام 622هـ وقوام زخرفتها كتابات كوفية مزهرة (مورقة) إلى جانب الزخارف النباتية الهندسية.. وقد زار أحد الرحالة الأجانب المدرسة الكاملية عام 1845 م وقال بما معناه هو «إن زخارف المدرسة تشبه تمامًا الزخارف المنفذة في قصر الحمراء في غرناطة الأندلسية» وقد نقلت هذه الزخارف إلى متحف الفن الإسلامي بالقاهرة.

ونشاهد التأثيرات الاندلسية في الزخارف الجصية التي تكسوبدن المشهد الحسيني (634 هـ - 1237 م) الذي تشرفت بزيارته ولا تزال هذه الزخارف باقية في الواجهة الجنوبية للبدن وهي عبارة عن طاقات على هيئة محاريب نقشت بالجص المزخرف زخرفة بديعة وتنتهى من الطاقات «بأشكال محارية» مفصصة.

* زخارف جصية لكسوة المحاريب:

واستخدمت الزخارف الجصية في كسوة المحاريب والإطارات التي تحيط بها نجد مثال محراب مدرسة السادات الثعالبة بقرافة (جبانة) الإمام الشافعي (613 هـ - 1216م) التي كسيت بالزخارف الإشعاعية: ونلاحظ هنا التطور في استخدام الكسوات الجصية المزخرفة في قبة الخلفاء العباسيين بالسيدة نفيسة العلم رضي الله عنها 640هـ - 1242م وتكسو كوشات عقد المحراب زخارف الشبيهة بالأرابيسك الإسلامي والمحصورة داخل إطارات مزخرفة باشرطة كتابية من الخط الكوفي المزهر (المشجر) ويعلو المداخل الواجهة للمحراب بزخارف اشعاعية وتتشابه كسوة المحراب كما يعلو من الدخلتين الجانبيتين كسوة تنسب زخارف فتتسع من مركزه إلى إطار صغير زين بالارابيسك.

* زخارف قبة شجر الدر الصالحية:

أما زخارف الجص في قبة جامع الملكة شجر الدر الصالحية بشارع الأشرف (بحي الخليفة) القاهري (648هـ - 1250م) فتشابه زخارف قبة الخلفاء العباسيين، حيث تتميز بدقة واتقان تلفت الأنظار اليها... ويتضح لنا مما تقدم أن الزخارف الأيوبية قد خطت خطوات واسعة من التطور تفوق في مضمونها الزخارف الفاطمية السابقة بل في الواقع استمدت التأثير المغربي الأندلسي التي بدأت من حين إلى آخر في العمارات والمباني والفنون الإسلامية الأيوبي في العصر الأيوبي وهو تأثير تشهد له الآثار التي خلفوها في المدن الإسلامية.

* تعشيق الزجاج الملون بالجص: 

نذكر على سبيل المثال أن الزخارف الجصية الأيوبية استخدم فيها قطع الزجاج الملون في تشكيلات زخرفة الشبابيك الجصية المفرغة كما في ضريح قبة الصالح نجم الدين أيوب (بشارع النحاسين) التي بنيت عام 648 هـ - 1250 م وهي المثال الأول الباقي، وانتشر بعد ذلك هذا الاسلوب في زخارف العصر المملوكي، ومن الطبيعي ان الغرض من هذه النوافذ الجصية المزخرفة المفرغة والمعشقة بالزجاج الملون هو تخفيف حدة الضوء والنور إلى جانب الغرض الزخرفي بجانب اسدال الظلال.

* الزخارف الجصية في العهد المملوكي:

يشكل العصر المملوكي بلا ريب العصر الذهبي لصناعة الزخارف الجصية في تكسية المباني العمرانية، وخاصة الفترة الأولى من عصر المماليك البحرية ما بين عامي (648هـ - 784هـ - 1250م – 1382م) ويرجع ذلك إلى تقدم الفنون الحرفية وتطور معالم البناء العمراني والحاجة إلى تغطية الجدران والواجهات والوحدات المعمارية آنذاك بالجص.

وقد استطاع الفنان المملوكي المسلم أن يضفي على المنشآت المملوكية البحرية المتناثرة في ساحات القاهرة القديمة ففي هذه المنشآت ذات الزخارف المتنوعة تنتقل النظرات من حسن إلى أحسن ومن جيد إلى أجود.. ومن اروع هذه المنشآت التي تتجلى فيها العظمة وروعة البناء ورفعة التصميم نجد الزخارف الجصية في العمائر هي مجموعة السلطان المنصور قلاوون بشارع النحاسين، ومدرسة الناصر محمد بن قلاوون بجوار مدرسة السلطان الجوكندار ومدرسة (السلطان حسن وزاوية) زين الدين يوسف، ورباط أحمد سليمان الرفاعي وغيرها التي تكشف عن مهارة الصانع واجادته الذي أخرج لنا هذه الآثار الباقية.

* الزخارف التي شاع استعمالها: 

وقد تنوعت الزخارف الجصية خلال هذا العصر فمنها ما يمثل النباتات والهندسية والاشرطة الكتابية، اما تلك الزخارف التي تبين الكائنات الحية الآدمية والحيوانية فلم نشاهدها البتة، ويرجع ذلك إلى القول بكراهيتها وتحريم الصور المتمثلة بالأحياء فقد حرمها الإسلام كما أوضحنا سابقًا.

ومن انواع الزخارف المعهودة آنذاك الفروع النباتية والمراوح النخيلية إلى العناصر الأخرى كالأوراق المركبة المتدلاة بالأغصان وزهور الزنبق والكاسية وزهرة اللوتس المتعددة والتوريق العربي الإسلامي وهو (الارابيسك) ومن الزخارف الهندسية التي كثر استعمالها الاشكال المجردة من الخطوط المستقيمة والمقوسة والمتشابكة والمتداخلة والمجدولة، والاشكال المعروفة كالمثلثات والمثمنات والمعينات والدوائر المتشابكة والأطباق النجمية والخطوط المنكسرة.

* استخدام الخط النسخي بوفرة: 

ومن الزخارف والفروع النباتية والأشرطة الكتابية بما في ذلك النصوص القرآنية الكريمة والمنتشرة بالخط النسخي المملوكي والثلث (والكوفي أحيانًا بعد ان قل استخدامه عن ذي قبل). ومن المعروف أن الخط الكوفي يمثل الخط الرسمي التسجيلي على العمائر والتحف التطبيقية طيلة القرون الخمسة الأولى الهجرية والخطوط الكوفية هي (المورق والمزهر والمضفور والمركب والمربع والمشجر).

(الهوامش: التصوير الإسلامي في العصور الوسطى: الاستاذ حسن الباشا – دار النهضة العربية، تاريخ الفن والنحت والتصوير: الدكتور ثروت عكاشة – 1991م، تاريخ مصر القديمة وآثارها: الاستاذ محمد جمال الدين مختار القاهرة – 1987 م، تاريخ الفن في العصور الإسلامية – العمارة وزخارفها: الدكتور عبدالرحيم إبراهيم احمد، مقدمة تاريخية عن الجداريات عبر العصور: المهندسة رنا قاسم مهدي – بغداد).

كلمات دالة

هل ترغب بالتعليق على الموضوع؟

لا تتردد في إعطاء تعليقك ومشاركة رأيك

الاسم:
النص:
تبقى لديك (600حرف

aak_news